ليس سراً أن السلطة الفعلية في لبنان، منذ سنوات طويلة، لم تعد تُمارَس عبر الوجوه التي تظهر في الإعلام أو عبر المؤسسات التي يُفترض أنها تدير الشأن العام. فالقوة التي تتحكم بمصائر البلد، وتحدد إيقاع الحرب والسلم، والحدود الممكنة للحياة اليومية، تُمارَس اليوم من قبل جهاز سياسي- عسكري لا يعرف اللبنانيون أسماء قادته، ولا ملامحهم، ولا طريقة اتخاذهم للقرار. هذا الغياب المقصود ليس تفصيلاً عارضاً، بل هو تحول بنيوي في طبيعة الاجتماع السياسي. ففي الأنظمة السياسية التقليدية، حتى الأكثر قسوة منها، كانت السلطة تُمارَس عبر أشخاص معروفين: رؤساء، وزراء، قادة أحزاب، زعماء طوائف. وكان بالإمكان مساءلتهم، نقدهم، أو على الأقل فهم من أين يأتي القرار، ومحاولة تجنب آثاره الكارثية. أما في لبنان اليوم، فالسلطة الفعلية تُمارَس من خلف ستار كثيف. لا أحد يعرف من يقرّر، ولا كيف، ولا متى. وإذا كان صحيحاً أن هذه المعضلة كانت موجودة قبل حرب إسناد غزة، فإنها تكثفت وتعمقت مع اغتيال أمين عام حزب الله، في أيلول من العام 2024، واغتيال القيادات الأخرى التي كانت تتحكم بالقرارات العسكرية، وهي غير معروفة للجمهور.
هذا الغياب لا ينتج فقط غموضاً سياسياً، بل ينتج انقطاعاً في الذاكرة العامة. فلا أسماء تُحفظ، لا وجوه تُحاسَب، ولا سردية يمكن بناؤها حول ما جرى، أو ما سيجري. واقع الأمر أن السلطة غير المرئية لا تحتاج إلى خطاب، ولا إلى إقناع، ولا إلى شرعية انتخابية. إنها تحتاج فقط إلى شبكة ولاء، وجهاز أمني، وقدرة على الردع. وهذا كافٍ لإدارة بلد كامل من خارج السياسة.
حين تُدار البلاد من قبل فاعلين لا يظهرون في المجال العام، تحدث ثلاثة تحولات خطيرة، أولها يتعلق بانهيار المجال العام، إذ لا يمكن بناء سياسة من دون وجوه سياسية، ولا يمكن التقدم في مناقشة الشأن العام حين يكون المتحكم بالقرار غير مرئي وغير معروف، وينتدب إلى الصورة بدلاً منه، وكلاء غير قادرين على التحكم بالقرار، ومهمتهم محصورة فقط بتبرير ما قد يصدر عن هؤلاء المجهولي الإقامة والأسماء والوجوه. ومع هذه الغيابات المتراكمة يتحول أي نقاش عام إلى لغو لا يترك أثراً ولا يمكن أن يبنى عليه.
