صحف وآراء مجتمع

  “كلمات لم تُقل”

* شهيد نكد       

“في البدء كانت الكلمة”، فقبل الفعل والقوّة والسلطة، يبدأ كلّ شيء حين يُسمّى، والحقيقة لا تكتمل إلّا إذا قيلت. والسّكوت لم يكن من ذهب إلّا حين تحوّل الكلام إلى ثرثرة وضجيج وورقة التين التي نُخفي الحقيقة وراءها. وحين يكون الكلام من ذهب فإن السكوت يكون تنكاً.

في فيلم “كلمات لم تُقل”، يقضي جوزيه أكثر من عقدين من الزّمن صامتاً، ليس لأنّّه لا يملك ما يقوله، بل لأن التأتأة حوّلت الكلام إلى تابو حتى داخل عائلته: الكلّ يعرف، لكن لا أحد يتجرّأ على التسمية. جعلت التأتأة الصّمت أماناً، والكلام خطراً. وحين أدرك جوزيه أن للصمت كلفة عالية وأنّ أمانه سمٌّ، قرّر أن يتكلّم.

الصمت الجماعي

عندما شاهدت الفيلم الذي عُرض في زغرتا من ضمن مهرجان بيروت للأفلام الفنيّة، لم تستحوذ معاناة جوزيه على تفكيري، بقدر ما فكّرت في لبنان، ولم أُعجب بإرادة وإصرار جوزيه، بقدر ما شعرت بالأسف على لبنان ومجتمعنا الّذي آثر الصّمت واعتبره أكثر أماناً من الكلام.

مجتمع مليء بالتابوهات- الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية. نتعامل معها بالصّمت والتجنّب والهروب. نخشى أن تنبذَنا الجماعة، لأن الجماعة عندنا لا تكتفي بالطغيان على الفرد، بل تمحوه. فنحن نصمت لأنّنا نعتقد أنّنا نحمي أنفسَنا، بينما في الحقيقة نحن نعمّق جراحنا ونوّرثها من جيل إلى جيل. صمتنا الجماعي إذاً، ليس نتيجة جهل ولا مبالاة، هو نتيجة التأتأة الجماعية التي ورثناها، تماماً كما ورثها جوزيه عن والده الذي تركه يتعامل معها وحيداً، ظنّاً منه أن المواجهة الفرديّة هي السبيل.

بَيد أنّ الصّمت الجماعي لم ينشأ من العدم ولا يستمرّ بالصّدفة، فهناك بنية راسخة تصنعه وتثبّته. بنية تعلّمنا منذ نعومة أظافرنا أن القضايا العامّة، أي تلك الّتي تخصّنا جميعاً من دون استثناء، هي قضايا لا تخصّ أحداً. والقضايا العامّة نوعان: القضايا الوضعيّة، أي تلك التي تنشأ من التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي نختاره، كالضرائب والقوانين وتوزيع السلطة، والقضايا الطبيعية التي تسبق أي تنظيم وأي نظام، كالهواء الذي نتنفسه والماء الذي نشربه والأرض التي نعيش عليها. وتكمن خطورة صمتنا وفداحته في أنّنا لا نكتفي بالصّمت عن القضايا الوضعيّة، بل عن القضايا الطبيعيّة، أي البديهيّة والتي لا تحتاج إلى دستور وقانون وتوافق طائفي لنعرف أنّها حقّنا. هكذا يُقاس عمق الأزمة، بصمت الناس عمّا لا يحتاج لشجاعة استثنائية للكلام عنه والمطالبة به. والخطير والمرير والقاسي هو انقلاب الآية:

فالمنطق الطبيعي يقول بوجوب تمتّع المعتدي بشجاعة خارقة ليغتصب، فيما المُطالب والمُدافع لا يحتاج سوى إلى الحسّ السليم. لكن ما يجري هو أن المغتصب يرتكب جريمته ببرودة ومن دون تردّد ولا حتّى تبرير؛ ببديهيّة. بينما المطالب هو من أصبح بحاجة للشجاعة، وعرضة للمحاصرة والتشكيك والعزل. وحين يتحوّل العمل البديهي والطبيعي إلى بطولة، نكون في أزمة عميقة جداً جداً.

الصحّة والبيئة على المحكّ

ولعلّ واحدة من القضايا الأكثر تجسيداً لهذا الواقع ولهذا الصّمت ولهذا الانقلاب في الأدوار، هي قضيّة معامل الاسمنت والمقالع في قضاء الكورة.

هذه القضيّة ليست وليدة السّاعة، عمرها ما يُقارب القرن ولم تُحسم حتّى اليوم. فشركتَي السبع وهولسيم تنهشان الجبال، وتقضُمان الأراضي، وتُسمّمان المياه الجوفيّة. ومقابل تراكم الثروات التي تجنيها الشركتان ومن لفّ لفيفهما، فإنّ الفاتورة الإنسانية تتراكم أيضاً لتصل إلى مستويات مرتفعة جداً؛ من أمراض سرطانية وقلبية وتنفسية حصدت مئات الأرواح، إلى قرى مهدّدة بالزوال وأراضٍ زراعية تمّ ابتلاعها وينابيع انمحَت. فاتورة تخطّينا معها أي قدرة على إصلاح ما تمّ تدميره.

