* زاهي الأسمر
بيروت 22 أيــار 2026
يكشف التقرير السياسي الأخير الصادر عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني، أكثر مما يقصد ربما، عمق الأزمة الفكرية والسياسية التي يعيشها قسم واسع من اليسار اللبناني والعربي في اللحظة الراهنة. فالمشكلة الأساسية في هذا التقرير لا تكمن فقط في مواقفه السياسية المباشرة، ولا في انحيازه الواضح إلى ما يسمّيه “محور المقاومة”، بل في المنهج الذي يحكم قراءته للعالم وللمنطقة وللبنان معاً؛ أي في إصراره على تفسير الحاضر بأدوات الماضي، وعلى إعادة إنتاج مقولات فقدت منذ زمن بعيد قدرتها على تفسير التحولات الكبرى التي عصفت بالعالم والمنطقة والمجتمع اللبناني نفسه.
فالتقرير يبدو وكأنه صادر عن مرحلة تاريخية سابقة، لا عن واقع جديد تبدّلت فيه موازين القوى الدولية، وتغيّرت فيه طبيعة الصراعات الإقليمية، وتفككت خلاله مشاريع وشعارات وأوهام حكمت الحياة السياسية العربية لعقود طويلة. إنه نص يستعيد قاموساً أيديولوجياً مألوفاً حول “الإمبريالية” و”الهيمنة الأميركية” و”المقاومة” و”الصراع الكوني”، لكنه يفعل ذلك من دون أي مراجعة نقدية جدية للتجارب التي أُنجزَت تحت هذه الشعارات، وللكوارث السياسية والاجتماعية والوطنية التي انتهت إليها.
ينطلق التقرير من فرضية تعتبر أن ما تشهده المنطقة ليس سوى حلقة في مشروع أميركي ـ إسرائيلي شامل لإعادة فرض الهيمنة الأحادية على العالم، في مواجهة صعود قوى دولية جديدة كالصين وروسيا وإيران. وبالرغم من وجود عناصر واقعية في توصيف أزمة النظام الدولي والتحولات الجارية فيه، إلا أن التقرير يتعامل مع هذه التحولات بعقلية تنتمي إلى زمن الحرب الباردة، وكأن العالم يعود مجدداً إلى انقسام بسيط بين معسكر إمبريالي وآخر “مقاوم” أو “تحرري”.
غير أن الوقائع الفعلية أكثر تعقيداً بكثير من هذا التبسيط الأيديولوجي. فالصين ليست مشروعاً تحررياً عالمياً بقدر ما هي قوة رأسمالية عظمى تنافس على الأسواق والتكنولوجيا والنفوذ. وروسيا ليست امتداداً لتجربة الاتحاد السوفياتي، بل دولة قومية سلطوية تخوض صراعات جيوسياسية تتعلق بمصالحها الخاصة. أما إيران، التي يدرجها التقرير عملياً في إطار “محور المواجهة” أو “المقاومة”، فهي بدورها دولة تمتلك مشروعاً إقليمياً قائماً على النفوذ الأمني والعسكري والمذهبي، لا مشروعاً تحررياً ديمقراطياً كما يحاول بعض اليسار العربي أن يوحي.
وهنا تحديداً تظهر واحدة من أكبر ثغرات التقرير: عجزه الكامل تقريباً عن رؤية حدود وطبيعة العلاقة بين كل من الصين وروسيا وإيران القائمة على المصالح، وعن مقاربة المسألة الإيرانية مقاربة نقدية فعلية. فالنص يذهب بعيداً في توصيف العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران، وفي إبراز صمود النظام الإيراني وقدرته على استيعاب الضربة الأولى، لكنه يكاد يتجاهل بالكامل طبيعة هذا النظام نفسه، ودوره خلال العقود الماضية في إعادة تشكيل التوازنات والانقسامات داخل عدد من المجتمعات العربية، تحت أنظار وأحياناً برعاية الادارات الاميركية المتعاقبة، كما جرى في لبنان وسوريا والعراق واليمن وسواها.
