صحف وآراء مجتمع

طرابلس: أزمة أبنية أم أزمة سياسات ودور مفقود؟

* سامر سالم دبليز

طرابلس، المدينة التي حملت يوماً صفة العاصمة الثانية، ووقفت شاهدة على تعاقب حضارات متعددة، تبدو اليوم وكأنها مدينة أُنهكت حتى التعب. ليست المشكلة في تاريخها، فهذا التاريخ لا يزال حيّاً في إرثها الحضاري والمعماري، بل في حاضرٍ قاسٍ أفقدها جزءاً كبيراً من روحها ودورها الوطني والاقتصادي والثقافي.

اليوم، وبعد سقوط عدد من المباني ووقوع ضحايا أبرياء، دخلت المدينة مرحلة جديدة عنوانها الخطر الداهم. قرار الحكومة بإجراء مسح شامل للأبنية، وإخلاء ما يهدد حياة السكان، ودفع بدل إيواء للمتضررين، خطوة ضرورية لحماية الأرواح، وهي أولوية لا نقاش فيها. لكن هذه الخطوة، على أهميتها، تفتح أسئلة كبرى حول مصير المدينة: ماذا بعد الإخلاء؟ من يرمّم؟ من يهدم؟ ومن يضمن ألا تتحوّل الكارثة إلى باب جديد للفوضى أو للاستثمار العشوائي؟

مدينة دفعت ثمن الغياب

كانت طرابلس مركزاً تجارياً مزدهراً، وميناءً حيوياً، وملتقى للعلم والثقافة في خدمة كل أبناء الشمال. لكن غياب الدولة، الذي لم يعد ظرفاً طارئاً بل نهجاً مزمناً، حوّل المدينة إلى مساحة متروكة لمصيرها. الإهمال التراكمي في البنى التحتية والرقابة العمرانية هو ما أوصلنا إلى لحظة انهيار المباني فوق ساكنيها.

من الفقر إلى الخطر

الفقر الذي خيّم على أحياء واسعة لم يكن قدراً، بل نتيجة سياسات تهميش مزمنة. شباب بلا فرص، كفاءات مهاجرة، تسرّب مدرسي، واستثمارات غائبة. وزادت جولات العنف السابقة، لا سيما في منطقتي جبل محسن وباب التبانة، من إنهاك الاقتصاد المحلي وتشويه صورة المدينة.

واليوم، يضاف إلى الفقر خطر السكن غير الآمن. عشرات الأبنية المتصدعة في الأحياء القديمة والمكتظة تحوّلت إلى قنابل موقوتة. قرار الإخلاء يحمي السكان، لكنه يضع آلاف العائلات أمام واقع اجتماعي صعب، خاصة مع محدودية بدل الإيواء وغموض الرؤية بشأن الأبنية التي ستُهدم وتلك التي يمكن تدعيمها.

ذاكرة مدينة تتآكل

ليست هذه المرة الأولى التي تخسر فيها طرابلس جزءاً من نسيجها العمراني. بعد كارثة فيضان نهر أبو علي، أُطلقت مشاريع توسعة أدّت إلى إزالة أحياء بكاملها، ما غيّر وجه المدينة وطمس أجزاء من ذاكرتها.

ومع مرور السنوات، خسرت طرابلس معالم شكّلت جزءاً من هويتها، مثل مدارس الفرير، ومدرسة الليسيه الفرنسية، ومسرح الإنجا، وأوتيل قصر المنتزه، ودور السينما المتعددة، وصولاً إلى سينما الكولورادو. لم تكن هذه مجرد أبنية، بل مساحات حياة وثقافة وذاكرة جماعية.

الخوف اليوم أن تتحول معالجة خطر الانهيار إلى موجة جديدة من فقدان التراث، في ظل غياب خطة واضحة تميّز بين ما يجب تدعيمه وما يجب هدمه، وبين السلامة العامة والحفاظ على الهوية العمرانية.

تحولات سكانية وهوية مضطربة

شهدت طرابلس خلال الحرب اللبنانية، وفي مرحلة سيطرة حركة التوحيد الإسلامية، نزوحاً واسعاً غيّر توازنها الاجتماعي. كما أدّى النزوح الريفي غير المنظم إلى ضغط عمراني كبير، في غياب سياسات إسكانية ورقابة فعّالة، ما ساهم في انتشار البناء العشوائي وضعف شروط السلامة.

هذه التحولات، مع الإهمال الرسمي، أنتجت مدينة هشّة عمرانياً واجتماعياً، تدفع اليوم ثمن تراكمات عقود.

من اقتصاد منتج إلى صورة نمطية

طرابلس التي عُرفت بعاصمة المفروشات واحتضنت مؤسسات صناعية كبرى، خسرت جزءاً أساسياً من قاعدتها الإنتاجية مع إقفال معامل غندور، وتعطّل مصفاة النفط، وتراجع دور المرفأ والمعرض والمنطقة الاقتصادية.

تراجُع الاقتصاد لم ينعكس فقراً فقط، بل هشاشة عمرانية أيضاً. فالمباني التي لم تُصن بسبب عجز السكان، ولم تُراقب بسبب غياب الدولة، أصبحت اليوم مسرحاً للانهيارات.

سلامة الناس أولاً… وخطة إنقاذ شاملة

لا خلاف على أن حماية الأرواح أولوية مطلقة. مسح الأبنية وإخلاء المهدد منها ضرورة، لكن المطلوب أن تترافق الإجراءات الطارئة مع خطة واضحة تتضمن:

  • معايير شفافة تحدد الأبنية التي يجب هدمها وتلك القابلة للتدعيم.
  • إشراف هندسي مستقل وعلني يطمئن السكان.
  • ضمان عودة الأهالي إلى منازل آمنة بعد الترميم، وعدم تحويل الأراضي إلى مشاريع استثمارية بلا رؤية.
  • خطة متكاملة للحفاظ على التراث العمراني وربطه بالتنمية الاقتصادية.

استعادة طرابلس ليست مستحيلة. تحتاج إلى قرار وطني يعترف بحقها في تنمية عادلة، ويعيد الاعتبار لدورها عبر المرفأ، والمنطقة الاقتصادية، ومصفاة النفط، والمعرض، والسياحة الثقافية. كما تحتاج إلى إدارة محلية قوية ورقابة مدنية فاعلة تضع سلامة الناس وكرامة العيش في صدارة الأولويات.

طرابلس لم تمت، لكنها على مفترق خطير. إما أن تكون كارثة الانهيارات بداية انهيار أكبر، أو أن تتحول إلى لحظة وعي تعيد وصل التاريخ بالمستقبل، وتحمي الإنسان والحجر معاً. الدولة مطالبة بتحمل مسؤولياتها تجاه المدينة وأهلها. ومجتمع المدينة – بنخبه وهيئاته وأهله – مطالب بأن ينتقل من ردّة الفعل إلى الفعل المنظّم، من الصوت الغاضب إلى الضغط المؤسساتي ، ومن التضامن العاطفي إلى المبادرة العملية.

المدن لا تموت حين تتصدّع جدرانها، بل تموت حين يستسلم أهلها لفكرة عدم القدرة على التغيير.

*  أمين سر المنبر البلدي لمدينة طرابلس