صحف وآراء مجتمع

في لبنان نحنُ لا ننهار فقط بل نكرّر الانهيار

* سالي علي 

في لبنان، لا ينهار الوطن دفعة واحدة، بل يتآكل على شكل طبقات. طبقة من الحرب، تعلوها طبقة من السياسة، وتغطيها طبقة أكثر صمتاً وخطورة؛ المجتمع وهو يعيد تعريف نفسه خارج فكرة الدولة. ما جرى في الأسبوع الأول من أيار/ مايو ليس حدثاً استثنائياً بقدر ما هو تكرار محسّن لسيناريو قديم، كأنّ البلد عالق في حلقة زمنية لا تتقن إلاّ إعادة إنتاج أزماتها.

في الجنوب، مازال المشهد مألوفاً إلى حد القسوة. غارات، نزوح، بيانات عسكرية، وردود محسوبة لا تهدف إلى الحسم بقدر ما تهدف إلى الاستمرار. ليست هذه المرة الأولى التي يتحول فيها الجنوب إلى مسرح مفتوح لحرب لا تريد أن تنتهي، ولا تستطيع أن تتصاعد إلى نهايتها القصوى. هذا النوع من الحروب والذي عرفه اللبنانيون جيداً منذ 2006، يقوم على معادلة غريبة؛ الجميع يعلن الصمود، لكنّ أحداً لا يقترب من النصر. ومع كل جولة تتآكل مساحة الحياة الطبيعية أكثر، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة. وما يميز اللحظة الحالية ليس فقط تكرار الحرب  بل السياق الذي تدور فيه. لبنان اليوم أضعف بكثير مما كان عليه في محطات سابقة. في 2006، كانت الدولة اللبنانية ضعيفة، لكنها موجودة رمزياً على الأقل. في السنوات التي تلت، ومع الانهيار الاقتصادي في 2019، لم تعد الدولة حتى إطاراً شكلياً جامعاً بل أصبحت أقرب إلى ذكرى إدارية، بينما الواقع يُدار عبر شبكات موازية؛ أحزاب، طوائف، مبادرات محلية، واقتصاديات صغيرة تنمو في الظل! هنا تحديداً تظهر فكرة الوطن المؤجل. ليس لأنّ اللبنانيين لا يريدون وطناً، بل لأنّ كل ما هو متاح أمامهم يدفعهم إلى بدائل أصغر. الطائفة لم تعد مجرد هوية بل صارت نظام حماية. الحزب لم يعد خياراً سياسياً بل صار مزود خدمات وأمن ومعنى. ومع كل تراجع للدولة، يصبح الانتماء إليها رفاهية فكرية أكثر منه خياراً عملياً.

الأسبوع الأول من أيار/ مايو كشف عن هذا التصدع بوضوح. لم يكن هناك موقف لبناني واحد مما يجري. لم يكن هناك حتى نقاش وطني جامع. بدلًا من ذلك، ظهرت مواقف متوازية، كل منها يتحدث من داخل بيئة محددة، مستخدماً لغة مختلفة، وأولويات مختلفة، وحتى تعريفاً مختلفاً لما يحدث. بالنسبة للبعض، ما يجري هو مواجهة ضرورية. وبالنسبة لآخرين، هو مغامرة مفروضة. وبين الاثنين تضيعُ فكرة أن يكون هناك موقف لبناني واحد أصلاً. هذا ليس جديداً ففي كل محطة مفصلية مر بها لبنان، كان الانقسام حاضراً. خلال الحرب الأهلية، كان الانقسام دموياً وصريحاً. بعد اتفاق الطائف، تم ضبطه ضمن توازنات سياسية، لكنه لم يختفِ. في 2005، بعد اغتيال رفيق الحريري، عاد الانقسام بشكلٍ حاد بين معسكرين كبيرين، كل منهما يدّعي تمثيل لبنان. في 2006، انقسمَ اللبنانيون حول الحرب نفسها. في 2019، حين نزل الناس إلى الشارع، بدا للحظة أنّ هناك إمكانية لتجاوز الطوائف، لكن تلك اللحظة سرعان ما تراجعت، وعاد كل شيء إلى قوالبه القديمة.