لا نجد في التقرير أي نقاش حقيقي لطبيعة النظام الإيراني بوصفه نظاماً دينياً ـ إستبدادياً ـ أمنياً، ولا لدوره في تكريس الانقسامات المذهبية، وفي تحويل قوى “المقاومة” في المنطقة إلى أدوات مرتبطة باستراتيجية إقليمية عابرة لبلدان الجوار. بل إن النص يذهب عملياً إلى إعادة دمج المشروع الإيراني داخل السردية “التقدمية” أو “التحررية” القديمة، لمجرد أنه على تناقض مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فاليسار الذي نشأ تاريخياً على مفاهيم الدولة المدنية والعلمانية والعدالة الاجتماعية والتحرر الإنساني، يجد نفسه اليوم عاجزاً عن توصيف واحد من أكثر المشاريع الدينية ـ المذهبية محافظةً وتسلطاً في المنطقة، فقط لأنه يتموضع في مواجهة واشنطن وتل أبيب. وكأن العداء للولايات المتحدة بات كافياً وحده لمنح أي مشروع سياسي صفة “المقاومة” أو “التقدمية”، بغض النظر عن طبيعته الداخلية أو عن سياساته ونتائجها ومفاعيلها التدميرية الكارثية على المجتمعات التي يتحكم بمصائرها أو يتدخل فيها.
ويظهر هذا التناقض بوضوح أكبر في مقاربة التقرير لمسألة “مقاومة” حزب الله وسلاحه. فالتقرير يحاول الحفاظ على مسافة شكلية بينه وبين الحزب، عبر تسجيل بعض الملاحظات المتعلقة بالتوقيت أو بالشكل أو بإدارة المواجهة، لكنه يتجنب الاقتراب من جوهر الأزمة الحقيقية: أي تحوّل المقاومة من مشروع وطني دفاعي إلى جزء من منظومة إقليمية تتجاوز الدولة اللبنانية نفسها.
فالمشكلة لا تكمن في مبدأ مقاومة الاحتلال، وهو حق مشروع لا جدال فيه، بل في طبيعة البنية السياسية والعسكرية التي تدير هذا الصراع، وفي موقعها وموقفها من الدولة اللبنانية ومن القرار الوطني العام. غير أن التقرير يهرب من مواجهة هذه الحقيقة عبر العودة إلى اللغة العمومية التقليدية حول “مشروع الدفاع الوطني” و”الدولة العلمانية المقاومة” و”إصلاح النظام الطائفي”، من دون تقديم أي إجابة فعلية عن السؤال المركزي: كيف يمكن بناء دولة فعلية في ظل وجود قوة عسكرية ـ أمنية ـ مالية ـ عقائدية تتجاوز وتحاصر مؤسسات الدولة وتصادر صلاحياتها، وترتبط بتوازنات إقليمية تتخطى الحدود اللبنانية؟
والأخطر من ذلك أن التقرير يتعامل مع الانقسام اللبناني وكأنه مجرد نتيجة للتحريض الطائفي أو للمشروع الإسرائيلي، فيما يتجاهل أن القسم الأهم والأكبر من هذا الانقسام هو نتيجة مباشرة أيضاً لتحولات داخلية فرضها فائض القوة الذي راكمه حزب الله خلال العقدين الأخيرين، ولتورطه في الصراعات الإقليمية، ولاستخدامه ميزان القوة داخل الحياة السياسية اللبنانية ومع خصومه وشركائه في السلطة، ما أدى إلى تزخيم وتعميق الانقسامات الموروثة منذ ما قبل تأسيس لبنان، والمساهمة في إبقاء أبواب الارتهان للخارج مشرعة على مصراعيها، على النحو الذي يمنع إمكان قيام حد أدنى من التوازن الداخلي حتى بين أحزاب الطوائف.
