صحف وآراء مجتمع

الخروج من وهم القدر.. الأزمة اللبنانية كأزمة معنى

* الدكتور سعيد عيسى

بيروت 25 شباط 2026 ـ بيروت الحرية

في الشتاء يعودون إلى البيوت التي لم تعد تدفئهم، وفي الصيف يهربون من شوارع لا تُظلّهم. بين الشتاء والصيف، يحاولون تدبير أمورهم: كهرباء ساعةً هنا، وقود ساعةً هناك، دواء يُشترى بالدولار الذي لا يُشترى إلا بالدولار، ورغيف خبز يُعاد وزنه كل شهر ليحمل نفس الاسم وكمية أقلّ. هذا ليس وصفًا شعريًا للبؤس؛ هذا هو الواقع اليومي الذي تُديره آليات واضحة المعالم: نظام توزيع للكهرباء يعرفه الجميع، سعر صرف رسمي وموازٍ يعرفه الجميع، محفظة إلكترونية يجب أن تُفتح، وخطّ إنترنت يجب أن يظلّ شغالًا. كل شيء يمكن إدارته، وكل شيء يُدار فعلًا، لكن النتيجة واحدة: أن الحياة تتآكل. وهذا يقود إلى السؤال الذي لا يغادر عقول من يعيشون في لبنان اليوم: إذا كانت كل الأمور تُدار بهذا الشكل “المنطقي”، فلماذا يبدو المجتمع كمن يسير إلى الخلف؟

في هذه المسافة بين عالمين=عالم الإدارة وعالم التجربة-يتكشّف السؤال الأعمق الذي يلاحق التجربة اللبنانية: هل الأزمة أزمة إدارة فقط، أم أزمة معنى؟ هل المشكلة أننا لا نستطيع توزيع الكهرباء بكفاءة، أم أننا فقدنا الإجابة على السؤال: لماذا نريد الكهرباء أصلًا؟ هل نريدها لنستمرّ في حياة كنا نعرفها ذات يوم، أم لنصنع حياة جديدة لم نعرفها بعد؟ هل ما نعيشه اليوم هو الاحتمال الوحيد الممكن، أم مجرد نسخة متداعية لعالم كان يمكن أن يكون أكثر عدلًا، وأوضح قرارًا، وأغنى بالمعنى؟

لنأخذ مثال الكهرباء. يقول المسؤولون إن المشكلة فنية: القدرة الإنتاجية لا تكفي، المحطات قديمة، الفيول غالٍ، التهريب كثيف. وهذا صحيح. لكن السؤال الأعمق هو: لماذا قبل الناس بهذا الواقع طويلًا؟ لماذا لم يخرج المجتمع بقوة ليقول إن الكهرباء ليست سلعة يمكن تسييرها بلطف، بل هي شرط أساسي لكرامة الإنسان؟ الجواب ليس أن الناس سكوتيون؛ بل أنهم تعلموا عبر عقود أن “الدولة” شيء بعيد، والكهرباء شيء يأتي عبر “الواسطة” أو عبر “المولّد” أو عبر “الاشتراك”. لم تكن المشكلة إدارة فقط؛ كانت مشكلة في فهم العلاقة بين المواطن والسلطة: هل هو طرف يطالب بحق، أم زبون يتفاوض على خدمة؟ وإذا كان زبونًا، فمن هو البائع؟ الدولة أم الطائفة أم الحزب أم صاحب المولّد؟ كلما تعددت الإجابات، تشتّت السؤال الأصلي: لماذا لا يكون لدينا كهرباء كما باقي العالم؟

