سياسة صحف وآراء

 سحب الاحتلال مقابل سحب السلاح 

  محسن زين الدين              

بيروت 15 آب 2025 ـ بيروت الحرية

ان قرار الحكومة بحصرية السلاح للدولة اللبنانية، بمعنى  نزع سلاح حزب الله انما شكل نقلة نوعية في اتخاذ قرارت مصيرية  إذ شكل القرار شبه إنذار له بأن العد العكسي لتسليم سلاحه للدولة قد بدأ، وإنه قد أعطي مهلة حتى آخر السنة، بعد ان يقدم الجيش اللبناني وجهة نظره ورؤيته حول كيفية تنفيذ قرار الحكومة، ان بالتراضي والتعاون مع الحزب ان امكن او بالمصادرة وذلك حسب ما يراه الجيش ممكناً، وفي الحالتين يتوقف التنفيذ، الذي يبدو لا بد منه، على ما يمكن ان يكون عليه موقف حزب الله من ذلك، بناءاً على قراءة جديدة للواقع والوقائع وما آلت اليه موازين القوى على أرض الواقع،  دون مبالغة الحزب  في مخزون القوة التي نعلم انها لم تعد كما كانت في بداية الأحداث، أي منذ فتحه جبهة إسناد غزة منفردا بقرار كانت له نتائج مدمرة على البلد وعلى الحزب نفسه، وهو ما يجب أن يتداركه حرب الله بدون مكابره او محاولة انتحار، كي يتجنب حرارة القتال مع عدو يمتلك ما يمتلك من وسائل دمار ، لا تثنيه خطوط حمر، وما يقوم به من إبادة جماعية لأهالي غزة خير دليل على ذلك، ويبدو واضحاً الاختلال في مستوى القوى عدة وعددا، و ليجنب لبنان عامة و بيئته خاصة خسائر مضافة في الأرواح والممتلكات،  هذا من ناحية،  ومن الناحية الثانية ان يجنب البلاد توترا داخليا، تبدو ان حرارته ترتفع تدريجياً ، مما قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه .

قدمت الولايات المتحدة الأمريكية ما يسمى الورقة الاميركية ، بواسطة توم براك، والتي اعتمدتها الحكومة لنقاشها والبحث فيها، لسببين الأول ان المأزق الذي يحاصر  البلاد من كل جوانبه السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية حتى ليطال كل مناحي الحياة للشعب اللبناني، لا سبيل إلى الخروج منه إلا بمساعدة خارجية تعتمد اساساً واولاً على الولايات المتحدة الأمريكية،  والسبب الثاني ليس هناك من دولة ناشطة  لتسوية الأوضاع المتوترة في العالم سوى نفسها الولايات المتحدة الأمريكية، ولقناعة الحكومة بذلك، سارعت  وواكبت خطوات الولايات المتحدة الأمريكية وادرجت ورقتها على جدول اعمالها واقرتها اقتناعاً منها انها السبيل الوحيد ! للخروج من مأزق لا فكاك منه إلا بواسطة ما قدمته هذه الورقة من خطوات وخطىً ، تمني نفس الحكومة بانها السبيل المنقذ من  همجية واعتداءات وخروقات العدو الاسرائيلي ذي المطامع الدائمة والذي لم يلتزم باتفاق وقف إطلاق النار وبنوده، وبالتالي فإن الحكومة تعتقد أن الورقة الأميركية، هي الملاذ والمخرج والوسيلة ، لاعادة العدو الاسرائيلي إلى جادة التسوية والالتزام بوقف العمليات العدائية والعسكرية كافة على الأراضي اللبنانية ، ثم البحث في الانسحاب من الأراضي المحتلة ” النقاط الخمس ” كل هذا دون وجود ضمانة مكتوبة  للدولة اللبنانية لا في الورقة ولا في الكلام عبر محادثات توم براك .

ان الورقة الأميركية، قالت بالتحديد  ما يجب على حكومة الدولة اللبنانية القيام به من خطوات عملية وسريعة، تحت ترياق الوعود في الخروج من مآزقنا جميعآ.

