زكـي طـه
بيروت 28 شباط 2026 ـ بيروت الحرية
انتهت الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف على إيقاع مزدوج: توصيف عُماني بـتقدّم ملحوظ، وحديث إيراني عن جدية مشروطة، مقابل غموض أميركي رسمي وحشد عسكري متزايد في الإقليم. هذا التوازي بين لغة الدبلوماسية وأدوات القوة لا يعكس تناقضاً بقدر ما يكشف طبيعة اللحظة: مفاوضات تُدار تحت سقف الردع، وضغط عسكري يُستخدم لتحسين شروط التفاوض لا لإلغائه ـ حتى الآن.
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أبقى القناة مفتوحة معلناً استئناف المحادثات بعد مشاورات في طهران وواشنطن، مع اجتماعات فنية في فيينا. هذا الإعلان، مقروناً بلقائه المرتقب مع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس في واشنطن، يؤكد أن المسار لم يُقفل وأن القرار بات سياسياً بامتياز، لا تقنياً فحسب. في المقابل، شدّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن نجاح المسار يتطلب الواقعية وتجنّب المطالب المُبَالغ فيها، في إشارة إلى رفض توسيع جدول الأعمال ليشمل ملفات صاروخية أو إقليمية، والتمسك بمقايضة واضحة: قيود نووية محددة مقابل رفع ملموس للعقوبات.
غير أن التقدم التقني لم يرقَ بعد إلى اختراق سياسي. فالتقارير المنسوبة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن تخزين يورانيوم عالي التخصيب في موقع تحت الأرض في أصفهان، وعدم تمكّن الوكالة من الوصول إلى بعض المنشآت التي أعلنتها إيران، تُبقي عنصر الشك حاضراً. طهران تستخدم الاقتراب من الخط الأحمر كورقة ضغط تفاوضية، وواشنطن وتل أبيب تقرآن ذلك اقتراباً من قدرة كامنة على التصنيع العسكري. بين القراءتين مساحة رمادية هي ساحة التفاوض الحالية، في موازاة نشر حاملتي طائرات أميركيتين، ووصول طائرات وآلة حرب مكتملة إلى إسرائيل والمنطقة. والامر لا ينطوي على إشارات رمزية فحسب، بل يوفّر قدرة عملياتية فعلية لضرب أهداف محصّنة بعيدة المدى. ومع ذلك، فإن عدم إعلان تعبئة إسرائيلية شاملة، ونفي واشنطن طلب إخلاء واسع لسفاراتها في بغداد والكويت، يوحيان بأن خيار الحرب الشاملة لم يُحسم بعد.
سلوك الدول الأخرى يعكس تقديراً مرتفعاً للمخاطر: تحذيرات صينية واسترالية لرعاياها بالمغادرة، سحب بريطاني مؤقت لموظفين، ونصائح فرنسية بعدم السفر. كما عبّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان عن قلق بالغ من التصعيد. هذه المؤشرات لا تعني حتمية الانفجار، لكنها تكشف أن العواصم الكبرى تتعامل مع نافذة زمنية حرجة قد تنقلب سريعاً.
كيف تُقرأ هذه اللحظة؟ ثمة ثلاثة مسارات محتملة:
أولاً: صفقة مرحلية “تجميد مقابل تجميد”.
تجميد إيراني لمستويات التخصيب الأعلى وتوسيع نسبي لعمل الوكالة الدولية، مقابل تخفيف محدود للعقوبات. وهو الاكثر ترجيحاً، لأنه ينطوي على صفقة لا تعالج كل الملفات، لكنها تُبعد شبح الضربة وتمنح كل طرف مكسباً داخلياً: إدارة أميركية تتفادى حرباً مكلفة، وطهران تحصل على متنفس اقتصادي وتثبيت لحقها في برنامج نووي سلمي تحت قيود متفق عليها.
ثانياً: ضربة محدودة محسوبة.
إذا رأت واشنطن أن طهران ترفض تقديم تنازلات في الملف النووي، قد تُنفَّذ ضربات جراحية مفاجئة ضد منشآت محددة، مع رسائل واضحة بعدم السعي إلى تغيير النظام. المخاطر هنا تكمن في الردود غير المتوقعة عبر ساحات إقليمية ـ العراق، سوريا، الخليج، وفي امتدادها يقع ارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال الانزلاق غير المقصود إلى حرب مفتوحة.
ثالثاً: مواجهة إقليمية واسعة.
تتطلب خطأً استراتيجياً كبيراً أو حادثاً يوقع خسائر بشرية جسيمة. حتى الآن، يسجلّ حرص القوى الكبرى والاقليمية تحديداً على احتواء التصعيد، واستمرار الوساطة العُمانية، وكلاهما يقلّص فرص احتمال المواجهة الواسعة.
الترجيح العام يميل إلى استمرار التفاوض تحت ضغط عسكري، وصولاً إلى تفاهم مرحلي يؤجل المواجهة ولا ينهيها. الولايات المتحدة تستخدم القوة لتحسين شروط التفاوض، وإيران تستخدم التخصيب المتقدم لتعزيز أوراقها. كلا الطرفين يدرك كلفة الحرب الشاملة في لحظة إقليمية مثقلة بملفات غزة ولبنان وأمن الممرات البحرية.
بالنسبة إلى لبنان وسائر بلدان المنطقة، الفارق بين الضربة المحدودة والتفاهم المرحلي ليس تفصيلاً، لأن أي عمل عسكري و إن كان محسوباً، قد يفتح جبهات ردّ غير مباشرة ويضع ساحات هشّة على خط النار. أما التسوية المؤقتة فستخفف الضغط العسكري المباشر، لكنها ستُبقي الصراع البنيوي مفتوحاً، بما يعني استمرار حالة اللااستقرار المزمن.
وعليه تقف المنطقة أمام معادلة توازن ردع متحرك: التفاوض ليس غطاءً شكلياً، والحشد العسكري ليس إعلان حرب وشيكة. المنطقة تقف على حافة خيارين: تسوية تؤجل الانفجار، أو خطأ تكتيكي يدفع نحو المجهول. وفي السياسة كما في الأمن، غالباً ما يُصنع المستقبل في المنطقة الرمادية بين الاثنين.
