سياسة مجتمع

عندما يتحول الموقف من اتفاق الاطار إلى دفاع عن الأمر الواقع

 زكـي طـه

بيروت 5 تموز 2026 ـ بيروت الحرية

لم يعد السجال السياسي الدائر في لبنان، في خضم الحرب المفتوحة التي تشهدها المنطقة وما رافقها من مفاوضات واتفاقات برعاية أميركية، مجرد اختلاف في تقدير الوقائع أو في تحديد الأولويات الوطنية، بل بات يعكس انقساماً أعمق حول طبيعة الأزمة اللبنانية نفسها، وأسبابها، وسبل الخروج منها. ففي مقابل احتدام المواجهة بين مشاريع إقليمية ودولية تتخذ من لبنان إحدى ساحاتها الأكثر هشاشة، يتراجع النقاش حول بناء مشروع وطني مستقل، ليحل محله اصطفاف متزايد بين محاور  طائفية متقابلة، لكل منها رهاناته الخارجية وحساباته الخاصة.

ولم يقتصر هذا الاستقطاب على قوى السلطة التقليدية التي توزعت، منذ عقود، بين أشكال متعددة من الارتهان للخارج، بل امتد أيضاً إلى جزء واسع من قوى المعارضة، بما فيها التي ترفع شعارات الديمقراطية والعلمانية والتغيير. فبدل أن تؤسس هذه القوى لمسار سياسي مستقل يعيد الاعتبار إلى المصلحة الوطنية بوصفها المرجعية العليا، انتهى معظمها إلى التموضع، بدرجات متفاوتة، على إحدى ضفتي الانقسام: مع الاتفاق أو ضده، مع الراعي الأميركي المنحاز لاسرائيل أو ضده، مع المقاومة بصيغتها الطائفية ـ الفئوية أو ضدها. لأن الانتماء إلى أحد المحورين شرط  غير معلن للتموضع السياسي، في ظل غياب المشروع الوطني القادر على مساءلة الطرفين معاً.

في هذا السياق،  أكدت السجالات الداخلية حول اتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي، أن أزمة الحياة السياسية اللبنانية لا تكمن فقط في الخيارات التي تعتمدها السلطة، بل أيضاً في عجز أكثرية قوى المعارضة التاريخية عن التحرر من المنظومة الفكرية والسياسية التي حكمت قراءتها للأحداث طوال العقود الماضية. فما تتضمنه البيانات الصادرة عنها لا تكتفي بتأييد أو رفض الاتفاق، وهو حق سياسي مشروع متى انطلق من موقع الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية حقوق لبنان.  لكنها تقدّم تاييدها أو رفضها بوصفه التعبير الوحيد عن الوطنية، متجاوزة الأسئلة التي أوصلت لبنان أصلًا إلى لحظة التفاوض، ومتجاهلةً مسؤولية الخيارات التي ساهمت، على مدى سنوات طويلة، في إضعاف الدولة، وتعميق الانقسام الداخلي، وتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لصراعات المحاور.

إن المشكلة، والحال هذه، ليست في تأييد أو رفض الاتفاق بحد ذاته، وإنما في المنطلقات التي بررت  ذلك. فالموقف السياسي لا يُقاس فقط بما  يؤيده أو يرفضه، بل أيضاً بما يعترف به من وقائع، وما يقدمه من بدائل. أما حين يُختزل المشهد في تأييد أو إدانة الاتفاق وحده، وتجاهل المسار الذي قاد إليه، يفقد الموقف الكثير من قيمته السياسية، ويتحول إلى دفاع عن الأمر الواقع الذي أنتجه.

والثابت أن الاتفاق كان نتيجة الاختلال العميق في موازين القوى، والانهيار المتواصل في قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بقرارها الوطني، وتراجع موقعها التفاوضي بفعل الانقسامات الداخلية، واستمرار ربط لبنان بصراعات إقليمية تتجاوز مصالحه الوطنية. وهذه كلها ليست مسؤولية الحكومة الحالية  التي تجمع طرفي السلطة، ولا نتيجة ضغوط أميركية أو إسرائيلية فحسب، بل هي أيضاً حصيلة خيارات سياسية تراكمت على مدى سنوات طويلة، وشاركت فيها، بدرجات متفاوتة، مختلف القوى التي جعلت من لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو تعاملت مع الدولة بوصفها تفصيلاً يمكن تجاوزه باسم قضايا أكبر منها.

