صحف وآراء مجتمع

حرب السرديات الدينية.. من يكتب نهاية التاريخ؟

*أحمد عبد الحليم

لم تعد الحروب في المنطقة، ولاسيما الحرب الجارية، تُفهم اليوم من خلال عدسات الواقعية السياسية أو حسابات القوة التقليدية، بل تتكشف داخل فضاء رمزي واسع يشكله تصارع سرديات دينية وأخروية متنافسة. فالمواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وتحالفاتها من جهة أخرى، تجاوزت صراعات الحدود والمصادر لتصبح معركة رمزية وميتافيزيقية، حيث تُستحضر النصوص المقدسة لتبرير العنف المطلق وشرعنته. ومع دخول العام 2026، خصوصاً بعد انطلاق عملية “الغضب الملحمي”، برزت ظاهرة تأليه السياسة، إذ يُعاد تفسير الموت والدمار كخطوات حتمية في طريق الخلاص أو الشهادة، ليجد صانعو القرار أنفسهم عاجزين أمام لغة النبوءات والطقوس، بينما الدبلوماسية التقليدية تفقد أي تأثير عملي على واقع المُجريات.

لاهوت السيادة” الأميركي-الإسرائيلي

يمثل التحول في القيادة العسكرية الأميركية والإسرائيلية بين عامي 2025 و2026 لحظة انتقال نوعي في طبيعة الخطاب الذي يؤطر الحرب ويمنحها شرعيتها. فالمسألة لم تعد مجرد تبدل في الأشخاص أو في أساليب إدارة الصراع، لكنها، اليوم، أقرب إلى انتقال معرفي من منطق الواقعية العسكرية—الذي يسعى، ولو بحد أدنى، إلى ضبط العنف وإدارته—إلى ما يمكن تسميته بـ “لاهوت استباقي” للحرب؛ أي تصور يرى في الصراع ليس مجرد أداة سياسية، لكنه واجب أخلاقي ذو أبعاد دينية، بل وضرورة كونية تسبق الحسابات الاستراتيجية التقليدية.

في هذا السياق، كان وزير الدفاع الأميركي السابق لويد أوستن، يمثل، إلى حد كبير، آخر تجليات العقلانية الأطلسية الكلاسيكية داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، فقد حذر مراراً من أن ما يبدو انتصاراً تكتيكياً في ساحة المعركة قد ينقلب سريعاً إلى هزيمة استراتيجية بعيدة المدى إذا أفضى إلى دفع السكان المدنيين نحو أحضان العدو، أو إلى تحويل المجتمعات المحلية إلى خزانات دائمة للعداء. بالنسبة لأوستن، ظل مفهوم “مركز الثقل” في الحرب الحديثة يتمثل في المجتمع نفسه، لا في تدمير البنية المادية للخصم فحسب. ومن هذا المنظور، كان يرى أن حماية المدنيين ليست مجرد التزام أخلاقي أو قانوني، بل ضرورة استراتيجية تضمن استدامة العمليات العسكرية وتحافظ على الشرعية الدولية التي تحتاجها أي قوة عظمى.

غير أن هذا المنطق بدأ يتآكل مع صعود بيت هيغسيث إلى وزارة الدفاع، وهو الذي فضَّل أن يصف منصبه بعبارة “وزير حرب”. فمعه دخلت إلى الخطاب العسكري الأميركي عقيدة مختلفة تقوم على شعار بسيط لكنه كاشف، “لا قواعد اشتباك غبية”، وخلف هذا الشعار يكمن تصور أيديولوجي أعمق مستمد من فكرة “سيادة المجالات”، وهو مفهوم لاهوتي في جذوره يندرج ضمن التيار القومي المسيحي الذي يرى أن النظام السياسي الحديث يجب أن يخضع في النهاية لسلطة الشريعة الكتابية، خصوصاً تصورات العهد القديم حول الحرب والسيادة والعدالة الإلهية. من هنا، لا تصبح الدولة مجرد جهاز إداري حديث، بل أداة لتحقيق إرادة إلهية متخيلة في الوجدان التاريخي.

