بنيامين نتنياهو، هو الاسم الذي تتّحد دول كثيرة عربية وإقليمية، في الشرق والغرب، حول ضرورة إسقاطه وإيقاف مشروعه. أصبح الرجل عبئاً على الكثيرين، الحلفاء قبل الخصوم، وعلى إسرائيل أيضاً. أصبح الرجل يشكل تهديدات لكل ترتيبات المنطقة وتوازناتها، وفي بعض مشاريعه يتعارض مع بعض الترتيبات الأميركية. تُقبل إسرائيل على انتخابات، تجتمع قوى عديدة معارضة لنتنياهو، كما أن جهات خارجية يمكنها أن تتدخل لأجل تعزيز أي خيار يسهم في إسقاط الرجل ومنعه من العودة إلى رئاسة الحكومة، بينما هو يريد مواصلة الحروب وإطالة أمدها وربما البحث عن توسيعها أو تحقيق “انجازات” تخدمه انتخابياً.
نتنياهو والسيطرة
عملياً، المنطقة بحاجة ماسة إلى نوع من التكامل والتقاطع الإقليمي لأجل التصدي للمشروع الذي يمضي به نتنياهو، ويعبّر عنه صراحة في إضعاف كل الدول لصالح تقوية إسرائيل وجعلها متفوقة. ذلك يجعل نتنياهو رافضاً لأي اتفاق لوقف النار، إلا إذا كان سينتج اتفاقات تدفع أي دولة إلى الموافقة على الهيمنة الإسرائيلية. وهذا ما يسعى إلى تكريسه مع لبنان كما سوريا. قبل فترة كان يفترض أن يُعقد اجتماع سوري إسرائيلي لاستكمال البحث في الوصول إلى اتفاق أمني، لكن الاجتماع لم يعقد بسبب عدم موافقة الإسرائيليين الذين فاجأوا الجميع بالإعلان عن “خط أصفر” يمتد من لبنان إلى سوريا. وهذا يعني أن نتنياهو يتمسك بالسيطرة على هذه المساحات الجغرافية من البلدين، وربما لن يفكر بالخروج منها إلا في حال الوصول إلى اتفاقات سلام بشروطه. مع لبنان يكرر نتنياهو الأمر نفسه، مع إصراره على التفاوض تحت النار والوصول إلى اتفاق يريد من خلاله جعل الدولة اللبنانية بمواجهة حزب الله.
ما بين لبنان وسوريا تهديدات ومخاطر إسرائيلية مشتركة، وخوف من إقدام إسرائيل على ربط المناطق التي تحتلها بين لبنان وسوريا، بشكل تصبح فيه قادرة على التأثير في البلدين. وهذا مشروع يلاقي اعتراضاً دولياً كبيراً، مع إصرار على الحفاظ على وحدة البلدين وجغرافيتهما. وهو ما يحتّم تنسيقاً لبنانياً سورياً، وما بين البلدين مع جهات عربية وإقليمية ودولية لأجل الضغط على إسرائيل ومنعها من استكمال مشروعها، وهو ما يحاول الأميركيون عرضه على لبنان من خلال الموافقة على المفاوضات المباشرة، مقابل إجبار إسرائيل على وقف العمليات العسكرية والانسحاب. لكن تل أبيب لم تلتزم بمثل هذه الشروط في سوريا، وهو ما يضعف الثقة اللبنانية.
الحاجة إلى مظلّة أمان
في هذا السياق، تحدثت بعض التسريبات الإسرائيلية عن سعي تركيا للعب دور الوسيط والتقدم بمبادرة حول لبنان. ولكن عملياً، فإن النقاش الأساسي يتعلق بالبحث عن نوع من تقاطع بين قوى إقليمية توفّر مظلة أمان وحماية للبنان وسوريا معاً. وذلك يحصل بالتنسيق ما بين تركيا، السعودية، مصر، قطر ودول أوروبية عديدة. في هذا السياق، تشير مصادر متابعة إلى أن تركيا كانت قد أوصلت رسائل دعم للبنان، مع التأكيد على الحفاظ على حدوده كاملة والتضامن معه بمواجهة الحرب الإسرائيلية، كما أنها أوصلت نصائح بأن لا داعي للاستعجال بالذهاب لعقد لقاء مباشر مع نتنياهو، في ظل عدم تقديم الإسرائيليين التنازلات اللازمة. يمكن لتركيا أن تطرح مبادرة انطلاقاً من تنسيقها مع دول عربية ومع الأميركيين أيضاً حول إدخال قوات متعددة الجنسيات إلى جنوب لبنان، لتكون هذه القوات هي المشرفة على عدم وجود بنى عسكرية، وهذه القوات التي يتم الحديث عنها تابعة لحلف الناتو، لكن العماد الأساسي له هي قوات تركية. كما أن تركيا أبدت الاستعداد للمساهمة في تقديم مساعدات عديدة في لبنان، من بينها المنازل الجاهزة للمهجرين في إطار تعزيز دورها أكثر.
