في خضم ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، وإعادة رسم خريطة السياسة والتحالفات وموازين القوة، يتردد على ألسنة كثيرين، بنبرة حزينة أو ساخرة، التعبير الصادم: “ما أحلاه سايكس-بيكو”!
عبارة تبدو للوهلة الأولى سريالية أو حتى مستفزة، إذا ما تذكرنا أن اتفاقية سايكس-بيكو كانت على مدار قرن كامل رمزاً للخيانة والتجزئة واغتصاب إرادة الشعوب العربية. لكنّ السياق تغيّر، والخيارات تضيق، ومعها باتت تلك الاتفاقية الاستعمارية تبدو، في عيون البعض، ملاذاً أقل سوءاً وسط الفوضى والانهيار.
في عام 1916، وقّعت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سرية لتقاسم النفوذ في أراضي الدولة العثمانية المنهارة. رسمت الاتفاقية خرائط جديدة للمنطقة، ومنحت لندن وباريس السيطرة على أراضٍ واسعة من العالم العربي، من العراق شرقاً إلى لبنان وسوريا غرباً، وفلسطين في القلب. لعقود، كانت هذه الحدود تُعد مصطنعة، فرضها المستعمر، وأسست لتجزئة العرب وتكريس التبعية. لكنها، رغم ذلك، أسست أيضاً لخرائط استمرت قرناً من الزمان، وأسست لدول وطنية حافظت، بقدر ما، على تماسك نسبي.
لكن منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ومع انفجار ما سُمي، على غير حقيقته، “الربيع العربي”، بدأت ملامح الدولة المركزية في العديد من البلدان تتلاشى. سوريا، العراق، ليبيا، اليمن… كلها أمثلة صارخة على انهيار المنظومات القديمة، وصعود الهويات الفرعية، والانزلاق إلى فوضى دموية لم تُبقِ ولم تذر. وهنا، بدا للكثيرين أن أسوأ ما في سايكس-بيكو قد يكون أفضل من البدائل المعروضة اليوم.
وزاد على كل ما فات ما تعيشه المنطقة من تغول اسرائيلي وتراجع وتناقضات عربية، وعبث دولي في المنطقة بلا رادع.
يمكننا أن نطلق على الواقع أنه يعاني من “ثلاثية التفكك”. وعناصر هذه الثلاثية هي الهويات الفرعية، فراغ السلطة وخرائط متحركة. وتفسير ذلك أن التحول في نظرة العرب إلى سايكس-بيكو ليس ناتجاً من إعادة تقييم تاريخي أخلاقي، بل من وقائع مأسوية فرضت نفسها. ففي ظل انهيار الدولة المركزية، وتراجع الأنظمة عن أداء وظائفها السيادية، صعدت هويات طائفية وعرقية محل الهويات الوطنية الجامعة. في العراق، تصاعد الانقسام بين السنة والشيعة والأكراد. في سوريا، بين السنة والعلويين والأكراد. في ليبيا، بين الشرق والغرب والجنوب. ومع هذه التمزقات، لم تعد الحدود الوطنية القديمة ضماناً لتماسك الدولة، لكنها، على الأقل، أصبحت آخر ما تبقّى من “الخريطة”.
يضاف إلى ذلك فراغ السلطة الذي نجم عن سقوط أنظمة قوية من دون وجود بدائل مؤسسية راسخة. ليبيا ما بعد القذافي، والعراق ما بعد صدام، وسوريا التي مزقتها الحرب وسقط نظام الأسد وأتى بديل يعكس الحالة التي نطرحها. أصبح العديد من الدول ميادين مفتوحة لجماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية وحروب بالوكالة، ما جعل كثيرين يرون في الحدود المصطنعة التي خلّفتها سايكس-بيكو، رمزاً للاستقرار الضائع.
قد تكون سايكس-بيكو في جوهرها اتفاقية استعمارية جائرة، لكنها، بفعل ما آلت إليه الأوضاع، تحوّلت، في الخيال الشعبي، إلى رمز للنظام المفقود. صار الناس ينظرون إليها كحدود ضرورية لضبط الفوضى، ولو موقتاً. فالوحدة العربية لم تتحقق، لكن الدولة القُطرية المنبثقة عن الاتفاقية كانت على الأقل موجودة، تمارس سيادة، وتحمي مواطنيها بدرجات متفاوتة من الكفاءة.
أما اليوم، فإن البديل المطروح، وهو تفكيك الكيانات القائمة إلى دويلات طائفية أو عشائرية، يبدو كابوساً بلا نهاية. دويلات ضعيفة، متصارعة، تدور في فلك قوى إقليمية أو دولية، وتفقد القدرة على بناء اقتصاد أو حماية أمن أو حتى امتلاك قرار سياسي مستقل.
ليس من المنطقي تمجيد اتفاقية استعمارية أُبرمت في الظلام وعلى حساب إرادة الشعوب. لكن من المنطقي، في لحظة الانهيار، التمسك بما تبقّى من هيكل، قبل أن يُهدم بالكامل. إن الدفاع عن حدود سايكس-بيكو اليوم لا يعني القبول بها كحل دائم، بل بوصفها الحد الأدنى الممكن لوقف نزيف التفتت، أو هكذا يرى الناظرون اليها كحدٍ أدنى يحفظ حداً أدنى.
ربما تكون المفارقة أن العرب الذين ناضلوا لعقود ضد الاتفاقية، باتوا يتمنون اليوم الحفاظ على نتائجها خشية مستقبل أكثر ظلاماً. وربما تكون الحقيقة القاسية أن “سايكس-بيكو” ليست الخيار الأفضل، لكنها لم تعد الخيار الأسوأ.
* نشرت في جريدة النعار بتاريخ 7 آب 2025
