صحف وآراء مجتمع

بلدية بيروت… إلى أين؟

* جمال حلواني

بيروت 6 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

لماذا الحديث اليوم عن بلدية بيروت؟

مرّ أكثر من عام على انتخاب المجلس البلدي الجديد في العاصمة بيروت، إثر فوز اللائحة المدعومة من أحزاب السلطة، والتي تشكّلت من تحالف انتخابي هجين من أهل السلطة جمع قوى متناقضة سياسياً وفكريا وتنظيميا. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي جمع هذه القوى، رغم خلافاتها العميقة، سوى الرغبة في الإمساك بقرار العاصمة البلدي، بعدما برزت خلال الانتخابات معارضة جدية، كانت قادرة على كسر احتكار القرار البلدي وإخراجه من دائرة المحاصصة السياسية والطائفية؟

ومنذ تسلّم المجلس البلدي مهامه، تتزايد المؤشرات على أن العاصمة تدار من دون رؤية استراتيجية واضحة، أو قدرة تنفيذية فاعلة، في ظل أزمات متراكمة تطال الخدمات والإدارة والمالية العامة، وتنعكس مباشرة على حياة سكان بيروت.

ولم يعد الحديث عن ترهل المجلس البلدي مجرد توصيف إعلامي أو سياسي، بل أصبح واقعا يلمسه المواطن يومياً. ويكفي التذكير بالحادثة المؤسفة التي شهدها أحد اجتماعات المجلس، عندما وصل الخلاف إلى حد سحب السلاح، في مشهد غير مسبوق داخل السلطة المحلية للعاصمة، بما يعكس مستوى الاستهتار بموقع البلدية وهيبتها.

ويواجه المجلس انتقادات واسعة بسبب غياب خطة عمل معلنة تحدد أولويات العاصمة وأهلها. فمنذ أشهر تطالب جمعيات مدنية وخبراء بإقرار برنامج واضح لمعالجة ملفات: السير، النفايات، الأرصفة، الحفريات، الإنارة، المولدات، الحدائق العامة، التلوث والسلامة المرورية، إلا أن ما يظهر على الأرض لا يتعدى إجراءات متفرقة تفتقر إلى رؤية متكاملة.

كما تبرز تساؤلات جدية حول الإدارة المالية للبلدية، التي تعد من أغنى بلديات لبنان، وما إذا كانت مواردها تدار وفق معايير الشفافية والحوكمة، أم أنها لا تزال خاضعة لسياسات المحاصصة والزبائنية التي استنزفت المال العام على مدى سنوات.

لقد منحنا المجلس البلدي أكثر من فرصة، وأقمنا في “المنبر البلدي لمدينة بيروت” ندوتين حواريتين؛ استضفنا في الأولى عضو المجلس البلدي العميد محمود الجمل، وفي الثانية رئيس البلدية المهندس إبراهيم زيدان، وسجلنا ملاحظاتنا على الأداء الضعيف، مع منح المجلس فترة زمنية لإثبات قدرته على الإنجاز. إلا أن الواقع اليوم يؤكد أن أوضاع بلدية بيروت تتراجع أكثر فأكثر.

فالمدينة تعاني من تدهور البنية التحتية، وحرج بيروت يواجه الإهمال، وفي العديد من أحيائها تنتشرالجرذان والحشرات،  وشوراعها تبحث عمن يعيد تأهيلها ويحرر أرصفتها المستباحة.   أما موظفو البلدية فحقوقهم مهددة، والاستشفاء والطبابة يشهدان أزمة حادة، وفوج إطفاء بيروت يعاني نقصاً في الإمكانات، فيما تغيب دفاتر الشروط الحديثة، وتغيب معها الإرادة الحقيقية لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية.

