الاعتداء الخارجي يفرض منطق التماسك، لكن تعدد الشرعيات السياسية والعسكرية يعيد طرح السؤال الأعمق: كيف تُدار الحرب في دولة متعددة القرار؟
* الدكتور سعيد عيسى
حين يتعرّض بلد لحرب تشنّها دولة أخرى، يندفع الناس عادةً، ومعهم القوى السياسية، إلى إعادة ترتيب الأولويات بسرعة. الخطر الخارجي يفرض منطقًا بسيطًا: حماية المجتمع ومنع الانهيار. في مثل هذه اللحظات، لا تختفي الخلافات الداخلية، لكنها تتراجع خطوة إلى الوراء كي لا تتحول إلى عامل إضافي يفتح ثغرات في الجبهة الداخلية. غير أنّ هذا المنطق، على بداهته، لا يعمل بالطريقة نفسها في كل مكان. فهو يفترض وجود دولة قادرة على تحويل التوافق المؤقت إلى إدارة فعّالة للأزمة، ويفترض أيضًا أن القوى السياسية تتعامل مع الحرب بوصفها تهديدًا للكيان لا فرصة لتسجيل نقاط. وعندما تكون الدولة ضعيفة، أو عندما تتعدد مراكز القوة والشرعية داخل البلد الواحد، تصبح الحرب نفسها موضوعًا للخلاف، وتتحول السياسة من أداة حماية إلى أداة استنزاف.
لبنان اليوم يقف في قلب هذا الاختبار. ففي ظل المواجهة مع إسرائيل، يعود السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف ينبغي أن يتصرف النظام السياسي حين يتعرض لحرب عليه؟ في التجارب التقليدية للدول، تميل القوى السياسية إلى البحث عن حد أدنى من التفاهم يسمح بإدارة الأزمة عبر مؤسسات الدولة، حكومة تتحمل مسؤوليتها، جيش يُدعَم ويُترك له ضبط الأمن الداخلي، ودبلوماسية واحدة تعبّر عن موقف رسمي في المحافل الدولية. ليس المطلوب أن تتبخر الانقسامات أو أن تُمحى التباينات الفكرية، بل أن تُدار داخل إطار مؤسساتي يحمي البلد من أن يأكل نفسه فيما هو تحت النار. وفي كثير من البلدان تتشكل في هذه اللحظات “هدنة سياسية” غير مكتوبة، تتفق فيها الأطراف على تجميد المعارك السياسية بينها كي لا يتهدد الكيان كله.
لكن لبنان ليس دولة مركزية بالمعنى الكلاسيكي. هو نظام قائم على تعددية طائفية وتوازنات دقيقة وشبكة ولاءات متقاطعة، وعلى ثقافة سياسية تُفضّل التفاوض الدائم على الحسم النهائي. وهذا ما يجعل إدارة الحرب في لبنان أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان موقف أو رفع شعار. فداخل البلد تتجاور شرعيات متعددة، شرعية الدولة ومؤسساتها، وشرعيات الزعامات والطوائف، وشرعيات القوة والردع، وشرعيات الارتباطات الإقليمية. ومع تعدد الشرعيات يتعدد القرار، ومع تعدد القرار تتبدد المسؤولية، ومع تبدد المسؤولية تضيع المحاسبة، ومع ضياع المحاسبة تتآكل الثقة العامة. عند هذه النقطة بالذات، تتحول الحرب من خطر خارجي فقط إلى خطر مزدوج: اشتباكات وقصف على الحدود وانقسام في الداخل، نار على المناطق وتآكل في البيت.