وفي مقابل هذا التجاهل، يعود التقرير مجدداً إلى رفع شعار “الدولة العلمانية الديمقراطية المقاومة”، بوصفه المخرج التاريخي للأزمة اللبنانية. لكن المفارقة أن هذا الشعار نفسه يبقى معلّقاً في الفراغ، لأن القوى والتحالفات التي يدافع عنها التقرير عملياً تتناقض بالكامل مع أي مشروع فعلي لبناء دولة مدنية حديثة. فكيف يمكن الحديث عن دولة علمانية فيما يجري التكيف مع هيمنة السلاح الطائفي والمشاريع المذهبية والمحاور الإقليمية؟ وكيف يمكن بناء دولة حديثة في ظل اقتصاد الحرب والانهيار والتبعية المتبادلة بين الداخل اللبناني وصراعات المنطقة؟
إن أزمة هذا الخطاب لا تكمن فقط في تناقضاته الفكرية، بل أيضاً في عجزه عن استخلاص الدروس من التجربة اللبنانية نفسها. فمنذ عقود، جرى تأجيل بناء الدولة بحجة الصراع مع إسرائيل، وتم تبرير فائض السلاح والانقسامات والمحاور تحت عنوان “الأولوية الوطنية”. لكن النتيجة التي وصل إليها لبنان اليوم ليست دولة أقوى ولا مجتمعاً موحداً أو أكثر تماسكاً، بل انهياراً شاملاً أصاب الاقتصاد والمؤسسات والطبقة الوسطى والعيش المشترك نفسه.
ولعل أكثر ما يكشف أزمة هذا التقرير هو ميله الدائم إلى تفسير كل شيء انطلاقاً من العامل الخارجي: الإمبريالية، المشروع الصهيوني، الهيمنة الأميركية، المؤامرات الدولية. صحيح أن هذه العوامل حاضرة بقوة في المنطقة، لكن تحويلها إلى تفسير شامل لكل الأزمات يؤدي عملياً إلى إعفاء القوى المحلية، بما فيها قوى “الممانعة”، و”الأنظمة التقدمية” الاستبدادية، من مسؤولياتها التاريخية عن الانهيار الذي أصاب المجتمعات العربية.
لقد فقد قسم واسع من اليسار العربي صدقيته لأنه عجز عن إنتاج نقد متوازن لكل أشكال الهيمنة والاستبداد معاً، الخارجية منها والداخلية. فبدل أن يكون حاملاً لمشروع ديمقراطي مستقل، تحوّل في كثير من الأحيان إلى ملحق سياسي أو فكري بمحاور إقليمية لا تمت بصلة فعلية إلى قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي نشأ اليسار أصلاً للدفاع عنها.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي الذي يطرحه هذا التقرير يتجاوز الحزب الشيوعي اللبناني نفسه، ليطال أزمة اليسار اللبناني والعربي عموماً. فالسؤال لم يعد فقط كيف نواجه المشروع الإسرائيلي أو الهيمنة الأميركية، بل أيضاً كيف نبني دولة فعلية، ومجتمعاً حراً، وحياة سياسية ديمقراطية، خارج منطق المحاور والسلاح والطوائف والاستقواء بالخارج.
إن المهمة التاريخية لأي يسار ديمقراطي حديث لا يمكن أن تكون إعادة تدوير سرديات الحرب الباردة، ولا التكيّف مع وقائع المحاور الإقليمية، بل إعادة بناء مشروع وطني مستقل يربط بين مقاومة الاحتلال وبناء الدولة، وبين العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وبين الاستقلال الوطني ورفض كل أشكال الوصاية، سواء كانت أميركية أم إيرانية أم غيرها.
فلبنان لا يمكن إنقاذه بالانتقال من وصاية إلى أخرى، ولا بالارتهان لمحور ضد محور، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية الديمقراطية الجامعة، باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع، وصون السيادة، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة دائمة للحروب المفتوحة والصراعات الإقليمية.
* تقرير المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني صدر ونشر بتاريخ 6 ايار 2026
