سياسة صحف وآراء

مسار أميركي للتفاوض ولبنان يحضّر ملفاته ..إسرائيل تفرض العزل والحزب يغالب النكبة؟

* ابراهيم حيدر

كرّست الهدنة التي جرى الوصول إليها في لبنان باتفاق دولي إقليمي، وبرعاية أميركية مباشرة، وقائع تحمل شروطاً سيسير لبنان على طريق وعر فيها، خصوصاً بعدما احتلت إسرائيل شريطاً يضم 55 قرية، وفرضت منطقة عازلة. وقد كان واضحاً أن الهدنة التي حسمها الرئيس دونالد ترامب، غير منفصلة تماماً عن مفاوضات باكستان وما يتصل بها حول مضيق هرمز، إنما هدفها انتزاع ورقة لبنان من يد إيران، وعدم تحويله ساحة تتحكم بها إسرائيل.

ستكون هدنة الأيام العشرة مرحلة اختبار لما يمكن أن يسلكه مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، بعدما حصل لبنان من الأميركيين على وقف النار الذي وافق عليه “حزب الله” وكان يسعى إليه من خلال المنفذ الإيراني، رغم سقف موقفه المرتفع بأن الأمور لن تعود إلى ما قبل 2 آذار، فإذا بإسرائيل تفرض الخط العازل الأصفر وتحتل وتتحكم الأنساق الثلاثة الأولى الحدودية، وتمنع عودة النازحين إليها، بما يعني ان “حزب الله” كبّد لبنان في معركة إسناد إيران خسائر مضاعفة عن حرب الـ66 يوماً 2024، وهو ما سيضع البلد أمام شروط قاسية في التفاوض فضلاً عما كرّسه الاتفاق من نقاط مليئة بالألغام الإسرائيلية.

ستسير المفاوضات على وقع اتفاق وقف النار الموقت، وهو في الأساس لا يتضمن انسحاباً إسرائيلياً من المناطق التي احتلتها، بل تكريس منطقة عازلة حاولت إسرائيل انتزاعها في بنود الهدنة، وها هي اليوم تفرض من خلال الوقائع شروطها في التفاوض حول النقاط المطروحة مع لبنان الذي بدأ عبر رئاستي الجمهورية والحكومة بالاستعداد لها والبحث بتشكيل الوفد المفاوض، وكيفية طرح المطالب اللبنانية، قبل أن يدهم ترامب لبنان بتوجيه دعوات للقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وما يحمله من مخاطر لا يستطيع البلد تحملها.

كل ذلك لا ينفصل عن الاتصالات المستمرة مع الأميركيين ويجريها مسؤولون لبنانيون لتهيئة مناخات للتفاوض لا تخنق البلاد، وفق مصادر ديبلوماسية، ومع دول عربية عديدة لا سيما السعودية التي لعبت دوراً ببعدين داخلي وخارجي، أولاً لمنع أي فتنة لبنانية وثانياً لإخراج لبنان من التجاذب الإيراني الإسرائيلي المطبق عليه. فالمسار الذي يحدده الأميركيون للتفاوض لا يشرك الفرنسيين كما حصل في اتفاق تشرين 2024، ولا يمنح الأمم المتحدة أي دور بما يعني إسقاط القرار 1701، أو على الأقل تنفيذه وفق الرؤية الأميركية لوضع لبنان.

كل الجهود الآن تنصب على تدعيم الهدنة في لبنان، وتجاوز عقبات الانسداد القائم في التفاوض الإيراني الأميركي، إذ تعمل الدولة على بلورة تفاهمات لتطبيقها عبر السير في التفاوض بأقل خسائر، حيث يتركز الضغط على سحب السلاح وإنهاء نفوذ “حزب الله”، وهذا الملف يرتبط بالتفاوض الإيراني الأميركي، مع إصرار واشنطن على منع إيران من دعم وكلائها في المنطقة عبر فصل ملف لبنان، بما يعني أنها لن تفرج عن أي أموال مجمدة في حال التسوية مع إيران، إذا حوّلت جزءاً منها إلى الحزب، وهو ما يعقّد عملية حصر السلاح، إلا إذا حصلت طهران على ثمن سياسي مقابل تفكيك الوضع العسكري للحزب.

ولذا لن تتسرع الدولة الآن للتوصل إلى اتفاق شامل مع إسرائيل، إنما تسعى من خلال الاتصالات مع الأميركيين الى ترتيبات قد يكون سقفها اتفاق هدنة جديد يشبه هدنة 1949 مع تعديلات، إذا توافرت مظلة عربية تحمي لبنان خصوصاً السعودية، لمنع إسرائيل من فرض شروطها، وأيضاً لسحب لبنان من دائرة التوظيف الإيراني وضبط تصعيد “حزب الله” في الداخل، بعدما بينت الحرب حجم الخسائر وأوهام الانتصار، مع احتلال جديد وتدمير جراء مغامرة الإسناد. ولذا ستكون الأيام المقبلة قبل التفاوض مليئة بالمفاجآت، وتحمل الكثير من الأخطار على مصير لبنان من حافة الجنوب الأمامية؟

* نشرت بتاريخ 19  نيسان 2026 في جريدة النهار