هذا التشتت ليس خطأ إداريًا محضًا. بل هو نتيجة لأزمة معنى. فالمعنى هو ما يجعل الناس يتفقون على ما يهمّهم وما لا يهمّهم. في لبنان، لم يعد هناك توافق على ما يهمّ. البعض يرى أن المهم هو الحفاظ على نموذج معيشي معين: المقاهي، والسهرات، والسفر في الصيف، والمدارس الخاصة. والبعض يرى أن المهم هو البقاء على قيد الحياة. وبين الطرفين، يعيش غالبية الناس في حالة تفاوض يومي: اليوم يهتمون بالكهرباء، غدًا بالماء، بعد غد بالدواء، ثم يعودون إلى العمل ليجدوا أن الراتب لا يكفي، فينسون الماء والدواء ويهتمون بالدولار. وهكذا تتحول الأزمة من أزمة نظام إلى أزمة انتباه: كل يوم سؤال جديد، وكل سؤال يأخذنا بعيدًا عن السؤال الكبير: لماذا نحن هنا؟ وماذا نريد أن نكون؟

لنأخذ مثالًا آخر: التعليم. المدارس الخاصة ترفع الأقساط بنسب خيالية، والمدارس الرسمية تعاني من نقص في الكتب والمعلمين، والجامعة اللبنانية تتداعى. المسؤولون يتحدثون عن “خطة تعليمية” و”إصلاحات هيكلية”. وهذا كله إدارة. لكن السؤال الأعمق هو: لماذا نعلّم أبناءنا أصلًا؟ هل لكي يحصلوا على شهادة تؤهلهم للهجرة، أم لكي يبقوا هنا ويبنوا مجتمعًا؟ إذا كانت الإجابة “الهجرة”، فالإدارة تنجح تلقائيًا: كلما زاد التعليم سوءًا، زادت الرغبة في الرحيل. لكن إذا كانت الإجابة “البناء”، فإدارة التعليم لا تكفي. نحتاج إلى معنى: ما هو المجتمع الذي نريد أن نربي عليه؟ هل نريد مواطنين يعرفون حقوقهم، أم زبائن يتفاوضون على خدمات؟ هل نريد نخبة تتحدث لغة عالمية، أم نريد غالبية تفهم لغة الدستور؟ كلما غاب المعنى، صارت الإدارة مجرد جهد لإبقاء الوضع على حاله، لا لتحويله.

هذا يقود إلى فكرة “الاحتمال الوحيد الممكن”. كثيرًا ما نسمع أن “لبنان لا يمكن أن يكون إلا كذلك”، وأن “الطوائف هي الحقيقة”، وأن “الفساد جزء من الثقافة”. هذه ليست حقائق بقدر ما هي نتائج لأزمة معنى. فالمعنى هو ما يجعلنا نرى العالم كمجموعة خيارات، لا كمصير محتوم. حين نفقد القدرة على تخيّل بديل، نصبح أسرى لواقع نعتبره “قدرًا”. والقدر هنا ليس دينيًا فقط؛ هو سياسي واجتماعي: نحن نُدير أزمتنا بكفاءة متزايدة، لكننا نُديرها دائمًا نحو نفس النتيجة. نُدير الكهرباء لكن لا نبني شبكة كهرباء. نُدير التعليم لكن لا نبني مجتمعًا متعلّمًا. نُدير الاقتصاد لكن لا نبني اقتصادًا. الإدارة تصبح إذًا طريقة لإطالة أمد الأزمة، لا لحلّها.

التفكير في هذا السؤال-أزمة إدارة أم أزمة معنى؟ -هو الخطوة الأولى للخروج من وهم القدرية. لأن السؤال نفسه يعيد افتتاح خيال مجتمع كان يُغلق بالتدريج. في لبنان اليوم، يُسأل الناس: كيف ندير الكهرباء؟ لكن لا يُسألون: لماذا نريد كهرباء؟ يُسألون: كيف ندير التعليم؟ لكن لا يُسألون: لماذا نعلّم؟ يُسألون: كيف ندير الاقتصاد؟ لكن لا يُسألون: لماذا ننتج؟ وهذا الفرق بين الإدارة والمعنى هو الفرق بين أن تكون مواطنًا في دولة، وأن تكون زبونًا في سوق. الدولة تفترض توافقًا على القيمة الأساسية للحقوق والواجبات. السوق يفترض تفاوضًا على الخدمات والأسعار. في لبنان، تحوّلت الدولة تدريجيًا إلى سوق، وتحوّل المواطن إلى زبون يبحث عن “صفقة” مع طائفته أو حزبه أو صاحب المولّد. والإدارة تنجح في هذا السياق لأنها لا تسأل عن المعنى، بل تقدّم حلولاً تقنية لأسئلة غير جوهرية.

