الدكتور زهير هواري
بيروت 6 تموز 2026 ـ بيروت الحرية
لم يحمل سلاحا ولم يخض الحروب، ولكنه صارع في معمعتها من أجل الحياة كما لم يقاتل سواه. قرر البقاء في عين الخطر وظل أمينا لقراره. ليس فقط لأنه شجاع وأشجع من الآخرين، بل لأنه تعلم الصلابة والصمود من أهله وجيرته وفريق عمله ورفاقه في منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني، ومن أبناء الارض في البازورية ومحيط قرى مدينة صور والجنوب. تعلم الصمود في خط الدفاع الأول عن برتقال البساتين وموز الاوراق الخضراء اليانعة، ومن ذاكرة صور، وما تردده عنها كتب التاريخ التي تعطيها دون سواها لقب سيدة البحار وقاهرة الاسكندر الكبير، الذي دوّخ الدول والممالك والجيوش وأدخلها في سلطانه. كانت الحروب تمر أمامه كأجساد ممزقة، تصل مضمخة بالدم إلى غرف الطوارئ، يستصرخ أصحابها كل من يستطيع المساعدة. ودوما كان حاضراً يلبي النداء. نداء المكلومين. كان عليه أن يقبض بيده المشرط ويعمل على رتي ما تمزق من أجساد الناس، منقذاً ما تبقى فيها من روح.
كانت قذائف الحديد وعصف النار تهرس اللحم وتسحق العظام، وكان عليه أن يقف منتصبا كشجرة سرو أو سنديان . يعيد بناء كيان أصحابها كما كانت قبل الكارثة وكما يجب أن تكون. كانوا كثيرين يصلون تباعاً، يتقاطرون كقوافل من الوجع وخيوط الدم: أطفال وأولاد، فتيان وفتيات، نساء ورجال، مدنيون ومقاومون. كان المصابون ينهمرون كالمطر منذ الصباح وحتى آخر الليل وهو لا يكل ولا يمل. يتعب، يعرق، يحتاج أن يريح جسمه ولا مجال سوى إلى قيامه بواجبه الانساني، الطبي، الوطني. يصارع جسده المنهك ويدفعه إلى أقصى حدود القدرة.
تمر الحرب الأولى فتتبعها الثانية، ثم حروب تتناسل من حروب سابقة، وهكذا تعلن قرارات وقف اطلاق النار ولا تنفذ، تمر ساعات النهار والليل بليدة، وكأنها تتعمد ألا تترك ولو مساحة صغيرة من الوقت لراحته وراحة الفريق العامل معه، من أطباء تخدير وممرضين وممرضات. لا مجال للراحة إلا مع انقاذ هذا وذاك من الذين طاردتهم مسيَّرة أو شظية صاروخ من العدو، أو طلقة رصاص في حروب الزواريب والأزقة. كان عليه أن يكسر رهبة العدوان ووحشيته من خلال حركة العقل والأصابع، التي تعيد وصل ما انقطع من شرايين، وما تمزق من عضلات. ودوما يجب أن يبقى في حال يقظة واستنفار. لا الخوف له سبيل عليه، ولا الضرورات والواجبات العائلية. ولم يترك مهمة الإنقاذ لآخرين غادروا على عجل، وكأنهم كانوا جاهزين للقيام بعملهم دوما، إلا في مثل هذه الساعات الحرجة.
كيف للدكتور الجرّاح ابراهيم فرج ألا يعرف أن هذه الأيام التي يعبرها هي أيام من التاريخ وله، وأن القصف العنيف الذي يباغت الناس لا يتوقف الا بعد ساعات، وهؤلاء يتساقطون في كل الأمكنة. وأنه حتى الهررة تموء من الجوع والخوف، وكذلك تعوي الكلاب الشاردة تبحث عن ملاذ آمن وقوت… القطط والكلاب والعصافير والورود التي زارها بالأمس طلبت منه ألا يتأخر بالمجيء ثانية كما فعل هذه المرة. تهدأ الأروقة ثم يأتيه الأرق يطالعه رغما عنه. وجوه وجوه تمر أمام ناظريه ولا تغادر النظر. يقذف به التعب إلى سرير مريض لم يصل إلى المستشفى بعد. يسرق غفوة لهنيهات ثم يستيقظ على أصوات الجلبة. صراخ وعويل ويعرف هو وسواه أن علاج جراح فلذات أكباد الناس يجب أن يتقدم على ما عداه .