ومن هنا، فإن أي قراءة نقدية لاتفاق الإطار لا تستقيم إذا توقفت عند نصوصه أو عند الجهات التي رعته، من دون أن تفتح نقاشاً صريحاً حول الأسباب التي جعلت لبنان يدخل المفاوضات من موقع الضعف، وحول مسؤولية مختلف القوى السياسية، بما فيها تلك التي ترفع لواء المقاومة، عن الوصول إلى هذا المأزق الوطني. أما الاكتفاء بإدانة الاتفاق، من دون مساءلة البيئة السياسية التي أفضت إليه، فإنه لا يؤدي إلى إنتاج بديل وطني، بل يعيد تدوير الانقسام القائم، ويضع الرافضين للاتفاق، موضوعياً، كما المؤيدين له، في موقع الدفاع عن المعادلات التي أوصلت البلاد إلى هذه اللحظة.

ومن هذه الزاوية تحديدا،  فإن ما تحمله البيانات يتجاوز الموقف من اتفاق سياسي؛ لإنه يعكس أزمة منهج في قراءة الواقع اللبناني. فبدل أن يشكل مناسبة لمراجعة نقدية شاملة لتجربة العقود الماضية، بما فيها تجربة المقاومة وعلاقتها بالدولة، وبالمشروع الوطني، وبالصراعات الإقليمية، والرهان على الخارج  والتبعية له، نرى  استحضار اللغة السياسية نفسها التي حكمت المقاربات السابقة،  والتي ترى في  الحدث المستجد أصل الأزمة، وليس أحد تجلياتها ونتائجها.

ولذلك، فإن النقاش الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم لا يدور حول الدفاع عن الاتفاق أو المطالبة بإسقاطه، بل حول سؤال أكثر عمقاً: هل يستطيع لبنان أن يخرج من دوامة الانهيار بالعودة إلى السياسات نفسها التي قادته إليها، أم أن اللحظة الراهنة تستدعي مراجعة وطنية شاملة، تعيد الاعتبار إلى الدولة، وإلى استقلال القرار الوطني، وإلى بناء مشروع سياسي لا يقوم على الانحياز إلى هذا المحور أو ذاك، بل على تحرير لبنان من منطق المحاور ذاته؟

إن المعضلة الحقيقية التي يكشفها السجال الدائر حول اتفاق الإطار لا تكمن في نصوص الاتفاق وحدها، ولا في بيان  هذا الطرف أو ذاك، بل في عجز الحياة السياسية اللبنانية، سلطةً ومعارضة، عن إنتاج مقاربة وطنية مستقلة للأزمة. فالنقاش، منذ سنوات طويلة، لا يدور حول كيفية استعادة الدولة لقرارها وسيادتها ووظيفتها الجامعة، بل حول أي محور خارجي ينبغي للبنان أن يتموضع في كنفه، وأي ميزان قوى إقليمي يمكن الرهان عليه، وأي راعٍ دولي يُعوَّل عليه في ترجيح كفة فريق على آخر.

وهكذا، يتحول الانقسام الداخلي إلى امتداد طبيعي لصراعات الخارج، فيما تتراجع المصلحة الوطنية إلى المرتبة الثانية أو الثالثة، أو تُعاد صياغتها بما يتوافق مع حسابات هذا الحزب أو ذاك المحور. وتصبح الوطنية نفسها موضوع نزاع، لا لأنها فقدت معناها، بل لأن كل طرف يدّعي احتكار تعريفها، ويقيسها بمدى اقتراب الآخرين أو ابتعادهم عن خياراته السياسية والإقليمية.

وفي هذا السياق، لا تشكل البيانات خروجا عن القاعدة المعتمدة، رغم اختلاف اللغة.  سواء تعلق الامر بقبول الوصاية الأميركية أو رفضها،  وبعدم مساءلة العلاقة البنيوية التي نشأت بين جزء من القرار اللبناني مع السياسة الاميركية أو مع المشروع الإيراني. حتى الدفاع عن حق المقاومة القائمة، لا يطرح مراجعة فعلية للتحولات التي طرأت على وظيفتها، وغياب السؤال الذي بات يشغل شريحة واسعة من اللبنانيين: كيف يمكن التوفيق بين استمرار السلاح خارج الدولة وبين قيام دولة قادرة على احتكار القرار الوطني؟

إن تجاهل هذه الأسئلة لا يؤدي إلى حماية المقاومة الموجودة، بل إلى إبقائها أسيرة الانقسام الداخلي، كما لا يؤدي إلى حماية الدولة، بل إلى استمرار عجزها. ذلك أن المقاومة التي لا تجد إطارها الطبيعي داخل مشروع وطني جامع، تتحول، مهما كانت نياتها أو تضحياتها، إلى عنصر إضافي في الصراع الداخلي، كما أن الدولة التي تُترك بلا سيادة فعلية، تصبح عاجزة عن تمثيل جميع مواطنيها أو الدفاع عن مصالحهم.