اكثرية اللبنانيين كانت تأمل ان تكون الورقة، ورقة لبنانية يتوافق عليها اللبنانيون بمجمل أطيافهم السياسية دون لجوء البعض إلى الخارج للاستقواء بقوته على بعضهم او ان  يفرض البعض الاخر الحلول على بعضهم ايضاً، مما يجعل اي حل في هذا الاتجاه او ذاك مبني على زغل يحمل في طياته  إمكانية التوتر بين اللبنانيين مجددا. ولأنها ورقة اميركية نستطيع القول انها ليست ضد اسرائيل لانها لا تساوي بين خطوات الاطراف، اي بين خطوات لبنان في بسط سلطته على كامل اراضيه، وبين انسحاب العدو من الاراضي اللبنانية، بمعنى سحب السلاح من الجهات غير الحكومية وخاصة حزب الله لا يقابله مباشرة انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس او على الاقل ان يكون هناك خطوة مقابل خطوة، اي سحب من هنا وانسحاب من هناك،  وهذا ما لا تأتي على ذكره الورقة، او نستطيع القول انها ملتبسة لهذه الناحية .

ان الولايات المتحدة ارادت من ورقتها هذه ان تكون بديلاً عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي عقد مع العدو الاسرائيلي،  ولم يلتزم به، بينما التزم لبنان ومن في لبنان اي حزب الله  بالاتفاق، ويقوم الجيش اللبناني بجهد كبير في تنفيذ بنوده الاتفاق  ومراقبة الحدود منعاً لاي خرق من الناحية اللبنانية .

اذن نستطيع القول  ان اتفاق وقف إطلاق النار قد استبدل بالورقة الاميركية، وعلى كل كذاك يمكن القول انه قد ولد ميتا، لاطلاق العدو رصاص الرحمة يوميا عليه، وتم وحلت محله الورقة الأمريكية، التي يمكن  وصفها بورقة الابتزاز والاذعان،  كما وصف اتفاق وقف النار بالاتفاق المذل آنذاك.

اول الملاحظات ان بند انسحاب العدو الاسرائيلي، أتي خامسا في الورقة،  ما يعني عدم إعطائه الاولوية،  والا لكان اندرج مباشرة قبل او بعد إنهاء الوجود المسلح لجميع الجهات غير الحكومية و حزب الله هو المعني المباشر في ذلك،  لكن واضع الورقة تقصد ان ينتهِ الطرف اللبناني من إنهاء ما عليه من خطوات وعلى رأسها خطوة حصر السلاح بالدولة اللبنانية ، ثم يأتي البحث في انسحاب العدو الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية،  اي انه كما قلنا لا تزامن في الورقة بين خطوات لبنان وانسحاب العدو الاسرائيلي. هذه مسألة  تحمل على  متنها إمكانية مماطلة العدو الاسرائيلي في تنفيذ ما يتوجب عليه من انسحاب، تحت مجموعة من الحجج والذرائع، من مثل التأكد، والمراقبة، وما شابه،  وعلى اي حال فان الورقة لا تتضمن ذكر اية ضمانة لانسحابه بعد ان تقوم الدولة بكل خطواتها وإجراءاتها،  وهنا يتبادر السؤال اذا توجه  جيشنا للانتشار  على ارضنا هل ينسحب العدو منها تسهيلا لمهمة جيشنا في بسط سلطته على كامل ارضنا ومن ضمنها النقاط الخمس المحتلة ؟ ان عدم ضمان انسحاب العدو،  يمكن أن يثير بعض المتاعب لجيشنا في أولى خطواته، إذ لا يمكن أن تأمن لعدو خرق وقف إطلاق النار واستباح ويستبيح ارضنا يوميا.

في بندها الاول تؤكد الورقة، على تنفيذ وثيقة اتفاق الطائف،  لجهة بسط سيادة الدولة على كامل الاراضي اللبنانية،  لكن الورقة لم تذكر كيف يمكن للدولة ذلك في ظل الاحتلال الاسرائيلي للنقاط الخمس، واين ضمانة الانسحاب منها لاستكمال بسط سلطة الدولة على كل اراضينا؟

اما في بندها الثاني تتحدث عن ديمومة وقف الأعمال العدوانية، اي عدم القيام بأي عمل عسكري من لبنان تجاه اسرائيل، وهذا ما ضمنه لبنان وضمنا حزب الله منذ وقف إطلاق النار حتى الآن، اذ لم يخرق لبنان والمعنيين فيه الاتفاق،  بينما استمرت اسرائيل بخرقها له يوميا،  بحيث لم تتوقف عن استمرار الاعتداءات على لبنان طولا و عرضا، حتى في ظل مناقشة الحكومة للورقة، استمرت وتمادت  باعتدائها  على لبنان وخرقها لوقف اطلاق النار ،