وكيف لك أن تختار بين مصاب ومصاب ؟ كيف لك أن تصنفهم تبعا لثخانة الجرح والحظ بالعيش والعمر وغيره. أي خيارات هذه التي تطالعك باستمرار؟ وفي مثل هذا الموقف لا ترد على بالك خسارة بيت أو دكان أو مشتل تبغ أو محترف أو زريبة مواش.. وكل ما يقيم أود الأسرة الجنوبية الكادحة.
المريضة التي أجريت لها جراحة ونجت بعد نجاح العملية أصابت قذيفة بيتها فقتلتها مع أمها. عندما أخرجتها من المستشفى وعدتك أن تأتي كي تغيَر لها على جرحها وتتفقده ولكنها لم تعد، لا لكسل، بل لأنها رحلت عن هذه الحياة رغم نجاح الجراحة. الطفل الذي كان مصابا بوجهه فقد نور عينيه وحقه برؤية الحياة. ظن أن فقدانه البصر مرتبط بانقطاع كهرباء المولد في الغرفة عندما استيقظ من البنج. سألك لماذا أطفأت ضوء المولد؟ كان يريد رؤية ما أمامه وحوله .. آخرون وآخرون يواصلون حياتهم مع جراحهم وإعاقاتهم، وأنت تقوم بما عليك القيام به، ثم ترسلهم إلى بيوتهم ليعودوا إليك لمتابعة أوضاعهم .كثيرون منهم فقدوا حياتهم مادامت شياطين وجيوش الموت تطاردهم في البيوت وعلى الطرقات وهنا وهناك وفي كل مكان.
لا يكتفي الجرّاح ابراهيم فرج بإنقاذ المحتاجين بل ينتهز كل دقيقة فائضة ليكتب عن الناس الذين أحبهم، وأفنى سنوات من عمره يخفف عنهم، وهو يقطب ويداوي جراحهم. لا تغيب عنه شاردة أو واردة. يقف أمام الطوفان بصدره، ويحيي أهالي رميش ودبل وعين ابل والقليعة على تمسكهم بأرضهم. يحييهم وهو يخبرنا أن ليس للبنان باب مندب لنندب على أعتابه. مع ذلك تظل القلوب مع الشباب المدافعين على الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة، مؤكدين ونحن معهم، أننا باقون باقون، فالوطن باق والاحتلال إلى زوال. وبتفانيه يرسل بالتحية للمقاومين الأوائل، الشهداء منهم والأحياء والجرحى والمعوقين. فقراء أنقياء بدأوا وما برحوا كما كانوا عليه. هؤلاء ونحن منهم من يبنون حواجز الاعتراض على التوحش المنفلت من كل عقال. فاميركا ليست مدرسة في نشر القوانين والمواثيق الأممية والقيم الاخلاقية السامية … غزة وفنزويلا تشهدان على ذلك، ولبنان ضمن ركب الشهداء والجرحى أيضا. والقانون سيسود حتما والفوضى خلاقة أو غير خلاقة إلى زوال أكيد.
هؤلاء المقاومون لا علاقة لهم بمن يهدد ويتوعد الدولة والحكومة بـ”قلب الطاولة” والبلاد على أهلها. كأن ما يحدث ليس كافيا ويحتاج للمزيد من التدمير والركام. هؤلاء الباقون في الارض حتى نفاذ الزعتر والتبغ والضمادات هم أهل الجنوب، وليسوا أولئك الذين يصدرون بيانات الاتهامات بالخيانة والشتائم على طريقة الدكتيلو أو الذباب الالكتروني المأجور.
أتساءل لماذا يتظاهر “الأهالي” مثلا ضد اليونيفيل ولا يتظاهرون ضد من سرق مدخراتهم أو من يقطع عنهم الكهرباء والماء؟ .. متى وهل تخجل هذه المنظومة؟ وهل يخجل جمهورها أولا وقبلها؟ هل قرأ مشايخ المجلس الشيعي الأعلى وأمثالهم شيئا عن سيرة الحسين الحقيقية؟ عجبي كيف أن لسانهم مع الحسين وسلوكهم مع يزيد؟ هل قرأ أحدهم سيرة السيد هاني فحص في دفاعه عن لبنان وفلسطين وشعبها المظلوم الذي تآمر عليه الأقربون والأبعدون. ففتح الأبواب أمام وحش عنصري لن يردعه عن إكمال جرائمه. الفلسطينيون بقيادة ياسر عرفات وقفوا في خط الدفاع الأول عن فلسطين، عما تبقى منها وعن لبنان. التضامن مع قضية فلسطين لا يكون بمصادرة قضيتها أو إحتوائها أو تقسيمها. وحدة الشعب الفلسطيني هي اشراقة الأمل نحو الخلاص والتحرر والنصر عاجلا أم آجلا. سقوط الطاغية بشار الأسد في دمشق يفتح لنا أيضا نافذة أمل ورجاء.
