سياسة صحف وآراء

شيعة لبنان بين حزب الله والتعاطف المشروط

بلال خبيز           

لا ينظر العالم إلى الشيعة المهجّرين في لبنان كمدنيين. ينظرُ إليهم كجزء من بيئة يربطها كثيرون بحزب الله. هذا الربط ينتج أثرين، أولهما تسييس المعاناة، فلا تعود الضحية ترى كفرد أو مجموعة أفراد إنما كامتداد لكيان سياسي. وثانيهما يتعلق بتعليق التعاطف، بمعنى أن الكثيرين من المستعدين للتعاطف، يشترطون موقفاً سياسياً مسبقاً قبل الشروع به. وهذا يختلف اختلافاً جلياً عن حالات أخرى ينظر فيها إلى الضحايا كمدنيين بلا تمثيل سياسي-عسكري مباشر.

في هذه الحال يُشترط بالمتعاطف أن يكون مؤيداً للسياسات التي يتبعها حزب الله. وحيث أنه مبادر في إعلان الحرب، يصبح المتعاطف محشوراً في زاوية المصفقين لبطولاته وتضحياته، ويحوّل الجماعة المهجَّرة والمكتوية بنار الحرب إلى حشد من المناضلين، اختاروا مصائرهم بأنفسهم، ولم يتعرضوا للاعتداء المباشر، بوصفهم من ضحايا هذه الحرب. والحال، حين تُدمج جماعة ما داخل صراع إقليمي أكبر، تتحول من ضحية إلى أداة، فتفقد قابليتها للتصنيف كضحية مستقلة.  

تضخُّم المآسي

لكن ما تقدم لا يشرح كل أسباب الفتور في الرأي العام العالمي. إذ إن هذا الكيان الاعتباري (الرأي العام العالمي)، وبعد أحداث كبرى، اكتشف فيها أنه لم يعد يملك ملجأ للضحايا، ولم يعد هو نفسه محصناً من احتمال تحوله إلى ضحية. أصبح يفضل التمسك بحبل النجاة الذي ما زال ممدوداً له، ولم يعد قادراً على إنقاذ الموشكين على الغرق.

سمحت الحرب على غزة وأحداث كبرى مماثلة بتبيان حدوث شيء خطير. إذ تعرض الرأي العام العالمي إلى صدمة عالية الكثافة، جعلته يفقد، شيئاً فشيئاً، قدرته على التفاعل مع أزمات جديدة. ثم، لم يختر العالم عدم التضامن مع الضحايا الجدد، بل إنَّ قدرته على الاستجابة أصبحت منهارة عملياً. فالمتضامن يفترض أن الطريق الثالث بين النصر والهزيمة موجود، ويدعو لسلوك هذه الطريق وعبورها. وحين تتحول الطرقات كلها إلى أهداف للقصف، كما حدث في غزة، يفقد المتضامن كل نقاط قوته، وأسباب حماسته ومنابع أمله، ويتحول إلى باحث عن ملجأ لنفسه، بخلاف ما كانت الحال عليه من قبل هذه الحروب. حيث كان يحسب أن الملجأ الذي يحتمي فيه متسع لكل الضحايا.

حين يقتل البطل الضحية

ثمة أيضاً عامل بالغ الأهمية يؤدي إلى شيوع ندرة في التعاطف. وهو ينتج من شبه الاستحالة في تحويل الألم إلى قصة واضحة، يمكن الاعتبار منها. ففي حالة جمهور حزب الله وأهل الطائفة الشيعية تبدو السردية معقدة ومركبة. فنحن أمام صراع إقليمي، تتداخل فيه توجهات دول كبرى، يدعي حزب الله أنه ند لها جميعاً، ويشدد على إظهار نفسه بوصفه فاعلاً ومنتصراً. ولذا، فإن سردية الشعب الأعزل، الذي يواجه قوة خارجية عاتية، غير موجودة، ومغيبة تماماً من طرفي الصراع. وفي الخلاصة المريرة يمكن تسجيل ما يلي: الضحية اليوم ليست من يتألم، بل من يمكن فصلها عن السياسة.