اما البند الثالث،  وفيه يطلب إنهاء الوجود المسلح شمال وجنوب الليطاني،  مما يعني ان الورقة أضافت إنهاء الوجود المسلح شمال الليطاني،  وهو ما لم يكن مشمولا في اتفاق وقف إطلاق النار سابقا، كذلك يشمل الوجود البشري المسلح وليس فقط سحب السلاح،  هذا يعني تفكيك البنية البشرية لحزب الله ومؤيديه، مما يمكن أن يسمح لإسرائيل بعدم الانسحاب والمماطلة، تحت حجة ان البنية البشرية لحزب الله لا زالت قائمة وتشكل خطرا عليها.

اما البند الرابع المتعلق بنشر الجيش اللبناني في المناطق الحدودية والداخلية الأساسية،  لننتبه إلى الداخلية الأساسية، هل تحددها الدولة ام ورقة اميركية ملحقة بورقة توم براك، هل هذا يعني ان يكون جيشنا حرس حدود من ناحية وقوة أمنية داخلية من ناحية ثانية، ان ذلك يضع جيشنا في موقف لا يحسد عليه في مهمته الوطنية .

اما البند الخامس فيتحدث عن انسحاب اسرائيل من النقاط الخمس وتسوية قضايا الحدود والأسرى بالوسائل الدبلوماسية من خلال مفاوضات غير مباشرة،  ان هذا يعني ان لبنان حين يقر هذه الورقة الأميركية،  فانها تصبح وثيقة ملزمة له،  وبالتالي عليه في كل الأحوال المستجدة ان يعتمد الدبلوماسية والمفاوضات غير المباشرة في كل الظروف، وتسوية كل الأعمال العدائية التي تقوم بها اسرائيل، عبر المفاوضات غير المباشرة، هل يعني هذا ان ان  لبنان  لا يستطيع التقدم بشكوى امام مجلس الامن  عند اي اعتداء عليه  ونحن نعلم جيداً ان لبنان يلتزم بما يوقع عليه، وخير دليل على ذلك التزام لبنان باتفاق وقف إطلاق النار منذ لحظة توقيعه، بينما لم تلتزم اسرائيل به اطلاقاً. اما باقي البنود المتعلقة، بعودة المدنيين إلى منازلهم وممتلكاتهم. كيف يمكن ذلك دون الحديث عن الاعمار والتعويضات. ثم الحديث عن فرض ترسيم دائم للحدود  ومرئي مع إسرائيل هذا يعني واقعا إنهاء العداء باتجاه الضغط للسير نحو التطبيع،  وهي قضية مثار جدل داخلي، لا بد من الحذر والانتباه لها

اما حشر بند خاص بترسيم الحدود بشكل واضح ودائم امع سوريا قد تكون محاولة  واضحة لانهاء قضيتي حدود مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المتنازع عليهما مع إسرائيل،  وقد يكون باتجاه عدم الإقرار بلبنانيتها.

تنتهي الورقة بالحديث عن مؤتمر تشارك فيه الولايات المتحدة الأمريكية و آخرون لدعم إعادة اعمار الاقتصاد، لا ذكر لاعادة اعمار ما تهدم انما ربطه باعادة اعمار الاقتصاد و “وتنفيذ رؤية ترامب للبنان؟” اما الدعم الدولي الإضافي للأجهزة الامنيه وخاصة الجيش عبر تزويدها بالوسائل العسكرية الملائمة “من يقرر ملاءمتها” ؟ لتنفيذ بنود الورقة وحماية لبنان؟

ننتهي للقول، لدينا ورقة اميركية انهت اتفاق وقف إطلاق النار، لا ندري اذا قُدمت ورقة مماثلة لإسرائيل يكون الحد الأدنى فيها ان تتعهد بعدم الاعتداء على لبنان والانسحاب من أراضيه،  مقابل تعهدات لبنان بما جاء في الورقة الأميركية.

سحب الاحتلال مقابل سحب السلاح

هو ما يجب أن ترفعه بقوة الدولة اللبنانية في وجه العدو الاسرائيلي، كي تضمن تحرير اراضينا وعودة اهالينا، ولنكن جميعا وراء الدولة في ذلك .