الدكتور سعيد عيسى*
في الأزمنة العادية، يُفترض بالخطاب الأخلاقي أن يكون البوصلة التي تهدي المجتمعات في لحظات التوتر، وأن يشكل الحد الأدنى من التوافق حول ما يجوز وما لا يجوز. لكن في لبنان اليوم، لا يبدو أن هذه البوصلة تعمل كما ينبغي، إن لم تكن قد تعطلت بالكامل. فبعد سنوات من الانهيار المالي، وتفكك المؤسسات، وتآكل الثقة العامة، ثم الحرب الأخيرة التي اندلعت منذ الثاني من مارس 2026 وما رافقها من عنف وخطاب تعبوي، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل لا يزال هناك مكان أصلاً للخطاب الأخلاقي في لبنان، أم أننا دخلنا مرحلة ما بعد الأخلاق في السياسة والمجتمع؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من تفكيك معنى “الخطاب الأخلاقي” في السياق اللبناني. تاريخياً، لم يكن هذا الخطاب منفصلاً عن الانقسامات الطائفية والسياسية، بل غالباً ما كان يُستخدم كأداة ضمن الصراع نفسه. كل طرف كان يدّعي امتلاك الحقيقة الأخلاقية، ويصوّر خصومه كخارجين عن القيم أو حتى كخطر وجودي. بهذا المعنى، لم يكن الخطاب الأخلاقي جامعاً بقدر ما كان تعبوياً وانتقائياً، يُستخدم لتبرير المواقف لا لمراجعتها.
غير أن ما نشهده اليوم يتجاوز هذا الاستخدام التقليدي. نحن أمام انزلاق أعمق، حيث لم يعد الخطاب الأخلاقي مجرد أداة مشوّهة، بل أصبح في كثير من الأحيان غائباً أو فاقداً لأي صدقية. فحين تنهار العملة، وتتبخر مدخرات الناس، ويُترك المواطن لمصيره في مواجهة الفقر والبطالة، دون أي مساءلة فعلية أو محاسبة، يصبح من الصعب إقناع الناس بأن هناك منظومة قيم ما تزال تحكم الحياة العامة.
لقد أدت الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة إلى إعادة تشكيل أولويات الأفراد والجماعات. في ظل صراع يومي على البقاء، تتراجع القيم المجردة أمام الضرورات المعيشية. يصبح السؤال ليس “ما هو الصواب؟” بل “كيف أستمر؟”. في مثل هذا السياق، قد يُنظر إلى الالتزام الأخلاقي كترف لا يملكه الجميع، بل وربما كعبء. وهذا لا يعني أن المجتمع فقد أخلاقه بالمعنى الفردي، بل إن الإطار العام الذي يُفترض أن يحمي هذه الأخلاق ويكافئها قد انهار.
ثم جاءت الحرب الأخيرة لتعمّق هذا التآكل. ففي أوقات النزاع، تميل المجتمعات إلى تبسيط الواقع إلى ثنائيات حادة: نحن وهم، الخير والشر، الوطنية والخيانة. هذا التبسيط، وإن كان مفهوماً من حيث كونه آلية دفاع نفسي، إلا أنه يفتح الباب أمام تبرير سلوكيات كانت تُعد سابقاً مرفوضة أخلاقياً. خطاب الكراهية، التخوين، التحريض، وحتى الدعوات الضمنية أو الصريحة للعنف، باتت أكثر حضوراً في الفضاء العام، وغالباً دون محاسبة تُذكر.
وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في هذا التحول. فبدلاً من أن تكون فضاءً للنقاش الرصين، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات لتبادل الاتهامات وتضخيم الانقسامات. الخوارزميات التي تكافئ المحتوى المثير للجدل والعاطفي ساهمت في رفع منسوب الخطاب المتطرف، على حساب الأصوات المعتدلة التي تحاول الحفاظ على حد أدنى من التوازن الأخلاقي. وهكذا، يصبح الصوت الأكثر حدة هو الأكثر انتشاراً، لا الأكثر صحة أو مسؤولية.
لكن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في تراجع الخطاب الأخلاقي، بل في فقدان الثقة بمن ينتجه. في لبنان، هناك فجوة هائلة بين القول والفعل، بين الخطاب والممارسة. سياسيون يتحدثون عن النزاهة وهم متهمون بالفساد، وقادة يرفعون شعارات التضحية فيما يتحمل المواطنون وحدهم كلفة الانهيار. هذه الازدواجية المستمرة أدت إلى ما يمكن تسميته “إرهاقاً أخلاقياً” لدى الجمهور، حيث لم يعد الناس يصدقون الخطابات، مهما كانت صياغتها جميلة.