في لبنان لا يقتصر النقاش على كيفية مواجهة الاعتداء الخارجي، بل يمتد إلى تفسير أسبابه وتعريف طبيعته. فريق يرى أن ما يحدث مرتبط بدور حزب الله وبوجود قرار عسكري خارج الإطار المؤسسي الكامل للدولة، ويعتبر أن قرارات الحرب والسلم يجب أن تكون حصراً بيد الدولة، وأن أي ازدواجية في القوة تُعرّض لبنان لمواجهات لا يملك حولها إجماعًا وطنياً. وفريق آخر ينظر إلى الصراع مع إسرائيل كصراع طويل ومفتوح، ويعتبر أن الاعتداءات ليست حدثًا عابرًا مرتبطًا بمرحلة محددة، بل امتداد لتاريخ من المواجهات، وأن وجود قوة مقاومة مسلحة يدخل في معادلة ردع “غير متكافئ” يفرضه ميزان القوى في المنطقة. وبين هذين المنظورين تتشعب المواقف وتولد درجات كثيرة من التأييد والرفض والقلق، فلا يعود الخلاف خلافًا على التفاصيل، بل خلافًا على تعريف المشكلة نفسها، هل هي مشكلة اعتداء خارجي بحت، أم مشكلة إدارة داخلية للصراع، أم الاثنان معًا؟
غير أن الانقسام، مهما كان حادًا، لا يعني أن البلد محكوم بالشلل. الوحدة الوطنية في زمن الحرب لا يجب أن تُفهم على أنها توحيد للسرديات أو إلغاء للخلافات، لأن ذلك غير واقعي وقد يتحول إلى قمع سياسي مقنّع. الوحدة التي يحتاجها لبنان هي وحدة إدارة، أن تختلف القوى في تفسير الأسباب، لكن تتفق على قواعد سلوك تمنع الانهيار الداخلي وتحمي الناس. وهذا هو الحد الأدنى الذي يستطيع بلد تعددي أن يبني عليه “هدنة سياسية” وظيفتها ضبط الخسائر لا تلميع الانتصارات، وتثبيت الدولة لا استهلاكها.
من هنا، تصبح الدعوة الملحّة للقوى السياسية اللبنانية أن تخرج من قاعدة المكاسب الآنية إلى منطق نجاة الدولة. فالربح السريع في زمن الحرب قد يكون تصريحًا يرفع شعبية هنا، أو خطابًا يشعل جمهورًا هناك، أو خصومة تُدار على الهواء، لكنه في المحصلة يراكم خسارة عامة لا يدفع ثمنها السياسيون بل الناس. المطلوب اليوم ليس أن يتبنى الجميع رأيًا واحدًا في السلاح أو في الاستراتيجية أو في تعريف الصراع، بل أن يلتزموا بتعهدات واضحة قابلة للقياس: وقف الاستثمار في الدم والامتناع عن التحريض الطائفي والتخوين الذي يفتح أبواب الفتنة؛ دعم الجيش والمؤسسات الأمنية لضبط الداخل ومنع الانفلات، لأن انهيار الجبهة الداخلية هو أقصر طريق للهزيمة مهما كانت الحسابات على الحدود؛ اعتماد مرجعية رسمية واحدة للتواصل الدبلوماسي باسم الدولة كي لا يظهر لبنان كجزر متناحرة تتكلم بألسنة متضاربة فتضعف قدرتها على طلب وقف النار أو حماية المدنيين؛ إطلاق إدارة طوارئ شفافة للإغاثة والنزوح والأضرار، لأن الناس لا تعيش على الخطابات بل على دواء وماء ومأوى ورغيف وخدمة عامة؛ والالتزام بهدنة سياسية زمنية المعالم، لا تلغي المساءلة ولا تؤجل كل السياسة، لكنها تمنع تحويل الحرب إلى بازار تصفية حسابات وتعطيل تشريعات وإغراق البلد في سجالات لا تحمي أحدًا.
في لحظات كهذه، يصبح معيار الوطنية أقل شاعرية وأكثر بساطة، هل يزيد سلوكك مناعة الدولة أم يضعفها؟ هل يخفف عن الناس أم يضيف عليهم؟ هل يساعد على توحيد إدارة الأزمة أم يبعثرها؟ كل خطاب يرفع منسوب الانقسام أو يربك الموقف الرسمي أو يشوه الإغاثة أو يفتح باب الفتنة، ليس “موقفًا سياسيًا” بقدر ما هو مساهمة مباشرة في إضعاف لبنان الواقع تحت النار. وكل خطوة تسند المؤسسات، وتضبط الداخل، وتُشرك المجتمع في التضامن بدل التحريض، هي مساهمة في الصمود الحقيقي، مهما كان الخلاف على أسباب الحرب وعلى كيفية نهايتها.
الحرب لحظة كاشفة لطبيعة الدول والمجتمعات. وهي في لبنان تكشف مرة أخرى أن التحدي ليس فقط في مواجهة الاعتداءات، بل في بناء حد أدنى من التماسك يمنع البلد من الانهيار من الداخل. الوقوف صفًا واحدًا لا يعني أن يصبح اللبنانيون نسخة واحدة، بل أن يتفقوا، ولو مؤقتًا، على أن الدولة ليست ساحة لتسجيل النقاط، وأن الناس ليست وقودًا لمعركة الخطابات، وأن إنقاذ لبنان يبدأ من إدارة الخطر بعقل بارد ومسؤولية عالية. في زمن الحرب، المكسب الحقيقي الوحيد هو بقاء لبنان، دولةً ومجتمعًا وقدرةً على النهوض بعد أن تهدأ النار.
* كاتب وباحث
