زكـي طـه
بيروت 8 أيــار 2026 ـ بيروت الحرية
لم تعد الأزمة اللبنانية مجرّد أزمة حكم أو انهيار اقتصادي أو نزاع سياسي داخلي على السلطة والنفوذ. فما يواجهه لبنان اليوم يتجاوز ذلك بكثير: الكيان نفسه يقف أمام لحظة شديدة الخطورة، تتداخل فيها احتمالات استمرار الحرب الإسرائيلية مع مشاريع التسوية الإقليمية وحصة لبنان منها، وتتقاطع فيها الضغوط الاميركية والدولية مع ما تبقى من القبضة الإيرانية. فيما يقف الداخل اللبناني منقسماً ومشلولاً وعاجزاً عن إنتاج رؤية وطنية موحّدة للإنقاذ.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ما يُعرف بمفاوضات واشنطن بين لبنان واسرائيل، بوصفه تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، ولا اختزاله في صورة مصافحة أو سجال بروتوكولي. فالمشهد بمجمله يعكس المأزق العميق الذي وصلت إليه الجمهورية اللبنانية: دولة تُستدعى إلى طاولة التفاوض من موقع الضعف والانهيار، فيما يُطلب منها في الوقت نفسه أن تتصرّف كطرف يمتلك قرار الحرب والسلم، ويملك القدرة على تنفيذ التزاماته وضبط ساحته الداخلية.
فرصة محفوفة بالألغام
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يجد لبنان نفسه تحت مظلّة دولية فعلية تقودها الولايات المتحدة، تبدو ـ نظرياً ـ قادرة على كبح الاندفاعة الإسرائيلية التدميرية، ومنع تحوّلها إلى مشروع لإعادة تشكيل لبنان بالقوة العسكرية.
وفي اللحظة عينها تتقاطع مصالح متعددة: إدارة أميركية تبحث عن إنجاز في منطقة مأزومة، وإسرائيل تريد ضمان أمنها الاستراتيجي في الشمال، فيما يسعى لبنان ـ ولو من موقع الخسارة ـ إلى وقف الدمار والانهيار واستعادة ما أمكن من أرضه وسيادته واستقراره ومؤسساته، قبل تثبيت الوقائع الجديدة بالقوة القاهرة.
والفرصة المتاحة ليست سهلة ولا مجانية، كما أنها ليست دائمة أو مضمونة. فالمظلّة الأميركية تشكّل في آن واحد أداة ضغط وابتزاز سياسي، وعنصر حماية نسبي في ظل الاختلال الهائل في ميزان القوى بين لبنان وإسرائيل. وأي تسوية للوضع اللبناني ترتبط بالتوازنات الإقليمية الأوسع، وفي مقدّمها الصراع الأميركي ـ الإيراني.
انكشاف لبنان وإسرائيل القوية
تسعى الدولة اللبنانية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة، وإعادة الأسرى ووقف الاعتداءات، قبل الانتقال إلى أي بحث في الملفات الأخرى، وفي مقدّمها سلاح حزب الله.
في المقابل إسرائيل، تتعامل مع لبنان بمنطق معاكس تماماً: لا انسحاب كامل ولا استقرار دائم قبل معالجة ما تعتبره الخطر الأمني المتمثل بسلاح الحزب وبنيته العسكرية.
وهكذا، فإن جوهر الأزمة ليس في ترتيب الأولويات، بل في السؤال الذي يتجنب الجميع مواجهته بوضوح: هل تملك الدولة اللبنانية أصلاً القدرة على تنفيذ أي التزام يتعلق بسلاح الحزب؟
صحيح أن السلطة اللبنانية، اتخذت قرارات تتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، وعملياً أثبتت عجزها عن تنفيذها، ليس فقط بسبب اختلال ميزان القوى الداخلي، بل أيضاً بفعل الطبيعة البنيوية للنظام الطائفي نفسه، القائم على التسويات والتوازنات الهشّة، لا على منطق الدولة المركزية القادرة.
الانقسام الداخلي أخطر من الحرب
ولأن المشكلة اللبنانية أعمق من أي خلاف سياسي تقليدي بين معسكرين. يعيش البلد حالة انقسام أهلي حاد، سياسياً وطائفياً وثقافياً واجتماعياً، تترافق مع تصاعد غير مسبوق في خطاب الكراهية والتحريض والتعصّب. وما يظهر على الشاشات ومنصات التواصل ليس مجرّد سجال سياسي، بل هو أحد أوجه العنف الأهلي الكامن والقابل للانفجار عند أول اهتزاز كبير.