الأزمة والمصالح الدولية

مشكلة اللبنانيين اليوم جميعاً والشيعة في مقدمهم، أنهم يعرفون كما يعرف العالم كله، أنَّ هذه الحرب قد تنتهي بقرار في عاصمة أخرى. بمعنى أن هذه الحرب تخاض باسم إيران ولأجلها. وعليه، فإنها منذ بدايتها تبدو كخسائر جانبية لا يمكن تجنبها، وليست حرباً أصلية. إنها أشبه بالتحضير لحرب مقبلة. لكنها توقع الدمار والموت والعجز لدى اللبنانيين جميعاً، والشيعة بوجه خاص.

والأهم، أو الأكثر إيلاماً يتعلق بواقع إن النصر في هذه الحرب لا معنى له. فالنصر إما يكون إيرانياً في مواجهة واشنطن وتل أبيب، وإما لا يكون. فحتى لو أنهك حزب الله عدوه، ومنعه من التقدم، فإن تحقيقه إنجازات في إيران سينعكس حكماً على حزب الله بوصفه هزيمة لا قبل له بالقيامة بعدها.

موت الإنسان

لعل الدرس الأهم الذي يجب استخلاصه من هذه الحرب يتجاوز حدود لبنان وحيوات اللبنانيين ومصائرهم بكثير. ليس لأن الحرب الراهنة إقليمية المسرح، إنما لأن الخطاب الإنساني لم يعد صالحاً للتسويق. العالم لم يعد قابلاً لأن يكون واحداً، ولم نعد كلنا نستطيع الادعاء أننا شركاء على هذا الكوكب.

ثمة، بوضوح، انعزال جغرافي وعقائدي ينشر ظلاله القاتمة في سماء العالم كله. وهو انعزال ينذر بانهيار قيم رعتها الثقافات السياسية طوال نصف القرن الماضي، ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية على أقل تقدير. فلم يعد الأميركي أو الروسي، مثلاً، يحارب دولاً لنشر الديمقراطية أو الاشتراكية، بات يحاربها لأنها تهدد مصالحه ومصالح شركائه. أو لأنه يطمع في مشاركتها بما تملكه.

وعليه، لم يعد شركاء الأميركي أو الروسي أو الصيني شركاء قيم، أضحوا شركاء في الإنتاج والتسويق. ولذا، فإن الخطاب الذي يغذي صراعات اليوم لا يترك فسحة لاندماج المختلفين وتفهم معاناتهم المشتركة والمتفرقة. والأرجح أن التحول الأكبر يطال معنى الاجتماع في طول العالم وعرضه. فمن بقي له قيمة يجدر بالقوى المهيمنة أخذها في الاعتبار عند افتتاح أي صراع، هو بالضبط من يملك ما لا غنى للعالم عنه.

والضروري والذي لا غنى عنه اليوم ليس أفكاراً ولا قيماً، بقدر ما هو مصادر ربح ووسائل إنتاج. لقد تحققت نبؤة كارل ماركس على نحو مفجع: لم يعد الإنسان هو من تنشأ السياسات لحمايته، أصبحت مهمة السياسة معنية حصراً بحماية وسائل الإنتاج.

في هذا العالم الذي يشيّع القيم الإنسانية، واحدة تلو الأخرى، إلى قبرها، تبدو الجماعات والشعوب التي تعيش في الهامش بلا أي حصانة من أي نوع. والشيعة اللبنانيون ليسوا سوى طليعة الجماعات منزوعة الحصانة. والأرجح أن جماعات أخرى كثيرة ستواجه المصير نفسه في مقبل الأيام.

* نشرت بتاريخ 3 نيسان 2026 على موقع المدن