*يعرب العيسى
حين كتب غرامشي “دفاتر السجن”، كان يتحدّث عن وطنه إيطاليا، وعن ثلاثينيّاتها تحديداً، أو عن أوروبا الوسطى على أبعد تقدير، وفيها قال جملته الكثيفة والشهيرة: “الأزمة أن القديم يُحتَضر والجديد لا يستطيع أن يولد، وفي هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية عديدة”.
كان يصف ما يراه في لحظة محدّدة من التاريخ، وقطعة محدّدة من الجغرافيا، لكنّها لاقَت صدىً على أجساد كثيرة، فانتُزعت من سياقها، وتوسّع استخدامها في الأدبيات السياسية إلى درجة أنها كادت أن تصبح منقطعة النسب، وأُجريت عليها تلوينات وتفريدات مختلفة، واستُخدمت لتمويهها عباراتٌ مثل “مفترق طرق”، و”يتآكل”، و”ترقّب حذِر”، و”شفير الهاوية”، و”حافّة الانفجار”، و”صفيح ساخن”، و”2254”.
استخدمها العشرات حين وصفوا روسيا منذ 1990 وحتى غزا بوتين الآخرين، فصاروا يستخدمونها لوصف الشيشان والأبخاز وأوكرانيا. استخدموها لوصف سورية بين عامَي 2011 و2024، وحين وصفوا العراق منذ 2003، يستخدمونها لوصف إيران منذ عامَين، وسيستمرّون في ذلك سنوات مقبلة.
جملة غرامشي، التي وصف فيها لحظةً سياسيةً عاشها وأحاطت به، هي في الحقيقة التاريخ البشري كلّه، وكل لحظة عاشها أيُّ بلد، إن لم نبالغ ونقول: كلُّ شخص. ولذلك جملة غرامشي، كي تصبح كاملة، ينقصها كلمتان توضعان في بدايتها لتكون: كما دائماً، القديم يحتضَر والجديد لا يستطيع أن يولد.
على مساحة إقليمنا، وعلى مدى الزمان، كان القديم يُحتضَر، والجديد يتعسّر مخاضه، وربّما تكون آخر مرّة وُلِد فيها جديدٌ معافى، سليم الأعضاء، مؤهّلاً ليعيش حياة طويلة كاملة، كانت قبل 14 قرناً حين تحوّل الإسلام من دينٍ إلى دولة. بعدها، لم تكتمل عملية ولادة، وتعاقبت علينا عمليات احتضار لا تتوقّف، ممّا يجعلنا نشكّ أنه احتضار واحد، مستمرّ منذ الأزل، وأن ولادةَ الجديد لن تحدث أبداً.
*نشرت في العربي الجديد يوم 05 آذار / مارس 2026
