زهير هواري
بيروت 4 نيسان 2026 ـ بيروت الحرية
الرئيس الاميركي رونالد ترمب يكرر في تصريحاته شبه اليومية أنه سيعيد ايران للعصر الحجري اذا لم تستجب لتعليماته وشروطه وتتوقف عن اطلاق النار وتقبل بالاستسلام دون قيد أو شرط. رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو كرر اللازمة نفسها سابقا حيال قطاع غزة ولبنان هذه الايام. وقد استعمل اللغة نفسها وزير حربه يسرائيل كاتس وكذلك وزيريه بن غفير وسموتريتش، مثلهم مثل زملائهم الاميركيين. وبصرف النظر عن التمايزات بين القوى، فالمؤكد أن كل من يختلف مع اميركا ترامب ويرفع شعارالاستقلال عن سياستها يتم التلويح بإعادته إلى العصرالحجري. ترمب يتكفل التلويح لإيران بهذا المصير والطاقم القيادي الاسرائيلي يضيف إلى ايران الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية وبيروت، وكل من يتمرد على الجبروت الاسرائيلي، أو لا ينصاع لما تريده.
ولكن ما يعنيه العصر الحجري؟
العصر الحجري هو العصر الأول للإنسان على الكرة الأرضية عندما كان عبارة عن قبائل تجوب المساحات بحثا عما تقتات به. وكان الحجر والعصا هما الأداة الرئيسية إن لم يكونا الوحيدة للاستعمال عنده. ولما كان المجتمع هو مجتمع صيد وجمع، فقد كان قتل الحيوان يتم بواسطة الحجر. ومع ظهور الزراعة باتت أدوات فلاحة الارض هي الحجر، وكذلك الأواني التي تدخل في الاستعمالات اليومية لحياته. الزراعة بداية الحضارة والاقتصاد واللغة والحساب والتدوين.
وبالعودة إلى هذه العصور السحيقة ومنها العصر الحجري يتصور الجميع أنه العصرالسابق على صناعة الفخار والزجاج والمعادن من نحاس وذهب وفضة ورصاص وحديد. أي عندما كانت الشعوب ترسم وتكتب ما تريد قوله على صخورالمغاور والتماثيل والاحجار على مداخل المعابد والمدن والطرقات، كما فعل الفراعنة قبل التوصل إلى اللغة الهيرغليفية، ثم على الالواح الفخارية كما لدى الشعوب الآشورية والآكادية والآرامية عبر اللغات المسمارية وما شابهها. اذن هيمن الحجر على معظم موجودات الطبيعة وكانت استعمالاته واسعة إلى الحد التي حكمت على الشؤون الدينية والدنيوية (أسلحة ، أدوات زينة، تماثيل للآلهة، قبور، توابيت، أواني بيتية وغيرها).
يريد ترمب أن يقول إن ياستطاعته أن يعيد أي من الدول التي تتمرد على أوامره وقراراته لذلك العصر. أي أنه يخبرنا أن لديه القدرة على إلغاء مرور ألوف السنوات وما تخللها من عصور النهضة والثورة الصناعية الأولى والثانية والثالثة على هذه الدول. ولهذا يربط بين دعوته، وبين الإشادة بقوة اميركا التي تملك أقوى جيوش العالم الحديث برا وبحرا وجوا. وهي قوة جاهزة للاستعمال بصرف النظر عن القيود المفوضة. ورغم الإدعاء بعزمه نشر السلام، لم يكن غريبا في هذا الاطار إعادة تسمية وزارة الدفاع بوزارة الحرب. يضاف إلى هذه القوة الذكاء الاصطناعي واستعمالاته المتوسعة في ميدان الأسلحة الفتاكة من النووية وغيرها مما لا نعرفه.
الأصل في السياسة الاميركية
اسرائيل بوصفها جزء من الترسانة الاميركية مع هامش خاص بمشروع الاستيطان الذي تعمل على تنفيذه ولو على حساب رُفاة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ، تسير في المنحى نفسه في الهيمنة على المدى التي تصل إليه طائراتها الحربية وأجهزة استخباراتها في المنطقة . لذلك تزرع تهديداتها من ايران إلى باكستان وتركيا وسوريا ومصر والعراق والاردن ولبنان وايران بطبيعة الحال. الخطأ الذي يقع فيه من يفسرون التهديد بالعودة إلى العصرالحجري أنه يعني بالنسبة لهم تدمير كل وسائل وأدوات ومعالم الحضارة الحديثة. ينطلقون من أن الموضوع برمته هو موضوع مادي، بينما الحقيقي أنهم يتجاهلون العودة إلى الطروحات التي اطلقها ترمب لمجرد وصوله إلى البيت الأبيض حول الأمم المتحدة والمواثيق والقرارات الدولية والمنظمات الأممية التي كانت جزءا من عالم الأمس، قبل أن يعمل ترمب على تسفيهه صبح مساء. وعليه، ليس غريبا أن تقطع اميركا التمويل عن عشرات المنظمات الأممية كالاونيسكو والانروا والصحة العالمية وكل ما يعني البشرية ككل… أكثر من ذلك أكد ترامب أن لا ضرورة لما يسمى بالقوانين الدولية والانسانية والمحاكم الدولية والجنائية التي وضعتها الأمم المتحدة، منذ أن تأسست بعد العام 1946 وحتى اليوم، بواسطة عشرات المفوضين من أساتذة القانون الدولي والدبلوماسيين والكتاب بمن فيهم أميركيون، انطلاقا من تجارب ونقاشات بشرية في هذه القارة وتلك.