أكرر أن “كلن يعني كلن” و17 تشرين الأول 2019 جرّمتهم جميعا كأقطاب لمنظومة النهب والطائفية والفساد. بعدها كانت جريمة تفجير المرفأ المدوية.. يقول جرّاح ايطالي: أسهل العمليات الجراحية التي أجريتها كانت لسياسيين لأن لا قلب ولا دماغ ولا عمود فقري لهم.. سياسونا ليسوا بلا أدمغة وقلوب وأعمدة فقرية فقط، بل هم أصلا لا يصابون ويصلون إلى المستشفيات لنختبر ما تحت جلودهم وصدورهم وعظامهم. أما آن الأوان لإحداث اختراق في بنية العقل اللبناني والعربي. كل التحية لأحمد قعبور الذي لبى دعوتنا إلى أمسية على شاطئ صور بعد تخريب رمز الثورة ، وإلى زياد الرحباني أيضا. وأجزم أن معظم الذين مشوا وراء جنازته هم من الذين لم يكن يطيقهم في حياته.
لبيك يا وطن .. لبيك لك وحدك … لا وطن ولا أرض لنا سواك.
الدكتور ابراهيم فرج الجرّاح في المستشفى اللبناني الايطالي في صور يسطر ملحقا بتاريخ أليسار وقرطاج وأحيرام وقدموس والاسكندر والصباغ الارجواني والصيادين الفقراء. ويرى الاحتلال وجحافله وهم يقصفون مدينة سيدة الماضي والحاضر والتاريخ بأم عينيه. يدمرون شاطئها ورصيفها وآثارها وحاراتها وزوارق الصيد فيصيبون قلبه ووذاكرته ووجدانه. لكنه لن يغادر ويتركها وحيدة مع الآثار الغارقة والاصداف البيضاء والمياه الزرقاء والاحلام الوردية. شهران وأنا لا أتزحزح من مكاني في المستشفى، وأضيف لهم خمسين أسبوعا، وأنا قابع بين غرف العمليات وقسم الطوارئ وأسرة المرضى والمصابين. أعرف أنني محاصر محاصر في هذه المساحة الضيقة. مع ذلك لم ولن أغادر المنطقة ما دامت تستصرخني جراحها. كلي آذان وسمع لوجع وأنين الأحبة الذين اُصبِّح عليهم كلما أشرقت شمس ..
صباح الخير يا أهلي ويا و طني ويا بلادي العزيزة يقول الدكتور فرج.
لا يخرج الجرّاح من معمعة ومسلخ الحروب سليما معافى مهما بلغت صلابته، وإيمانه بنبل مهنته وما يقوم به من عمليات انقاذ. دوما يكتم الوجع في قلبه، الحزن في عينيه، وهو يختزن صور الشهداء والضحايا وفجائع ذويهم وهم يرونهم يرحلون نحو البعيد. لا لن أهرب .. لن أغادر.. هذا ليس من عادتي. لم أفعلها ولن أفعلها. ليس من عادتي المغادرة والانسحاب ساعة الناس أحوج ما يكونون إليَّ. أقول قولي هذا لكم ولكل من يبقى على هذه الارض إننا باقون كالجدار الصخري، لا تزحزحنا القنابل ولا صواريخ الطائرات ولن نتهاون ولن نساوم .. هذه أرضنا وهذي بلادنا وهذا شعبنا من تمزقون لحمه!.
هذه اليوميات التي دونها الجرّاح الدكتور ابراهيم فرج بلغة عامية حينا وفصيحة أحيانا، ونشر بعضها على موقعه في وسائل التواصل الاجتماعي، هي شهادة على قوة الإرادة وقوة الحياة زمن الموت ودمار طرقات ودروب و جسور القرى والمدن وحقول الليمون والتبغ والزيتون. بعد أن قرر المجازفة والمغامرة بحياته والبقاء في صور، ليس في صورـ بل في المستشفى وبالأصح في غرفة العمليات. لا لن يرحل رغم جنسيته الثانية الايطالية ودراسته في جامعاتها ومستشفياتها. د. ابراهيم فرج باق في صور كما قوس النصر بين أعمدة وآثار المدينة القديمة وذاكرتها، بشارة لمستقبل لا بد وأن يتحقق مهما غلت التضحيات ونزفت الجراح.