وفي ظل هذا المناخ، تبدو فكرة الموقف الوطني الموحّد شبه غائبة. وقوى السلطة عاجزة عن الاتفاق على مقاربة واحدة للمخاطر الداهمة. فهناك من يرى أن الأولوية المطلقة هي مواجهة إسرائيل، وهناك من يعتبر أنّ المدخل الوحيد لإنقاذ لبنان يبدأ بنزع سلاح الحزب وإنهاء الارتباط بالمحور الإيراني، فيما تقف شرائح واسعة من اللبنانيين بين خوفين متلازمين: الخوف من الحرب الإسرائيلية، والخوف من الانفجار الداخلي.
إنها الانقسامات التي تجعل أي مفاوض لبناني فاقداً لغطاء وطني حقيقي، وتحوّل أي اتفاق محتمل إلى تسوية هشّة قابلة للانفجار عند أول اختبار.
مأزق سلاح حزب الله
في موازاة تجاهل العدوانية الإسرائيلية، تتعامل الأطراف الدولية والإقليمية مع ملف سلاح حزب الله على أنه جوهر الصراع الحقيقي، لكنها تتجنب حتى الآن الإعلان الصريح عن كيفية معالجته.
فإذا كان المطلوب دفع الحزب إلى تسليم سلاحه بالقوة، يصحّ طرح الاسئلة المعقدة: من سيتولى التنفيذ؟ وهل الجيش اللبناني قادر على ذلك؟ وهل يمكن لقوة عربية أو دولية أن تدخل في مواجهة من هذا النوع؟ أم أنّ إسرائيل ستتولى المهمة بنفسها تحت عنوان حق الدفاع عن النفس؟
إنها السيناريوهات التي تحمل مخاطر كارثية على لبنان، ليس فقط بسبب الكلفة البشرية والعسكرية، بل لأن أي محاولة لفرض حل بالقوة قد تدفع البلاد نحو انفجار أهلي واسع، يبدأ ولا نعرف كيف ومتى ينتهي.
في المقابل، لا تبدو فرضية التسليم الطوعي للسلاح أكثر واقعية في المدى المنظور، خصوصاً وأنّ الحزب لا ينظر إليه كملف لبناني داخلي فحسب، بل كجزء من توازن إقليمي مرتبط مباشرة بالنظام الإيراني وبمستقبل الصراع في المنطقة.
هاجس إعادة توزيع السلطة
هنا تحديداً يكمن القلق الأكبر لدى معظم القوى اللبنانية والعربية، لأن أي تسوية تشترط إعادة توزيع السلطة، تفترض تراجع الدور العسكري للحزب، والسؤال المطروح: ما المقابل السياسي؟ وهل سيُطلب من بقية الأطراف القبول بإعادة توزيع النفوذ داخل النظام تعويضاً عن خسارة السلاح؟
والخشية العربية، وخصوصاً السعودية والمصرية التي لم تكن يوماً مؤيدة لسلاح الحزب، مردها هنا، أن أي مسار تفاوضي يشترط نزعه يفتح الباب أمام تعديلات حساسة في بنية النظام اللبناني. وهنا يقع الخوف من محاولة تكريس مكاسب تعويضية للطائفة الشيعية السياسية، مقابل الخوف من أن تندفع بعض القوى المسيحية باتجاه إعادة النظر في الصيغة، التي نشأت بعد الطائف، مستفيدة من لحظة ضعف الحزب ومحوره.
لذلك تكررت دعوات الخارج للتمسّك باتفاق الطائف، ليس فقط كمرجعية دستورية، بل كخط دفاع سياسي ضد أي محاولة لإعادة فتح ملف التوازنات الطائفية في لحظة انهيار شامل واختلال حاد في موازين القوى قد يقود إلى انفجار شامل يتجاوز بكثير مسألة السلاح نفسها.
القبضة الإيرانية وحدود القرار اللبناني
ولأن الأزمة اللبنانية الراهنة لا تُقرأ خارج سياق الصراع الإقليمي الأوسع. ولأن لبنان لا يعيش فقط تحت وطأة شروط إسرائيل وأهدافها التوسعية وضغوط الخارج بقيادة واشنطن، بل أيضاً تحت تأثير مباشر للمشروع الإيراني في المنطقة. يؤكد ذلك أن حزب الله تحوّل خلال العقود الماضية إلى أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني الإقليمي، وربط مصيره ـ ومصير لبنان إلى حد بعيد ـ بمسار المواجهة المفتوحة بين طهران وواشنطن وتل أبيب.
وهذا ما جعل القرار اللبناني معطّلاَ ومصادراً. فالدولة اللبنانية لا تملك قرار التهدئة أو التصعيد. والحزب لا يتصرف باعتباره قوة لبنانية محضة، بل كجزء من شبكة إقليمية أوسع تتجاوز حدود الكيان.