من هنا، فإن المراجعة المطلوبة اليوم لا ينبغي أن تتوجه إلى الاتفاق وحده، بل إلى مجمل التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية. فليس من الإنصاف تحميل اللحظة الراهنة وحدها مسؤولية ما آلت إليه البلاد، كما ليس من الموضوعية إعفاء القوى التي حكمت المشهد السياسي، أو شاركت في رسم توازناته، من مسؤولية الوصول إلى هذا المأزق. لقد أثبتت التجربة، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الارتهان للخارج، أيًا يكن مصدره، لم ينتج سيادة، وأن فائض القوة في الداخل لم ينتج دولة، وأن إدارة الانقسام الطائفي لم تنتج استقراراً، وأن تأجيل الإصلاح بحجة أولوية الصراع الخارجي لم يؤد إلا إلى إضعاف المجتمع والدولة معاً.

ولذلك، يقف لبنان اليوم أمام استحقاق يتجاوز إسقاط هذا الاتفاق أو تعديله، ويتجاوز أيضاً الدفاع عن هذا المحور أو ذاك. إنه استحقاق إعادة بناء السياسة نفسها على أسس مختلفة، تنطلق من أولوية المصلحة الوطنية، لا من موازين القوى الإقليمية، ومن إعادة الاعتبار إلى الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة لقرار الحرب والسلم، وإلى المجتمع بوصفه مصدر الشرعية، لا مجرد ساحة تتنازعها الولاءات الخارجية.

ولعل المهمة الأكثر إلحاحاً أمام القوى الديمقراطية والتقدمية والوطنية تكمن في التحرر من الثنائية التي استنزفت لبنان طوال العقود الماضية: ثنائية الارتهان للمشروع الأميركي من جهة، والارتهان للمشروع الإيراني من جهة أخرى. فهذه الثنائية، على الرغم من تناقض طرفيها، التقت عملياً في نتيجة واحدة، هي إضعاف الدولة الوطنية وتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية.

إن الخروج من هذا المأزق لا يتحقق بتبديل موقع الاصطفاف، بل بكسر منطق الاصطفاف نفسه. ولا يكون ذلك إلا عبر الشروع في بناء مجال وطني مستقل، أو ما يمكن تسميته الكتلة الوطنية الديمقراطية المستقلة، بوصفها إطاراً سياسياً وفكرياً جديداً، يجمع كل من يؤمن بأن الدفاع عن لبنان يبدأ بالدفاع عن استقلال قراره الوطني، وعن وحدته الداخلية، وعن حق شعبه في مقاومة الاحتلال، وفي الوقت نفسه عن حقه في دولة ديمقراطية مدنية تحتكر وحدها استخدام القوة وتمثيل الإرادة الوطنية.

والمجال الوطني المنشود ليس جبهة ظرفية تتشكل لمواجهة اتفاق أو حكومة أو فريق سياسي، ولا هو اصطفاف جديد داخل الاصطفافات القائمة، بل هو مشروع تاريخي لإعادة بناء الحياة السياسية اللبنانية على قاعدة المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني. وهو، بهذا المعنى، لا يقف في منتصف الطريق بين المحاور، بل خارج منطقها، لأنه يرفض أن تُختزل السيادة برفض الوصاية الأميركية مع قبول الوصاية الإيرانية، كما يرفض أن تُختزل الدولة بالمطالبة بنزع السلاح مع التغاضي عن استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.

إن المهمة التي تفرضها هذه المرحلة ليست البحث عن تسوية جديدة داخل المأزق القائم، وإنما الخروج من المأزق نفسه. وهذا لن يتحقق إلا إذا نجحت القوى الديمقراطية والوطنية المستقلة في إعادة إنتاج خطاب سياسي جديد، يعيد الاعتبار إلى فكرة الدولة الوطنية بوصفها المسؤولة عن استعادة السيادة، وإلى الديمقراطية بوصفها شرطاً للوحدة الوطنية، وإلى العدالة الاجتماعية بوصفها الضمانة الحقيقية لاستقرار المجتمع، وإلى الاستقلال الوطني بوصفه نقيضاً لكل أشكال التبعية، مهما كان مصدرها أو شعاراتها.