مجتمع

القضاء الإسرائيلي يعيد إلى الضوء تعذيب معتقلي” الخيام”

أمال شحادة *

جرائم تقشعرّ لها الأبدان تعرّض لها مئات اللبنانيين في سجن الخيام بالجنوب في الفترة من عام 1985 إلى 2000، كشفت عنها أخيراً وثائق تابعة لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (شاباك)، وأُفرج عنها بعدما بقيت سرية لما يقرب من 37 عاماً.

الكشف عن الوثائق جاء بقرار من المحكمة الإسرائيلية العليا، تجاوباً مع التماس تقدّم به ناشطون في مجال حقوق الإنسان، من بينهم المحامي إيتي ماك، إذ طالبوا “شاباك” بإظهار حقيقة معاناة المعتقلين اللبنانيين في سجن الخيام، وكذلك مطالبة جهاز الموساد بكشف علاقة إسرائيل مع الميليشيات اللبنانية، في تلك الفترة وقبلها، وما قدّمته من دعم مالي.

وقال المحامي إيتي ماك لـ”اندبندنت عربية”، إن الكشف الجزئي عن الوثائق غير كافٍ، وإن هناك كثيراً من التفاصيل التي تشكّل جرائم حرب بشعة بتعليمات من إسرائيل ومساهمة فاعلة من الـ “شاباك“، فيما نفّذها محققون لبنانيون كانوا ينتمون لـ”جيش لحد”.

“نار جهنم” في الجنوب

وحول توقيت الالتماس وموافقة “شاباك” على الكشف عن الوثائق، قال المحامي ماك “منذ فترة وأنا أتابع قضايا متعلقة بحقوق الإنسان ومساهمة إسرائيل فيها، بما في ذلك بيع أسلحة للسودان وأميركا اللاتينية وغيرهما، وحتى نكون صادقين في قول حقيقة ما يجري اليوم بلبنان، كان علينا معرفة ما سبق وجرى خلال فترة وجود إسرائيل، سواء من ناحية التعامل مع المواطنين، أو علاقات الموساد مع الميليشيات اللبنانية ودعمها المالي، وكذلك ما وقع من تعذيب للمعتقلين في سجن الخيام، ويمكن وصفه بنار جهنم”.

ووفق توقعات المحامي ماك، فإن “شاباك” وافق على كشف جزء من الوثائق لتخفيف الضغط عن قضاة المحكمة التي ستُعقد في الرابع من أبريل (نيسان) المقبل، ولتفادي النقاش الجماهيري الذي قد يحتدم في حال الرفض، بخاصة أن الموساد رفض التجاوب مع كشف وثائق علاقته بالميليشيات اللبنانية تحت ذريعة أمنية، مختتماً “لن نترك باباً إلا وسنطرقه لإلزام الجهازين الإسرائيليين الكشف عن جميع الوثائق، ونطالب الأمم المتحدة بفتح تحقيق”.

من جهتها، قالت المحامية داليا كرشتاين، المشاركة في الالتماس والمديرة السابقة لمركز “موكيد” للدفاع عن الفرد، إن “الانسحاب من لبنان لن يكون كاملاً إلا حين تكشف إسرائيل جميع أفعالها وماضيها هناك”، مضيفة “في الوقت الذي تحوّل السجن نفسه إلى متحف، لا يزال المسؤولون عن تلك الفظائع يتجوّلون بيننا من دون محاسبة”.

صعقات وشبح وتجويع

المعتقلون اللبنانيون كانوا ينتمون لمنظمات وأحزاب مختلفة، منها حركة “أمل” و”حزب الله” و”الحزب الشيوعي” و”منظمة العمل الشيوعي” وحركة “فتح” و”الجبهة الشعبية” و”الجبهة الديمقراطية” وغيرها. وتشير الوثائق إلى أن “شاباك” كان له الدور الأساسي في إدارة هذا السجن. وكان الاعتقال لفترات طويلة من دون محاكمة، كما أن المحققين استخدموا الصعقات الكهربائية والشبح وأساليب تعذيب جسدية مختلفة، إلى جانب التجويع ومنع تقديم العلاج للمرضى، وكذلك تعرّض عدد كبير من النساء للتعذيب.