ضمن هذا الإطار الجديد، لم تعد عملية “الغضب الملحمي”، والتي بدأت أواخر  شباط/فبراير الماضي، تُفهم بوصفها مجرد ضربة عسكرية تهدف إلى ردع البرنامج النووي الإيراني أو تدمير الصواريخ الباليستية، بهدف إعادة ترسيم خطوط الردع في الشرق الأوسط. لقد جرى، داخل بعض الدوائر العسكرية والإعلامية الأميركية، إعادة تأطيرها بوصفها فعلاً ذا دلالة روحية وتاريخية أعمق، وهذا ما كشفته تقارير صادرة عن “مؤسسة الحرية الدينية العسكرية” (MRFF)، في آذار/مارس الجاري، عن أكثر من مئتي شكوى قدمها جنود أميركيون تحدثوا عن تعرضهم لإيجازات عسكرية ذات طابع ديني صريح، فقد قيل لهم إن “الرئيس ترامب قد مُسح من قبل المسيح ليُشعل نار الإشارة في إيران تمهيداً لـ(هرمجدون)”.

هذه اللغة لا يمكن فهمها بوصفها خطاباً دعائياً أو حماسة دينية عابرة فحسب؛ لكنها أيضاً تعكس ما يمكن تسميته بالانتشاء الميتافيزيقي للسلطة العسكرية، حيث تتحول الحرب من فعل سياسي إلى طقس شبه ديني. وعبر الخيال اللاهوتي، يُعاد تصوير ترامب بوصفه نسخة حديثة من كورش الكبير، الملك الذي سيعيد بناء الهيكل ويهزم قوى الشر الكونية المتمثلة في “يأجوج ومأجوج”، التي يجري إسقاطها رمزياً على المحور الإيراني، وهكذا تصبح الجغرافيا السياسية امتداداً لنصوص نبوئية، ويتحول الصراع الدولي إلى مسرح لتحقيق سيناريوهات خلاصية.

على الجانب الإسرائيلي، يلتقي بنيامين نتنياهو مع هذا المخيال الديني، لكن عبر مفردات توراتية مختلفة. فاستدعاؤه المتكرر لفكرة “عماليق”—الواردة في سفر التثنية—لوصف أعداء إسرائيل، بمثابة إعادة تفعيل لرمز ديني شديد الثقل في المخيال اليهودي. فـ”عماليق” في النص التوراتي يمثل العدو الأولي، الذي يجسد الشر المطلق ولا يمكن التعايش معه أو احتواؤه، بل يجب استئصاله بالكامل. وعندما يُوصَف خصوم سياسيون معاصرون بأنهم “عماليق العصر”، فإن الصراع يخرج تلقائياً من نطاق السياسة القابلة للتفاوض، إلى أفق الحرب الوجودية المقدسة.

ويتضح هذا التحول الرمزي أيضاً في الطريقة التي يوظف بها نتنياهو النصوص الدينية في خطاباته السياسية، فحين استشهد بنبوءة إشعياء قائلا: “ستسمين أسوارك خلاصاً”، لم يكن يشير فقط إلى منظومات الدفاع الجوي أو إلى التفوق العسكري الإسرائيلي، بل كان يعيد رسم حدود الدولة داخل ما يمكن تسميته “الجغرافيا الإلهية”؛ أي تصور يرى الأرض والحدود والسيادة بوصفها امتداداً لوعد مقدّس. في هذا السياق، تتحول التكنولوجيا المتقدمة—من القبة الحديدية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية—من أدوات قوة مادية إلى وسائل لتحقيق الحق الإلهي في السيادة المطلقة.

المهدوية ورمزية كربلاء كبديل للردع

في المقابل، وبجانب البعد القومي والوطني، تبني إيران سرديتها العسكرية والدينية على لاهوت مضاد يرى الحرب امتداداً لمعركة كونية مستمرة بين “الحق” و”الباطل”. فالصراع، ليس مجرد نزاع سياسي أو تكتيكي، بل اختبار وجودي وأيديولوجي، تستخدم فيه رمزية كربلاء كأداة لتحويل الهزيمة المادية إلى نصر معنوي وميتافيزيقي، إذ تتحول المأساة إلى شعار يخلق معنى يتجاوز الواقع الملموس، ويمنح للشهداء دوراً في تاريخ خالد، دنيوياً وأُخروياً، يتجاوز حدود الزمن الأرضي المادي الملموس.