في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل المشكلة في غياب الخطاب الأخلاقي، أم في غياب البيئة التي تمنحه معنى؟ فالأخلاق، في النهاية، لا تعيش في الفراغ. هي تحتاج إلى مؤسسات تطبق القانون بعدالة، وإلى نظام سياسي يسمح بالمحاسبة، وإلى ثقافة عامة تكافئ السلوك القويم. عندما تغيب هذه العناصر، يتحول الخطاب الأخلاقي إلى مجرد كلمات، بلا أثر فعلي.
ومع ذلك، القول بأن لبنان دخل مرحلة “ما بعد الأخلاق” قد يكون استنتاجاً متسرعاً أو حتى خطيراً. فالتاريخ يُظهر أن المجتمعات، حتى في أحلك الظروف، تحتفظ ببذور أخلاقية كامنة. في لبنان نفسه، رغم كل شيء، ما تزال هناك مبادرات فردية وجماعية تعكس التزاماً عميقاً بالقيم الإنسانية، شبكات تضامن محلية، مبادرات إغاثية، جهود شبابية لمساعدة المتضررين من الحرب والأزمة. هذه الممارسات، وإن كانت محدودة مقارنة بحجم الكارثة، تشير إلى أن الأخلاق لم تختفِ، بل تراجعت من المجال العام إلى مساحات أكثر ضيقاً وأقل ضجيجاً.
التحدي الحقيقي، إذاً، ليس في “إعادة اختراع” الأخلاق، بل في إعادة ربطها بالسياسة والمجال العام بطريقة ذات صدقية. وهذا يتطلب أولاً الاعتراف بحجم الانهيار، لا التخفيف من حدته. كما يتطلب ثانياً بناء حد أدنى من المساءلة، بحيث لا يبقى الخطاب الأخلاقي بلا تكلفة لمن ينتهكه. من دون ذلك، سيظل هذا الخطاب مجرد غطاء، يُستخدم عند الحاجة ويُهمل عند التعارض مع المصالح.
إضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى إعادة تعريف الخطاب الأخلاقي نفسه، بعيداً عن الصيغ الطائفية أو الإيديولوجية الضيقة. لبنان، بتعدديته، لا يمكن أن يستند إلى منظومة قيم أحادية يفرضها طرف على آخر. المطلوب هو البحث عن قواسم مشتركة، بسيطة ولكن أساسية، كرامة الإنسان، رفض العنف غير المبرر، أولوية العدالة، وحق المواطنين في حياة كريمة. هذه ليست شعارات مثالية، بل شروط دنيا لأي عقد اجتماعي قابل للحياة.
كما أن دور النخب الثقافية والإعلامية يظل حاسماً في هذا السياق. فبدلاً من الانخراط في الاستقطاب أو تبريره، يمكن لهذه النخب أن تساهم في خفض منسوب التوتر، وفتح مساحات للنقاش العقلاني، وإعادة الاعتبار للمفاهيم الأخلاقية كأدوات نقد ومساءلة، لا كوسائل دعاية. هذا الدور قد لا يكون سريع الأثر، لكنه ضروري على المدى الطويل.
في المحصلة، قد يبدو أن لبنان اليوم يفتقر إلى خطاب أخلاقي جامع وفعّال، لكن ذلك لا يعني استحالته. ما نشهده هو أزمة عميقة في الثقة والمعنى، أكثر منه غياباً تاماً للقيم. الأخلاق لم تختفِ، لكنها فقدت قدرتها على التنظيم والتأثير في المجال العام.
السؤال، إذاً، ليس فقط “هل من مجال للخطاب الأخلاقي بعد اليوم؟”، بل “أي خطاب أخلاقي نريد، ومن يملكه، وكيف يمكن أن يصبح ذا صدقية؟”. الإجابة عن هذه الأسئلة لن تأتي من النصوص أو الشعارات، بل من الممارسة اليومية، ومن القدرة على تحويل القيم إلى سياسات، والكلام إلى أفعال.
حتى ذلك الحين، سيبقى الخطاب الأخلاقي في لبنان معلقاً بين ما يُقال وما يُعاش، بين ما يُرفع كشعار وما يُمارس كواقع. وفي هذه المسافة، تتحدد ليس فقط مصداقية الخطاب، بل مستقبل البلد نفسه.
* دكتوراة في الأنثروبولوجيا الاقتصادية، كاتب وباحث في الجيوبوليتيك
* نشرت بتاريخ 4 نيسان 2026 على موقع : المنصة