وعليه، فإن مصير أي تسوية في لبنان بات مرتبطاً، بدرجات متفاوتة، بمآلات التفاوض الأميركي ـ الإيراني، وباتجاهات الصراع في غزة والمنطقة ككل.
وهم السلام السهل
ثمة من يروّج لفكرة أنّ الوصول إلى تفاهم أمني، أو حتى إلى شكل من أشكال السلام مع إسرائيل، يمكن أن يشكّل مدخلاً تلقائياً لإنقاذ لبنان سياسيا واقتصادياً. وهي مقاربة تنطوي على قدر كبير من التبسيط والوهم.
فالسلام، حتى لو تحقق، لا يعالج أزمة النظام الطائفي، ولا يوقف الانهيار المالي، ولا يبني مؤسسات الدولة، ولا يعيد الثقة الداخلية والخارجية بسلطة متهمة بالفساد والعجز والمحاصصة.
كما وأنّ الولايات المتحدة نفسها تتعامل مع المنطقة وفق مصالح متغيرة لا وفق التزامات ثابتة، ما يجعل أي اتفاق مع إسرائيل هشّاً وعرضةً للاهتزاز، والتحوّل عامل تزخيم لاختلال توازن القوى الداخلي.
ولأن إعادة الإعمار، ليست عملية تقنية أو مالية فحسب، بل معركة سياسية واجتماعية ووطنية وذات ابعادٍ انسانية. فثمة الكثير من الاسئلة حول مصادر التمويل، ووجهة الإعمار، وآليات إدارته، والأعباء المترتبة عليه، وكيفية استعادة ثقة مئات آلاف اللبنانيين الذين خسروا بيوتهم وأرزاقهم وشعورهم بالأمان.
أزمة نظام لا أزمة حكومة
من المؤكد أن الخلل في لبنان ليس عارضاً أو ظرفياً، بل هو نتاج أزمة بنيوية مديدة وكاملة لنظام سياسي استنفد وظائفه التاريخية، وبات منتجاً دائماً للفساد وسوء الإدارة ومستنداً لتقاسم السلطة وفشل الحكومات.
والطبقة السياسية المسيطرة أثبتت عجزها الكامل عن إنتاج حلول وطنية فعلية، لأنها محكومة بمنطق الزبائنية الطائفية والارتهان للمحاور الخارجية، لا بمنطق الدولة والمصلحة العامة.
وفي لحظة الخطر الوجودي الراهنة، يظهر عجز هذه الطبقة بصورة أكثر فجاجة: سلطة تتنازع الحصص وتتبادل الاتهامات، فيما البلاد تغوص في خضم الحرب، وقوى سياسية ترفع الشعارات الكبرى فيما المجتمع يتفكك اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً.
لقد دخل لبنان مرحلة لم يعد فيها ممكناً الاستمرار بالآليات القديمة نفسها. فإما إنتاج مشروع وطني إنقاذي جديد يعيد الاعتبار للدولة المدنية الديمقراطية، ولمنطق السيادة والعدالة الاجتماعية والمؤسسات، وإما استمرار الانحدار نحو مزيد من التفكك والانهيار، وربما الاحتراب الأهلي المقنّع أو المفتوح.
الانقاذ الممكن وخطر الانفجار
لبنان اليوم أمام مفترق تاريخي بالغ الخطورة. الخيارات صعبة ومتشابكة، ولا توجد حلول سحرية، والانتصارات وهمية والبلد مهزوم.
إنها لحظة تختصر التناقض اللبناني كله: بلد مهدّد بالانفجار، لكنه عاجز عن بناء الحد الأدنى من التوافق الضروري لمنع سقوطه.
لم يعد ممكناً مواصلة الدوران في الحلقة المفرغة نفسها: حرب مفتوحة، اقتصاد منهار، دولة عاجزة، فوضى سياسية وأمنية، ومجتمع مفكك يتآكله الخوف والفقر والانقسامات.
والمطلوب اليوم قدر عالٍ من الواقعية السياسية والشجاعة الوطنية: واقعية تعترف بحجم الاختلال الداخلي والإقليمي، وشجاعة ترفض بقاء لبنان ساحة لتصفية الحسابات الخارجية أو رهينة لشعارات لا تنتج سوى المزيد من الموت والخراب.
المعركة الحقيقية لم تعد حول من ينتصر إعلامياً أو طائفياً، بل حول ما إذا كان لبنان سيبقى قابلاً للحياة أصلاً.
وربما تكون اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من ضغوط ومخاطر وتناقضات، الفرصة الأخيرة قبل الانزلاق إلى الانفجار الكبير.
