صحف وآراء مجتمع

ميشيل كيلو مُكرَّماً في دمشق.. لا تقتلوا سوريا مرتين!

*أنيس المهنا 

رغم ضيق المكان على تكريم مُنظّر الثورة السورية، ابن اللاذقية، ميشيل كيلو (1940–2021)، في مشهدٍ يختزل ثراء التجربة ومرارة الفقدان، احتضنت قاعة اتحاد الكتّاب العرب بالمزة مساء الثلاثاء 15 تموز/يوليو  حفلاً تأبينيّاً وتكريميّاً للكاتب والمفكِّر الراحل. لم يكن الوداع مجرد مراسم، بل إشادة بإرثٍ طويل لمثقف حوّل كلماته إلى مسدس في وجه القمع والطغاة، وإلى جسر يعبر عليه السوريون جميعاً نحو كرامتهم وحريتهم المفقودتين.

هنا تبرز مفارقةٌ مؤلمة يستحضرها التاريخ السوري: حين كرَّم الاتحاد ذاته في عهدالمخلوع بشار الأسد، كيلو يوم 14 آذار/مارس 2007 وهو يقبع في السجن. حادثة علّق عليها البعض آنذاك بـ”السخرية المُرّة”، خصوصاً بعد زعم رئيس الاتحاد آنذاك، حسين جمعة أنه لا يعلم باحتجاز كيلو.

الذاكرة الجامعة

تحت سقفٍ جمع أدباء ومثقفين ورفاق درب، تحوّل الحفل إلى محطةٍ لاستعادة مسيرة كيلو الغنية.  لم يكن التكريم مجرد كلمات، بل استحضاراً لروح رجلٍ وصفه رئيس الاتحاد محمد طه العثمان بـ”الضمير الوطني الحي الذي ترك أثراً بالغاً في المشهد الثقافي والسياسي”. وأكّد العثمان أن ميشيل لم يكن كاتباً فحسب، بل “ضميراً وطنيّاً نابضاً”، مشيراً إلى أنه أسّس لقواعد اشتباك جديدة، مع سلطة رأت فيه تهديداً مستمرّاً، فسعت عبر اعتقاله المتكرر إلى كبح “طروحاته العميقة والبسيطة في آن”، وإغفال حضوره عن المشهد السوري.

ولم يغب ظل الماضي المؤلم، فتذكّر العثمان لقاءً جمعه بكيلو أثناء تأليف كتابه الجريء “من الأمة إلى الطائفة: سوريا في حكم البعث والعسكر” (الصادر قبيل رحيله بأشهر)، ليرحل المفكر، وهو “يوثّق تحولات وطنه الأليمة”.

الألم والحنين بالصورة

تجاوز التكريم الإطار الشكلي ليغوص في أعماق إنسان كيلو، فعُرِض فيلمٌ وثائقيٌّ قصيرٌ مؤثِّرٌ جمع شهادات زوجته وابنته اللتين رسمتا صورة الرجل خلف المفكّر، وشهادات رفاق المنفى الحاملين جراح الغربة. في أحد المقاطع، وثّق كيلو إحدى مغامراته الأليمة أثناء التحقيق: “بقيت واقفاً أكثر من 72 ساعة حتى لم يبقَ في جسدي ميليمترٌ إلا مُشَقَّفٌ، ينزّ قيحاً وصديداً.. لم تبقَ دورة دموية في جسمي”. تحوّلت الشاشة إلى مرآةٍ تعكس رحلته من الألم إلى المقاومة، ليختتم: “قدّيش عندي حِنين أرجع عالشام!”.

جراح الواقع بـ”مِشرَط” الكلمة 

وفي مداخلةٍ لامست الجرح السوري، تحدثت الأديبة فدوى العبود عن كيلو بوصفه “رمزا أساسيّا للثورة السورية”، رجلاً “سبق زمنه” بنضاله من أجل الكلمة الحرة تحت مناخٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ خانق. وسلّطت الضوء على كتاباته الجريئة كرواية “مزار الدب” ومقالاتٍ لاذعة مثل “نعوات سورية” و”ثورة ليست كغيرها”، واصفةً إياه بأنه “جرَّاح واقعي، يلمس الجرح بمشرطٍ حادّ”. ثم طرحت سؤالاً تردّد في أرجاء القاعة: “كيف سيكون موقفه مما يجري اليوم؟”.

الرسالة.. والرفات البعيد

بدوره، رأى الكاتب فايز سارة في التكريم رسالةً تتجاوز الفرد، مؤكداً أن كيلو كان “كاتب رسالة” لم تفصله كتاباته عن هموم وطنه. “تكريمه اليوم هو تكريم لكل من قاوم الظلم بالكلمة والموقف”. وأشار إلى أن إرثه الفكري (أكثر من أربعين كتاباً مترجماً) شكّل رؤيته الثاقبة، مذكّراً بمبادرته في “إعلان دمشق-بيروت/ بيروت- دمشق” الذي جمع مثقفين وسياسيين وصحافيين من البلدين، وصاغ لأول مرة “علاقات كيانية متوازنة بدلاً من هيمنة نظام الأسد على لبنان وتنمر سياسييه على السوريين”. كما دعا سارة الحكومة السورية إلى حلّ معضلتي اللاجئين في لبنان والمعتقلين السوريين في سجونه، “وهما جزء من واقعٍ أليمٍ سعينا مع ميشيل منذ عشرين عاماً لتغييره”. وختم متمنياً على اتحاد الكتّاب، نقل رفات الراحل إلى دمشق.

السويداء والوصية

الصحافية سميرة المسالمة (التي لم تكن مداخلتها ضمن برنامج التكريم) اعتبرت أنها “نالت فرصة العمر” حين كلّفها كيلو بتوثيق وصيته الأخيرة قبل رحيله بأيام. وقالت وهي تسابق دموعها: “لو بقي حيّاً لكان اليوم في السويداء يُطفئ نيران الحقد الطائفي”، مؤكدةً أنه “كان يسبقنا جميعاً إلى الحل”. واستذكرت وصيته للسوريين: “تَمَسَّكوا بالحرية، وأنتم الشعب السوري بعيداً عن هوياتكم الضيّقة”.

إعادة اعتبار.. والوعد

في الختام، تسلّمت المسالمة شهادة التكريم نيابة عن أسرة الراحل، بينما أعلن رئيس الاتحاد إعادة اعتبار كيلو كعضوٍ متوفّى بالاتحاد. واختُتِم الحفل بتأكيد الوعد بـ”ترسيخ إرثه في وجدان الأجيال القادمة” ليس كمثقفٍ فحسب، بل كنموذجٍ للإنسان الملتزم بقضايا شعبه، والمناضل الذي جسّد معاناة السوريين، والداعية للحرية، الذي ستظل كلماته بعيدةً عن النسيان، وصوتاً فوق صمت الطغاة.

في قاعة اتحاد الكتّاب بالمزة أول أمس، لم تُكرِّم سوريا ميشيل كيلو فقط، بل أكّدت أن روحه لا تزال تلهم من يرفعون القلم سلاحاً في زمنٍ يحاول كسر القلم. لو كان حيّا في دمشق، لصرخ من المنصة أمام مكرّميه: “إيّاكم أن تقتلوا سوريا مرتين!”

*نشرت في المدن الالكترونية يوم السبت 2025/07/19