والتحول الثاني يتعلق بانهيار الثقة، فحين يكون المقرر مجهولاً ولا أحد يعرفه، ولا الأسباب التي تدعوه لاتخاذ هذا القرار أو تجنبه، يصبح المواطن متلقياً لنتائج قرارات لا يعرف مصدرها وأسبابها. فلكي نقدّر أن حزب الله سيتدخل في حرب جديدة، أو سيطالب بوقف لإطلاق النار، علينا أن نعرف ما يدور في خلد قادته المجهولين، وأن نعرف حجم خسائره وما تمليه عليه. لكن هذا الغموض المعتم يجعل مسائل من قبيل دخول الحرب أو الجنوح إلى الهدوء غير قابلة للتوقع على أي وجه. وعليه، فإن قدرة المواطن حتى المؤيد لحزب الله، على توقع مستقبله ورسم خططه للغد معدومة تماماً. هكذا تتحول السياسة إلى تخمين دائم، لا تستند بأي حال إلى المزاج العام أو إلى مصالح الناس. بل هي على الأغلب الأعم ضد مصالحهم. فكيف يمكن لشخص لا يستطيع أن يتوقع إن كانت الحرب ستندلع بعد شهور أو سنوات، أن يقرر استثمار بعض ثروته في إنشاء مدرسة أو مطعم أو معمل تعليب؟
والتحول الثالث يتصل بانهيار الذاكرة السياسية. فالسياسة تحتاج إلى سردية مقروءة: من فعل ماذا، ولماذا، وكيف؟ وحين تكون السلطة بلا وجوه، تصبح الذاكرة بلا أسماء. ولذا، يصبح المجتمع عاجزاً عن إنتاج سردية مشتركة. وهذا وضع أخطر من الفوضى، لأن الفوضى يمكن فهمها، أما السلطة غير المرئية فهي غير قابلة للوصف والتوقع ولا الفهم والتحليل.
لبنان اليوم يشبه أكثر ما يشبه غابة عذراء. فالغابة العذراء ليست مكاناً بلا حياة، بل مكان بلا هندسة. تختفي فيها المسارات، ولا أحد يمكنه تبين الطريق، ولا أحد يعرف ما يقع خلف الشجرة التالية، ولا أحد يعرف إن كان هناك طريق أصلاً أو إن كان ثمة نهاية لهذه الكثافة. السلطة غير المرئية تنتج مجتمعاً بلا هندسة وبلا خرائط، وهذا ما يجعل استعادة السياسة أصعب من استعادة الأمن أو الاقتصاد، بالرغم من الصعوبات الهائلة التي تجعل استعادة الأمن أو الاقتصاد ممكنة. فالعيش في حمى سلطة غير مرئية لا يمكن أن يكون آمناً. بل هو أشبه بالتسليم. يعيش المرء في حماها، وهو يدرك أن ثمة قوى خارجية قد تعتدي على عيشه أو استقراره أو مستقبله في أي لحظة، ومن دون سابق إنذار.
هل يمكننا استعادة السياسة مجدداً؟
الأرجح أن هذه الاستعادة ممكنة، لكنها تحتاج إلى تحقق ثلاثة شروط بنيوية. أولها اشتراط عودة الوجوه إلى الواجهة. ورفض أي سياسة لا يتحمل مسؤوليتها مسؤولون معروفون ويمكن محاسبتهم أو لومهم أو مقاطعتهم. وثانيها اشتراط القدرة على المحاسبة مرة أخرى، فلا سياسة ممكنة من دون مساءلة. وثالثها حماية التعددية وتمكينها من التقرير في مصير البلد وما يستطيع أن يقدم عليه من مغامرات.
وهذه الشروط لا تتحقق في ظل سلطة غير مرئية، لأن:
الوجوه والأسماء والسير مخفية ومكتومة، والمحاسبة مستحيلة، والاختلاف يدار أمنياً لا سياسياً. وعليه، فإن المرحلة التي يعيشها لبنان اليوم لا يمكن اعتبارها مجرد أزمة سياسية، ولا مجرد صراع داخلي، ولا مجرد نتيجة لحرب. إنها مرحلة انقطاع طويل في الذاكرة السياسية، وفي القدرة على إنتاج سياسة، وفي إمكانية تخيّل مستقبل مشترك. فالسلطة غير المرئية لا تدمّر السياسة فقط، بل تدمّر إمكان تخيّل السياسة.
لهذا يبدو لبنان اليوم كغابة عذراء: مكان حيّ، لكنه بلا مسارات، بلا خرائط، وبلا وجوه.
ومهما تغيّرت الظروف، سيحتاج البلد إلى وقت طويل قبل أن يستعيد القدرة على أن يقول:
هذا هو من يحكم، وهذا هو من يُحاسَب، وهذا هو الطريق.
* نشرت بتاريخ 22 أيار 2026 على موقع المدن
