سياسة صحف وآراء

إسرائيل تفاوض بالنار وواشنطن لاتفاق سلام… تهديد لبنان: إنهاء “الحزب” أو حرب مفتوحة؟

* ابراهيم حيدر

كل الأنظار تتجه إلى انعقاد جولة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية في واشنطن، وهي الثالثة لكنها تعتبر مفصلية بعد رفع مستوى التمثيل مع ترؤس السفير سيمون كرم الوفد اللبناني، والذي سيطرح فيها جملة مطالب لبنانية أبرزها تثبيت وقف النار كمدخل لبحث الملفات الأخرى. إذ يراهن لبنان على واشنطن في دفع إسرائيل لوقف تصعيدها العسكري الذي يضغط لفرض أمر واقع يحدد مسبقاً م

سار الأمور، استباقاً لمواجهة أميركية إيرانية جديدة قد تنعكس سلباً على الوضع اللبناني، إذ أن طهران لا تفاوض باسم لبنان، انما توظف ميدان الجنوب الذي يقاتل فيه “حزب الله” لأهدافها وتحسين موقعها التفاوضي.

في الورقة اللبنانية التي يحملها كرم للتفاوض، يأتي وقف الحرب الإسرائيلية مطلباً أساسياً، ثم وقف تدمير القرى وعودة الأسرى والانسحاب تمهيداً لانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود، ولاحقاً بحث الترسيم والاتفاق الأمني وصولاً إلى هدنة مستدامة تشبه 1949. وتحتاج البنود في الورقة لمفاوضات طويلة، لكنها أساسية قبل الوصول إلى اتفاق، ومعها استبعاد أي لقاء بين الرئيس جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ أن عون يكثف اتصالاته العربية والدولية ومع الأميركيين، وهدفه وفق مصادر ديبلوماسية توفير مظلة لدعم موقفه الرافض للقاء نتنياهو، قبل التوصل الى اتفاق شامل، على أن يندرج ذلك ضمن مبادرة السلام العربية 2002.

بيد أن الورقة التي يحملها كرم في التفاوض، تتضمن أيضاً تعهدات لبنانية، بالتوازي مع خطوات لتنفيذ المطالب، فانتشار الجيش بعد تأمين الانسحاب الإسرائيلي يستكمل بتفعيل خطة حصر السلاح، من دون أن يعني ذلك الصدام مع “حزب الله” في ظل وضع مضطرب ونزوح وتدمير، وذلك رغم الضغوط التي تتعرض لها الدولة. فالأمر ليس ممكناً مع استمرار العمليات الإسرائيلية، فيما الدولة تسعى إلى حسم الامور بالتفاهم لوقف القتال وفصل لبنان عن إيران رغم ممانعة “حزب الله”.

وفي الوقائع، لا مؤشرات تدل على أن إسرائيل بتصعيدها الجنوني، ستوقف الحرب قبل بدء التفاوض، متسلحة بضوء أميركي بلا قيود على عملياتها باستثناء بيروت، أقله حتى 17 أيار الجاري، إذ حددت واشنطن جدول أعمال المحادثات بإعلان خارجيتها أن الوفدين سينخرطان في مناقشات تهدف إلى الدفع نحو اتفاق شامل للسلام والأمن، يشمل وضع إطار لترتيبات أمنية وسياسية دائمة، من دون الإشارة إلى الأولويات اللبنانية. ورغم الرفض الإسرائيلي لوقف النار، إلا أن لبنان ذاهب إلى المفاوضات في محاولة لانتزاع هذا المطلب، إذ تدرك الدولة أن إسرائيل تسعى إلى فرض وقائع وتحقيق ما تريد عبر توسيع عملياتها البرية خارج الخط الأصفر، حتى إذا أدرج وقف النار في لبنان في أي اتفاق إيراني أميركي، تكون ضمنه صفقة نزع سلاح الحزب وتأمين أمن إسرائيل، وهي تضغط أيضاً للتوصل إلى اتفاق مع الدولة لمواجهة “حزب الله”، وتصوير الأمر أن المشكلة مع الحزب وليس مع لبنان.

يواجه لبنان أيضاً في التفاوض، احتلال إسرائيل لمساحة لا تقل عن 8 في المئة من الأرض اللبنانية وتدميرها الممنهج للقرى، ورفض انسحابها إلا باتفاق وفق شروطها. وإذا كان “حزب الله” يدرك ذلك جيداً، إلا أنه لا يساعد الدولة دعماً لموقفها حتى قبل اطلاق مبادرة التفاوض المباشر، ولذا يراهن على مسار إسلام آباد، وأن تفرض إيران وقف النار ضمن الأوراق المتبادلة، بما يعني أن قراره ليس بيده لا بتسليم السلاح ولا بالحرب، وحتى وهو ينفذ عمليات ضد الاحتلال لاستنزاف الجيش الإسرائيلي، يربط الأمر بإيران أولاً وأخيراً.

يبدو أن الحرب لن تنتهي على ما يشبه الاتفاقات السابقة، إما بفرض اتفاق لا يلتزم به “حزب الله” وهو يعرف أن لا أحد يستطيع سحب سلاحه بالقوة، أو باستمرار الاحتلال لشريط حدودي لا ينسحب منه إلا بفرض الاستسلام على لبنان.

 * نشرت بتاريخ 10 أيار 2026 على موقع جريدة النهار