ما يتكرر اليوم هو هذا النمط نفسه، لكن مع فارق مهم؛ الهامش الذي كانت تتحرك فيه الدولة تقلص إلى حد كبير. في السابق، كان يمكن الحديث عن دولة ضعيفة. اليوم، الحديث أقرب إلى فراغ تديره قوى متعددة. وهذا ما يجعل الانقسام أكثر خطورة، لأنه لم يعد مجرد اختلاف في الرأي داخل إطار مشترك، بل اختلاف بين أطر متوازية لا تلتقي. حتى في السوشيال ميديا، التي يُفترض أنها مساحة مفتوحة، يتكرر المشهد نفسه بشكل أكثر حدة. النقاش يبدو صاخباً، لكنه في الحقيقة محكوم بقلة من الأصوات التي تعيد إنتاج الخطاب نفسه. كل طرف يتحدث إلى جمهوره، ويعزز قناعاته، ويقدم نفسه كصوت الحقيقة. أما المساحات المشتركة، فتتآكل تدريجياً أو تتحول إلى ساحات اشتباك لفظي لا ينتج معنى بقدر ما يعمق القطيعة.

الإعلام التقليدي لا يخرج كثيراً عن هذا الإطار. البرامج الحوارية، التي يفترض أن تكون مساحة للنقاش، غالباً ما تعكس الانقسام بدل أن تتجاوزه. الضيوف يمثلون مواقف معروفة مسبقاً، والنقاش يتحول إلى إعادة عرض لصراع قائم، لا إلى محاولة لفهمه أو تفكيكه. في هذا السياق، يصبح من النادر أن يُطرح سؤال بسيط لكنه أساسي؛ من يتحدث باسم لبنان فعلًا؟.. السؤال يبدو بديهياً، لكنه معقّد جداً في الواقع. لأن كل من يتحدث يفعل ذلك من موقع جزئي، حتى لو استخدم لغة شاملة. الأحزاب تتحدث باسم قواعدها، لكنها تقدم خطابها كأنه وطني. النخب الإعلامية تتحدث من مواقعها، لكنها تدعي تمثيل الرأي العام. وحتى الأفراد، حين يعبّرون عن مواقفهم، يفعلون ذلك ضمن أطر محددة سلفًا، تحددها البيئة والانتماء والخوف والمصلحة.

في هذا كله، فكرة الوطن تغيب لا ككلمة، إنما كمرجعية فعلية. الوطن يصبح شعاراً يُستخدم عند الحاجة، لا إطاراً يُبنى عليه. وهذا ما يجعل فكرة الوطن المؤجل أكثر من مجرد توصيف أدبي. إنها حالة سياسية واجتماعية مستمرة، يتم فيها تأجيل بناء الدولة مرةً بعد مرة، لصالح إدارة الأزمات الآنية. المفارقة أنّ هذا التأجيل لا يتم بقرار واعٍ، بل كحصيلة تراكمية لخيارات صغيرة. كل مرة يتم فيها تفضيل مصلحة فئة على حساب المصلحة العامة، كل مرة يتم فيها تبرير تجاوز الدولة بحجة الضرورة، كل مرة يتم فيها القبول بالأمر الواقع لأنهُ أقل كلفة من مواجهته، يتم دفع فكرة الوطن خطوة إضافية إلى الأمام، بعيداً عن الحاضر.

الأسبوع الأول من أيار/مايو لم يأتِ بجديد جذري، لكنه أضاء هذه الحقيقة بقسوة. الحرب مستمرة، لكن بلا أفق. السياسة حاضرة، لكن بلا قرار جامع. المجتمع حي، لكنه منقسم على نفسه. وفي قلب هذا كله، تقف الدولة كظل لما كان يمكن أن تكون عليه، لا كواقع يُبنى عليه. ربما المشكلة الأساسية ليست في أنّ لبنان منقسم، بل في أن هذا الانقسام أصبح مألوفاً لدرجة أنه لم يعد يُنظر إليه كأزمة. صار جزءاً من الحياة اليومية، مثل انقطاع الكهرباء أو تقلب سعر الدولار. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد؛ أن يتحول الخلل إلى وضع طبيعي.

في النهاية، لا يبدو أن السؤال هو متى تنتهي هذه الحرب، أو تلك الأزمة. السؤال الأعمق هو متى يصبح هناك قرار فعلي بإنهاء حالة التأجيل نفسها؟ لأنّ لبنان، كما يبدو اليوم، لا يعيش فقط حرباً على حدوده، بل يعيش تأجيلًا دائماً لفكرة أن يكون وطناً مكتملًا. وحتى يحدث العكس سيبقى كل حدث جديد، مهما بدا كبيراً مجرد فصل إضافي في قصة قديمة لم تُكتب نهايتها بعد.

* نشرت بتاريخ 8 أيار 2026 على موقع المدن