القاعدة التي يرسيها ترمب ونتنياهو في ممارساتهم السياسية والاعلامية والحربية هو عدم وجود شرعة لحقوق الانسان ولا قوانين دولية تشمل شتى الجوانب بما فيها اتفاقيات جنيف لتنظيم الصراعات الدولية والحروب و”آدابها”. وهذه يفترض أنها تعلو على القوانين والتشريعات الوطنية لهذه الدولة وتلك. قوانين ومعاهدات واتفاقات وجدت من أجل أن تحكم سلوك وممارسات الدول كبيرة وصغيرة. بينما نسمع ترمب وأركانه يؤكدون أن “القوة هي الحق”. ولأن القوة هي فقط ملك يمين الولايات المتحدة ومصانع أسلحتها وخبراء تطوير أدوات القتل والفتك. وهي قوة لا يضاهيها أحد على الارض، وتتحرك بإمرة ترامب كأمبراطور وديكتاتور غير منازع. ولذلك ليس خارج السياق أن يطالب بالحصول على فنزويلا وجزيرة غرينالاند والمكسيك وكندا وكوبا هلمجرا. “يستحلي”ترامب هذه الدولة فيعرب عن رغبته بضمها إلى خارطة الولايات الاميركية، حتى ولو كانت ما وراء البحار كايران مثلا.
ماذا عن قطاع غزة؟
المهم أن هذه الدولة أو تلك قطعة الأرض تملك ما يُشبع نهمه وجشعه للسيطرة واستثمار ثرواتها المعدنية والطبيعية وكأنها من حقوقه الطبيعية. أما قطاع غزة الذي يعتبره مشروع استثمار مربح على الشاطيء الشرقي للبحر المتوسط، وبما يجعل منه ريفييرا فرنسية، فأمام من ظل حيا من سكانه بعد حسم 10 % من الذين هرستهم آلة الحرب الاسرائيلية، واحدا من طريقين لا ثالث لهما:
– إما أن يغادروا إلى أي مكان يقبل باستقبالهم في ربوعه الخالية، وهناك يجب أن يتدبروا أمورهم بمساعدة تلك الدولة التي لجأوا إليها. وبذلك يرتاح سكان غلاف غزة و”لب” فلسطين من المستوطنين بمن فيهم المتوقع وصولهم من الهند.
– الطريق الثاني هو أن يطأطئوا رقابهم للسيد الاميركي والاسرائيلي، ويوافقوا على تحويل طلباتهما إلى أوامر لا ترد ولا تناقش وبذلك يتم الاتكاء على هذا الإنجاز في ازدهار وبحبوحة مراحل لاحقة يتولاها مجالس إدارة إعادة الإعمار.
وبعدها أن يقبلوا أن يساقوا إلى الخدمة والعمل حتى ولو بالسخرة كما في مراحل ما بعد العصر الحجري التي بعض بقاياها ما تزال قائمة (كالغزو والإتجار بالبشر وما شابه)، وقبل انتزاع قوانين العمل والضمانات الاجتماعية وحق الاضراب وغيرها من حقوق.. مع ذلك ترامب وصهره كوشنير ومبعوثه ويتكوف تحدثوا عن تحويل مساحات الأنقاض تلك إلى جنة عدن من خلال الأبراج التي تناطح السماء، فيسكنها الناس ويذهبون منها إلى أعمالهم مطمئنين إلى غدهم بعد أن زاح كابوس “الارهاب” عن صدورهم ممثلا بحماس ومنظمة التحرير وإغراء الدعوة إلى قيام الدولة الفلسطينية.
شريعة الغاب في عصر البوارج
يريد كل من ترمب ونتنياهو إلغاء قرون وألوف السنوات من التطور البشري من قاموس البشرية، وإعادة هذا الانسان إلى ما قبل اقرار القوانين الناظمة للحياة في داخل الدول وبين الدول بعضها ببعض. ويريدان أن يتوليا بواسطة قواهما العارية من أي منطق أو قوانين، دفع من لا يرغب أو لا يريد إلى الانضباط مستعملين العصا الغليظة التي تحيل مدنا وقرى إلى قاع صفصفا كما حدث في رفح وخان يونس وقطاع غزة حيث أبيدت كل معالم الحضارة من الوجود. وهو نفسه ما يحدث في الضاحية والبقاع وجنوب لبنان من خلال أحد أبرز مظاهره متمثلا بنسف الجسور على الليطاني والتي تربطهما مع باقي المناطق شمالا ( البقاع والجبل). هذا عدا نسف كل معالم الحياة من مستشفيات ومدارس ومعامل والآت ومعدات بناء ومزارع ومصادر رزق وكل ما تصل إليه الجرافات وتزنره أصابع الديناميت. وكله يهون من أجل أن يطمئن سكان المستوطنات الشمالية إلى راحتهم في مستوطنات كانت ليس من بعيد وقت قرى فلسطينية ولبنانية فيها منذ ألوف السنين فلاحون وعائلات تزرع وتحصد جنى ما تعبت من أجله.
العصرالحجري هي الكلمة المفتاح التي يكررها ترمب ونتنياهو. الكلمة تعبر عن مرحلة سحيقة عندما لم تكن البشرية قد توصلت لصياغة لغة قوانين ومواثيق تحكم علاقاتها البينية وحقوق كل منها. إنه عصرالعودة إلى لغة الغاب، إنما مسلحة ليس بأنياب وأظافر حادة كالوحوش الضارية، بل ببوارج وحاملات طائرات وصواريخ وأسلحة قادرة على إفناء الحياة عن كوكب الارض من أساسها. وبما يجعل من هذه اليابسة مجرد مساحات يباب تفتقد معالم الحياة على سطحها بعدما التهم حضارتها الوحش الفاشي العصري!