والى جانب هذا، فإن ممارسات الحكومات المتعاقبة هو أمر لا بدّ من التوقّف عنده لكي نفهم أكثر كيف أن القضايا العامّة في هذا البلد لا تخصّ أحداً. فمنذ سنوات والشركات تتوقّف، ثمّ تعود بناء على قرارات حكومية تمنحها مهلاً جديدة، ثمّ يُبطل مجلس شورى الدولة القرار الحكومي التي تعود إلى منح الشركات مهلة جديدة، ثمّ…وهكذا دواليك. تماماً كما أنّ حياتنا في هذا البلد قائمة على المهل، فتتحوّل المهلة إلى نسق حياة، كطريق مؤقّت يتحوّل إلى دائم، لكنّه يبقى مؤقّتاً. أو كوقف إطلاق النار، حيث تستمرّ إسرائيل بإطلاق النار، وفي المفاوضات يتمّ التجديد لوقف إطلاق النار، لكن النّار لا تتوقّف.

بالعودة إلى الكورة، ووفقاً للنّمط ذاته، بادر السيّد نجيب ميقاتي سنة 2024، وقبل خروجه من السراي الحكومي بساعات، إلى منح الشركات سنتين إضافيّتين للعمل في المقالع، في مخالفة صريحة للقانون (مرسوم 8803/2002 وخطّة ترتيب الأراضي مرسوم 2366/2009، حيث لا وجود لمقالع في البترون والكورة). سنة 2025، ألغت الحكومة الحالية القرار تحت ضغط الناس والناشطين. لم يدم هذا الانتصار طويلاً، فعادت حكومة سلام التي ألغت قرار سلفها، بإعادة تفعيل العمل بالمقالع، أيضاً بطريقة مخالفة للقانون. وطبعاً، عاد المدافعون والناشطون إلى الميدان من جديد. تكرُّر المشهد يوحي بأنّ المطلوب هو إنهاك المقاومين وليس حلّ المشكلة. ففي حين يتسلّح هؤلاء بالقضاء وبالدفاع عن الأملاك العامة والبيئة وصحّة الناس، فهم محاصرون جغرافياً، فالقضيّة في وعي الرأي العام هي “شأن كوراني”، لا يتجاوز حدود المنطقة. بينما نفوذ الشركات لا حدود له: يمتدّ من الأحزاب، والوزارات وفي العاصمة وفي كلّ مكان تُصنع فيه القرارات.

الجريمة ليست وجهة نظر

وهنا بالضّبط يتجلّى ما ذكرناه عن انقلاب الآية. فحقّ الناس بهواء نظيف وأرض مزدهرة ومياه غير ملوّثة، لا يجب أن يكون أمراً قابلاً للنقاش، ولا أن يكون موقفاً سياسياً. هو من قلب تلك القضايا الطبيعية التي تسبق أي دستور او قانون او قرار. وهي سابقة وبشكل خاص، لأي نقاش في الاقتصاد والسوق وفرص العمل. ومع ذلك، تحوّلت هذه القضية إلى ملفّ، وصار المُطالب بالحقّ يُستنزَف ويُشكَّك به؛ بينما المعتدي يواصل اعتداءه ببرودة ومن دون تردّد. وهنا، نحن لسنا أمام فساد عاديّ، بل أمام مجتمع فقد قدرته على تسمية الأشياء بأسمائها، وهذه هي التأتأة في أشدّ وأثقل صورة ووطأة.

“كلمات لم تُقل”، لأن ما لم يُقل أهمّ وأعمق مما قيل. حين قرّر جوزيه الكلام، لم ينتصر على التأتأة، بل اعترف أن الصّمت هو سجن، ومجتمعنا مأسور فيه: نعرف الحقائق ولا نسمّيها، ونشهد على الجريمة ونعتبرها وجهة نظر.

قال رئيس الجمهورية أنّه مستعدّ أن يذهب حيثما كان لحماية الناس وتحرير الأرض؛ سيادة الرئيس قد تكون الكورة هي الوجهة الأقرب اليوم والأكثر إلحاحاً.

وبينما يتوجّه رئيس الحكومة إلى دمشق لعقد محادثات تعاون بين البلدين، ليته يعرّج على الكورة التي هي بأمسّ الحاجة لإنصاف سيف العدل.

“في البدء كانت الكلمة”، وكلّ تغيير حقيقي يبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها، وإلّا سنبقى أسرى تأتأة نظنّها آمنة، بينما هي قاتلة.

 * نشرت بتاريخ 20 أيار 2026 على موقع المدن