من بين الوثائق التي سمح “شاباك” بالكشف عنها، وثيقة ذكر فيها ممثلوه “للسجن دور مهم في نشاطات الإحباط ويتم تشغيله من قبل محققين في جيش لبنان الجنوبي بتعليمات من الجيش الإسرائيلي وشاباك”. وتحت بند “متفرقات”، جاء في الوثيقة “الذين خضعوا للتحقيق لم تؤخذ منهم إفادات ولم يُحاكموا ولا يوجد أمر اعتقال ضدهم، وفترة سجنهم منوطة بخطورة أفعالهم، وليس هناك تحديد لفترة مكوثهم”.

وهناك وثيقة تناولت وضعية معتقلة خضعت للتحقيق بتهمة “علاقتها مع حزب الله”، وأظهرت أنها تعرّضت لصعقة كهربائية في أصابعها. ومن خلال وثائق أخرى تبيّن أن عشرات النساء تعرضن للتعذيب، وتشير إحداها، وهي مدوّنة عام 1988، إلى سياسة التجويع، إذ جاء فيها “هذا الصباح، أبلغ مدير السجن المحلي بأنه حدث أمس في السجن إضراب عن الطعام على خلفية النقص في الغذاء. حقاً يوجد نقص”.

وفي وثيقة من عام 1997، نوقشت مشكلات صحية للمعتقلين. وفي توثيق لمحادثة بين كاتب الوثيقة ومسؤول في السجن من قبل “جيش لحد”، كشف الإهمال الصحي الذي عاناه المعتقلون، وجاء فيها “أثناء هذا اللقاء، طُرح أمامي عدم الرضا من حل المشكلات الصحية للسجناء، وتأجيل القرارات بشأن إطلاق سراحهم”.

وكُتب في ملخص الوثيقة، أن الأمر يتعلق “بمشكلة مؤلمة” وأن المسؤول الذي حذّر منها يشعر بأنه “لا يوجد له دعم في حال موت المعتقل في السجن في أعقاب مشكلات صحية، أو عدم تقديم العلاج الذي أوصى به الطبيب”. يُشار في هذا السياق إلى أن وثائق “أمنستي” حول السجن، كشفت وفاة 11 معتقلاً.

وجاء في وثيقة أخرى من عام 1997، كتبها ضابط، منع “شاباك” نشر اسمه ورتبته، “المشكلات الصحية كانت معروفة طوال السنين، بينها نابعة من محاولات التحرر من السجن”. وبحسب قوله، “يجب علينا التذكر بأن ليست كل مشكلة صحية حاسمة وتقتضي إطلاق السراح، ويمكن حتى احتجاز مرضى في السجن”. وكتب أيضاً “القرار النهائي يجب أن يكون دائماً لقواتنا، لأن النشطاء اللبنانيين لديهم مصالح معروفة، ولا تتفق دائماً مع مصالحنا”.

إسرائيل تعترف

وكشفت الوثائق أيضاً عن نقاشات قانونية أجرتها شخصيات مختلفة في إسرائيل، وتناولت قانونية التحقيق مع معتقلين لبنانيين من قبل إسرائيل في الأراضي اللبنانية. وبحسب إحدى الوثائق من عام 1996، اعترفت تل أبيب بـ”الإشكالية السياسية – القانونية” في وجود منشأة اعتقال وتحقيق تُدار من قبلها في لبنان. وكُتب في الوثيقة أنه “في الوقت الذي أعلنت حكومة إسرائيل رسمياً أنها انسحبت من المنطقة، فإن إقامة هذه المنشأة هي عمل واضح من أعمال الحكومة”.

عام 1999، قدّمت جمعية حقوق المواطن و”موكيد” للدفاع عن الفرد التماساً إلى المحكمة العليا وطالبتا بإطلاق سراح عدد من المعتقلين في سجن الخيام، والسماح لمحامين من قبلهم بلقاء المعتقلين. الملتمسون قالوا إن “شاباك” يشارك في كل ما يحدث في السجن. ولكن المحكمة العليا تهربت من مناقشة الالتماس، وطلبت مزيداً من المبررات في مسألة صلاحية الجمعية في التدخل في ما يحدث خارج حدود الدولة.

* نشرت بجريدة “الأندبندت العربية ” السبت في 26 مارس 2022

Leave a Comment