لقد سبق للمنبر البلدي أن طرح سلسلة من الأسئلة التي لا تزال من دون أجوبة، أبرزها:

لماذا لا تنشر البلدية تفاصيل المشاريع الكبرى ودفاتر الشروط والعقود العائدة إلى المجالس السابقة، ولا سيما ملفات النفايات وسوق الخضار في المفرق المقفل منذ سنوات؟

ما طبيعة العلاقة المالية بين بلدية بيروت وشركة سوليدير في ما يتعلق بمنطقة البيال والواجهة البحرية؟ وأين تذهب الإيرادات المتأتية من هذه الأملاك العامة؟

ما مصير أملاك وعقارات البلدية؟ وهل هناك مسح شامل لها؟ ومن هم المستفيدون من إشغال العقارات أو الفضلات أو الجزر العقارية من دون مقابل عادل؟

أين أصبح مشروع إعادة تأهيل محطة شارل حلو وتحويلها إلى مرآب حديث للسيارات يؤمن مورداً مالياً ثابتاً للبلدية؟

ما واقع فوج إطفاء بيروت؟ وهل هناك توجه فعلي لإضعافه، أو دمجه بما يؤدي إلى إلغاء خصوصيته ودوره التاريخي؟

لماذا لا تنشر البلدية تفاصيل المناقصات والعقود ونتائج التلزيمات بصورة دورية أمام الرأي العام؟

ما مصير مواقف السيارات التابعة للبلدية؟ وهل تدخل إيراداتها بالكامل إلى خزينة البلدية أم تستفيد منها جهات نافذة؟

وتزداد علامات الاستفهام مع الحديث عن تحقيقات تجريها الأجهزة الرقابية مع عدد من موظفي البلدية بشبهات فساد وتضخم غير مبرر في الثروات، الأمر الذي يستدعي كشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام، وتطبيق مبدأ المحاسبة بعيداً عن أي حماية سياسية.

إن الأزمة التي تعيشها بلدية بيروت ليست أزمة أفراد فحسب، بل أزمة إدارة وحوكمة وقرار سياسي. والانقسامات داخل المجلس البلدي، والخضوع للاعتبارات الحزبية والطائفية، يجعلان أي مشروع إصلاحي حقيقي أمراً بالغ الصعوبة.

أما الدعوات إلى استقالة المجلس البلدي، فهي تبقى خياراً سياسياً قابلا للنقاش، لكنها ليست الحل الوحيد. فالأولوية يجب أن تكون لتفعيل دور الهيئات الرقابية، وإلزام البلدية بأعلى معايير الشفافية، وإطلاق خطة إنقاذ شاملة تتضمن جدولاً زمنياً واضحاً، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ونشراً دورياً لكل العقود والإنفاق والإيرادات.

كما أن مسؤولية إنقاذ العاصمة لا تقع على عاتق المجلس البلدي وحده، بل تمتد إلى نواب بيروت، الذين منحهم المواطن ثقته للدفاع عن مصالحه وحقوقه.

ومن هنا، فإن المطلوب منهم المبادرة إلى إطلاق ورشة تشريعية ورقابية تضع خطة إنقاذ للعاصمة، بعيداً عن الحسابات السياسية والطائفية، وأن يمارسوا دورهم في مساءلة المجلس البلدي ومتابعة أدائه.

واليوم يحق للمواطن البيروتي أن يسأل نوابه: أين أنتم  وماذا فعلتم من أجل بلدية بيروت؟ وماذا قدمتم لإنقاذ العاصمة التي تتراجع خدماتها يوما بعد يوم؟

إن معالجة أزمة بلدية بيروت أصبحت ضرورة وطنية ملحّة، لأن استمرار التدهور يعني مزيداً من الانهيار في الخدمات، وتراجعاً لدور السلطة المحلية، وفقدان ثقة المواطنين بالمؤسسات.

بيروت تستحق إدارة حديثة، شفافة، وكفوءة، بعيداً عن المحاصصة، لتستعيد دورها كعاصمة للبنان، ومدينة للحياة والتنمية، لا ساحة للصراعات وتقاسم النفوذ.

 * أمين سر المنبر البلدي لمدينة بيروت