عقب الضربة الأميركية-الإسرائيلية الكبرى التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي (والذي لم يختبئ، لأنه يؤمن أن مثله، كرمز ديني/لاهوتي أعلى، لا يختبئ) وعشرات القادة العسكريين، لم ينهَر النظام الإيراني كما توقعت بعض حسابات القوى الغربية المعنية بتغيير النظام. بل على العكس، تم امتصاص الصدمة وتحييدها عبر ما يُعرف بـ”عقيدة المهدوية”، إذ صُوّر موت خامنئي كـ”شهادة كبرى” تماثل شهادات أئمة أهل البيت، الأمر الذي أطلق موجة تعبئة واسعة تحت شعار “عملية الوعد الصادق 4”. وفي هذا الإطار، يصبح كل صاروخ يُطلقه الحرس الثوري جزءاً من الانتظار الميتافيزيقي لظهور الإمام المهدي، حيث تنهار الحدود بين الأرضي والسماوي، ويُنظر إلى أي فشل تكتيكي على أنه ابتلاء يزيد من ثبات المؤمنين وعزيمتهم.

وقد أبرز الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، في خطاب ذكرى مدارس المهدي في أول شباط/ فبراير الماضي، مفهوم “المسارين للنصر”، وهما النصر الميداني أو النصر عبر الشهادة. هذا المنطق الاستراتيجي يُفرغ أي قوة عسكرية إسرائيلية من قدرتها على الردع؛ فإذا كان الجنود والقادة يحرصون على الشهادة، فإن تهديدهم بالموت يفقد قوته الاستراتيجية، كما أكد قاسم أن الحزب يُربي 35 ألف طالب في مدارس المهدي بوصفهم “جنود الإمام”، مؤكداً أن الحرب لا تُدار بالصواريخ فقط، ولكنّها تشكّل إنسان المقاومة الذي يرى إسرائيل ليس دولةً قابلة للتفاوض، بل عدواً ومحتلاً يجب إزالته لتحقيق العدالة الإلهية المنشودة.

كما انتقال القيادة الإيرانية إلى مجلس قيادة مؤقت يضم شخصيات مثل مسعود بزشكيان وعلي لاريجاني، مع صعود نفوذ مجتبى خامنئي، بن خامنئي، وهو الأكثر راديكالية دينياً، يعكس ازدياد ارتكاز السياسة الإيرانية على الرموز الإسكاتولوجية، رموز ما بعد الدنيوية. فالمواجهة مع “الاستكبار العالمي” و”الصهيونية” لم تعد مجرد حسابات استراتيجية، بل أصبحت واجباً دينياً مسبقاً للخلاص النهائي، ما يجعل أي تراجع تكتيكي أو سياسي خيانة للمشروع الإلهي وللسردية الميتافيزيقية التي تؤطر الصراع برمته، وهذا ما أكده، نعيم قاسم، كما كان يؤكد من قبله حسن نصر الله، ومعهما يحيى السنوار ومحمد الضيف، في خطابات كثيرة، وفي كلمات، هي الأصدق، بعيداً عن حسابات السياسة ومفاوضاتها وأكاذيبها، بقوله، أي نعيم قاسم: “والله لو بنروح من أولنا لآخرنا، والله لو بنقتل وما بيبقى ولا واحد منا، لن تستطيع إسرائيل أن تهزمنا”.

