صحف وآراء مجتمع

عن بيوت لا تموتُ.. إنّما تُمحى

* بلال خبيز   

-إلى عبّاس بيضون-

ما تمَّ تهديمه في قرى الجنوب اللبناني وفي سائر أرجاء البلاد هو قدرتنا على أن نملكَ حقّنا الأزليّ في أن لا نكون ضحايا السياسة. حتى حين نكون قد قرَّرنا تركَ الميدان لمتحمِّسين يريدون صناعة مستقبل البلاد. بأدوات قليلة، في غالب الأحيان، لكنها ثقيلة إلى الحد الذي تنوء تحتَ ثقلها البيوت. بيوتنا، تلك التي يتنطَّح القاصي والداني لحمايتها. ثم لا ينتج من تلك الحماية إلا قتل ذاكرتنا ونحن ما زلنا أحياء، ونرزق. بعضُنا على الأقل.

في الأسابيع الأخيرة، كنتُ أصابُ بالبكم كلَّما قرأتُ نصاً لأحمد بيضون. ذلكَ العائد إلى الشأن العام من باب الخسارة الشاملة. ما الذي أستطيع قوله بعد مقاله؟ وهو مَن أفترِضَ أنّ ما تركهُ لنا هو جزء من ذاكرتنا. تأتي الحرب الواعدة بالسَّعادة، سعادة قتلاها أيضاً، لتستهدف ذاكرته نفسها.

نحن مثله أيضاً، لم يتبقَّ لنا سوى شذراتٍ وأحجار متناثرة. شذرات من تلك الذاكرة، بعضها، أيقنَّا منذ زمن أنه لم يكن قادراً على البقاء. بعضها الآخر، حولناه إلى ذريعة لنرضى عن أنفسنا، ولا نلومها على تخلّينا عن الأمل والسعي لتحقيق حاضر مستقر ومستقبل ممكن. لكن بعضها الآخر حضر في هذه الحرب بوصفه إدانة لكلِّ ورثتنا.

هذه الحرب، من دون سعي لإدانة أحد، أثبتت أنّ هذه البلاد اعتبرت ماضي أجيالها أصناماً ينبغي تحطيمها. هذه الحرب لم تفعل سوى تثبيت ما كنا نشكُّ في ثباته. ذلك الواقع القاتل، الذي يفيدُ أنَّ محاربي اليوم لم يحاربوا لأنهم يريدون المساهمة برسم مستقبل البلاد. لقد حاربوا، في معظم معاركهم، لدفن ما اختبره من سبقهم.

المحزن في كلِّ هذا الدمار، أكثر ما يحزن، أنَّ البعض منهم يحسب أنّه بالإمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء زمناً طويلاً. محاولة أشبه بإعادة عقارب دهرٍ إلى الوراء. فجأة تطلُّ أفكار برأسها، سبق لها وقتلتنا بحجة أنها تصنع لمن بقي حياً مستقبلاً أفضل.

ما نتذكره من تلك الذاكرة، ذاكرة أحمد وأترابه، كان في جوهره اعتراضا على سذاجتنا المتفائلة، أو لنقل سذاجة آبائنا المفرطة في سعيهم لصناعة غدٍ يحلمون به. ربما يجب أن نقبل ألا تكون صناعة الغد شأناً من شؤون الناس. الأرجح أن الأنسب والأفضل أن تكون سياستنا، على الدوام، هي تجنب الكارثة، والتخفيف من آثارها إن حدثت. لقد تعلَّمنا بالدم والحجر والتراب أنّ العالم لا يسير وفق أهوائنا. والأهم في ما تعلمناه، أنه يجب أن نُقلع عن وهم أننا قادرون على صناعة أحلام الناس، وإجبارهم على تبينها، وأحياناً الموت لأجلها.

اليوم يعود الحديث عن طريق ثالث حاراً وحماسياً. بعض المتحمسين لسلوك هذا الطريق، ينطلقون من أفكار بديهية: يجدر بنا أن نقف في المنتصف، لا هنا ولا هناك. وإن وقفنا في هذا المنتصف، فبوسعنا أن نصنع مستقبلاً أفضل، وأن نحسن البكاء على من فقدناهم، وما فقدناه على حد سواء. وهذه بدائه تستعيد الوسائل نفسها التي أوصلت البيوت إلى حتفها، ما دامت تقوم على فرضية أن الأفكار وحدها، من دون تحول في أدوات السلطة والعلاقات الفعلية، يمكنها إنقاذ المدن.

الطريق الثالث الحقيقي لا يصنعه مثقفون ومتحمسون للعمل بالشأن العام، بقدر ما يصنعه من فقدوا البيوت والجرأة على التمني الساذج. وفي حسباني أنَّ الطريق الثالث لا يصنع إلا كنتيجة للفقد. لن يكون طريقاً إذا كان مجرد نتاج لرفاهية فكرية، وقد يصير ممراً ضيقاً لو نتج من ضرورة وجودية ينتجها ما بقي من الغبار بعد نصف قرن من الحروب.

الطريق الثالث، على ما تنبئنا به مصائر البيوت التي دفنت مع ركامها ذاكرة عامة، يستعيد الوسائل نفسها التي أوصلت البيوت إلى حتفها. الوسائل التي تفترض أنَّ زمن تقاعده في بلد يقع في آخر الكوكب؟ هو الذي اجتهد طوال سني حياته المنتجة لتنبيهنا من مغبة الاستسهال في إصدار الأحكام القاطعة. لكننا حكمنا قطعاً طوال هذا الوقت. لم نحكم على الحيوات الإنسانية بالموت فقط. حكمنا على البيوت والأشجار بالموت أيضاً.

بعد زمن لن يكون بوسع أيٍّ كان أن يقول هنا كان بيتي. الأرجح أن من سينجو سيمر بتلك القفار ويقول هل أجرؤ أن أبني بيتاً فوق هذا التراب الذي دفن تاريخاً وأعماراً وجهوداً وذاكرات لا أستطيع ادعاء حقّي بوراثتها؟

كتب عباس بيضون قصيدة وهبها لصديقه منذر جابر يقول فيها: “البيوت لا تموت دفعة واحدة”. هل اكتشف عباس هذه الحقيقة المرّة يوم ماتت البيوت، بيوت أصدقائه وأهله؟ لا أعلم. لكن الجملة التي أرساها حكماً، بالغة القسوة لشدّة ما هي حقيقية. في ظني، أنني لا أصل إلى هذا المستوى من القسوة لو قلتُ: البيوت لا تُقتل، بل تُمحى. تُمحى كما لو أنَّ ممحاةً عملاقة تطرد أجزاء من أرواحنا عن سطحِ حيواتنا وتنثرها كالغبار. طبقة إثر أخرى، كما لو أنَّ كلّ ما عشناه لم يكُن أكثرَ من غبار.

* نشرت بتاريخ 9 أيار 2026 على موقع المدن