لكن ما يجعل السؤال خطوة أولى حقيقية هو أنه يعيد فتح الباب أمام إمكانية أخرى. حين تتوقف عن اعتبار الواقع “قدرًا”، تبدأ في رؤية الخيارات التي كانت مختفية. مثلاً: لماذا لا يمكن للمدارس أن تكون مختلطة بين الطوائف؟ ليس لأن ذلك مستحيل إداريًا، بل لأننا فقدنا المعنى الذي يجعل التعليم أداة للتجانس لا للتفريق. لماذا لا يمكن للكهرباء أن تكون عامةً ومجانيةً؟ ليس لأن التكلفة عالية فقط، بل لأننا فقدنا المعنى الذي يجعل الكهرباء حقًا لا سلعة. لماذا لا يمكن للنظام السياسي أن يكون على أساس المواطنة لا الطائفة؟ ليس لأن الدستور لا يسمح، بل لأننا فقدنا الإجابة على السؤال: من هو المواطن؟

وهنا يبرز دور التفكير نفسه. فالتفكير في السؤال ليس مجرد تمرين فلسفي، بل هو عمل سياسي. لأن التفكير يعيد بناء الإمكانية. حين يفكر الناس في “أزمة معنى”، يبدأون يرون أن “الإدارة” ليست حلاً كافيًا. يبدأون يسألون: لماذا ندفع فاتورة مولّد إذا كان المفروض أن تكون الكهرباء حقًا؟ لماذا ندفع أقساطًا مرتفعة إذا كان التعليم حقًا؟ لماذا ننتخب نفس الأشخاص إذا كانت الديمقراطية حقًا؟ وهذه الأسئلة، ببساطتها، تشكل تهديدًا لمنظومة تعتمد على غياب السؤال. منظومة لا تخاف من سوء الإدارة بقدر ما تخاف من وجود معنى بديل. لأن المعنى البديل يجعل الناس يطالبون بشيء آخر غير “تحسين الخدمة”. يجعلهم يطالبون بالتغيير في القيمة نفسها.

إذًا، المسافة بين العالمين-بين عالم الإدارة وعالم التجربة-ليست مسافة نظرية فقط. هي مسافة بين نوعين من المجتمعات. مجتمع يعتقد أن الواقع هو القدر، وأن المهمة هي إدارته بأقل قدر من الألم. ومجتمع يعتقد أن القدر ليس سوى نتيجة لاختيارات سابقة، وأن المهمة هي إعادة اختيار المعنى. في لبنان، نعيش في المسافة بينهما: نحن جيدون في إدارة الأزمات، لكننا فشلنا في إعادة معنى للأزمة. نحن نعرف كيف نبقى على قيد الحياة، لكننا نسينا لماذا نحيا. وربما هذا هو السؤال الأخطر: ليس كيف ندير الكهرباء، بل لماذا نريد أن تضيء الأضواء أصلًا؟

في هذا السؤال، يكمن الخروج من وهم القدرية. لأنه حين تسأل عن المعنى، تفتح بابًا لا تغلقه الإدارة. تبدأ ترى أن الكهرباء ليست مجرد فولتات، بل هي قدرة على قراءة كتاب في الليل، وبناء مستقبل في النهار، ومحادثة جار لا تنتهي عند انقطاع التيار. التعليم ليس مجرد شهادة، بل هو قدرة على التفكير في السؤال نفسه. والدولة ليست مجرد إدارة، بل هي القرار المشترك على نوع الحياة التي نريدها. التفكير في هذا السؤال، بحد ذاته، قد يكون الخطوة الأولى للخروج من وهم أن الواقع، كما هو، قدرٌ لا يُمس. لأن الواقع لم يكن يومًا إلا نتيجة لاختيارات، وكل اختيار يمكن أن يُختار غيره، إذا ما وجدنا المعنى الذي يجعلنا نختار.

* كاتب وباحث