صراع الفضاءات الرمزية

تعكس هذه الحروب صراعاً عميقاً بين مفهومين للفضاء، الفضاء المجرد للدولة المهيمنة، والفضاء الراديكالي للمقاومة العقائدية، إذ تسعى القوى المهيمنة، والتي تفرض هذه الهيمنة بالقوة المادية—الولايات المتحدة وإسرائيل—إلى فرض فضاء مجرد يهدف إلى تطهير الأرض من أي “شذوذ أيديولوجي”، برؤيتها، مستخدمة القوة التقنية الشاملة كأداة للسيطرة والسيادة. لكن، تكمن المفارقة في أن هذه القوة التقنية يتم شحنها بالرموز الدينية، فأصبح الصاروخ الذكي بمثابة سيفاً للمسيح أو روحاً محروسة تحمل اسم أسد يهوذا، لتتداخل التكنولوجيا بالرمزيات العقائدية وتصبح الحرب ميتافيزيقية.

في المقابل، تبني حركات المقاومة فضاءاتها الخاصة عبر “سيميولوجيا” الشهادة، حيث تتحول أنقاض قرى الجنوب أو ضاحية بيروت، كما تحولت غزة، إلى مقدسات ميتافيزيقية، وتتحول أسماء العمليات العسكرية إلى نصوص تضاهي النصوص المقدسة. بهذا الشكل، تصبح المقاومة أكثر من مجرد فعل سياسي؛ إنها مسرح رمزي حيث يختبر الزمن والمعنى ذاته في أفق مقدس. وعبر هذا المسرح، يأتي تمثيل فكرة “الصحراء الجينية” في الإسلام، كما يسمّيها سلافوي جيجك، حيث يخلق غياب “المنطق الأبوي” فجوة يسكنها السياسي أو العسكري بقوة، فيصبح الشهيد مستعداً للتضحية بنفسه من أجل فكرة مطلقة للعدالة تتجاوز الزمن والمكان. من هنا، يظهر ما يمكن تسميته “الكراهية المثالية”، إذ رغبة الضحية في التضحية بنفسها لا من أجل انتقام شخصي، لكن بهدف تحقيق عدالة ميتافيزيقية تدين الجاني في الزمن السماوي، الأُخروي، يوم الحساب في الإسلام، وهو المحرك الخفي لخطابات “النصر باللحم والدم” التي تتبناها حركات المقاومة سواء السنية أو الشيعية.

هذا الاشتباك بين الفضاء المجرد والفضاء الراديكالي يؤدي إلى ما يسميه الحاخام ألن مالر “تأليه السياسة”، حيث تتحول المصالح القومية—تدمير المنشآت النووية أو ترسيم الحدود—إلى واجبات إلهية، حين تصبح الحرب واجباً دينياً، تتحول أي محاولة للتسوية السياسية إلى تجديف وخيانة للإله، ما يفسر موت الدبلوماسية التقليدية في العام 2026؛ فالمفاوض لم يعد مجرد خصم سياسي، بل أصبح نبياً أو حارس معبد، يقف أمام إرادة تاريخية ومقدسة تتجاوز الحسابات الأرضية.

نهاية، إن الحرب الجارية-مع فهم وإدراك أن أميركا وإسرائيل، هما المعتديين والمحتلين- تكشف مأساة اختطاف السياسة في الشرق الأوسط من قبل عشاق النهايات، إسرائيل شرعنت استئصال الآخر عبر رموز “عماليق” و”أسد يهوذا”، والولايات المتحدة حولت المنطقة إلى مختبر نبوئي عبر قيادة عسكرية متأثرة بفكر “هرمجدون”، وإيران حولت الفناء المادي إلى وقود روحي من خلال عقيدة “المهدوية” و”أخلاقيات كربلاء”، مع انطلاق عملية “الوعد الصادق 4” وإغلاق مضيق هرمز بعد اغتيال خامنئي وعدد من القادة. في هذا الفضاء الرمزي المزدحم بالصور والرموز، لم يعد للواقع مكان، وأي سلام أصبح مجرد هدنة عابرة، بينما الصراع يتخذ طابعاً ميتافيزيقياً، متجدداً مهما انتهى، حول من يمتلك الحق في كتابة الفصل الأخير لتاريخ البشرية.

*نشرت في المدن الالكترونية يوم الخميس 2026/03/12