تنطلق تركيا في هذا المسعى من موقعها كرافضة للحرب في المنطقة، وبوصفها أبرز الدول الساعية إلى وقفها والوصول إلى اتفاق. فهي لا تريد اتساع رقعة الحرب لتستدرج دولاً عديدة للدخول إليها، ما سيكون له تأثيرات بالغة على الوضع الأمني والاستقرار في المنطقة ككل وعلى الحدود التركية، بالاضافة للانعكاس السلبي للحرب على أسعار النفط ومدى تأثرها بذلك، كما أنها تريد الحفاظ على وضعها ودورها وموقعها في مواجهة سعي إسرائيل لمواصلة الحروب واستهداف تركيا أو نفوذها لاحقاً.
وساطة إقليمية
منذ سنوات تعمل تركيا على لعب دور الوساطة الإقليمية، وهي تسعى حالياً لتعزيز وتوسيع دورها بشكل أكبر وتنطلق في ذلك بالتنسيق مع دول عربية وقوى دولية، وتحاول الاستفادة من علاقتها بالإدارة الأميركية كي تلعب هذا الدور الإقليمي، والبحث عن صيغ مقترحة لحلول تكون بديلة عن الحروب، ولو اقتضى ذلك نشر قوات متعددة جنسيات في مناطق الصراع، مثلما أبدت تركيا استعدادها لنشر قوات تركية إلى جانب قوات أخرى في غزة، فهي تبدو مستعدة لذلك في جنوب لبنان وجنوب سوريا أيضاً.
تركز أنقرة على تعزيز علاقاتها العربية والخليجية بالتحديد، كما تنطلق في حساباتها من مصالح مشتركة تجمعها مع باكستان، المملكة العربية السعودية، مصر وقطر لمواجهة كل المخاطر الناجمة عن المشروع الإسرائيلي الذي يتصادم مع كل هذه الدول. وقد عبّر نتنياهو بشكل صريح عن مواجهة الراديكالية السنية بعد إضعاف الراديكالية الشيعية. وعليه، فإن تركيا تنظر إلى المشروع الإسرائيلي بقيادة نتنياهو على أنه يشكل خطراً مباشراً على المنطقة وعليها بالتحديد. وتعلم تركيا أن إسرائيل حاولت كثيراً العمل على الاستثمار في تغذية الصراع بين الأكراد وتركيا، كما حاولت استغلال الواقع السوري لإضعاف الدولة السورية وللتقدم في سوريا ضمن مشروع نتنياهو لإضعاف تركيا أو لمقارعتها على حدودها.
الرفض الإسرائيلي
في المقابل، فإن إسرائيل ترفض أي دور تركي بالمطلق. ويعتبر الإسرائيليون أن أنقرة لديها مشروع استراتيجي في المنطقة، هدفه في النهاية سيصطدم بالمشروع الإسرائيلي. ولذلك ترى تل أبيب أن أي وساطة تقوم بها تركيا وتنجح ستؤدي إلى تعزيز مكانة تركيا ودورها في المنطقة. وهذا لا يمكن لإسرائيل الموافقة عليه أو القبول به، لذا ستسعى إلى تخريب أي مسعى. وفي هذا الإطار كانت إسرائيل ولا تزال تضغط بقوة على لبنان لأجل الوصول الى اتفاق برعاية أميركية ومن دون إشراك أي دولة أخرى بأي دور في هذا الاتفاق، وذلك لتقطع إسرائيل الطريق على أي دولة أخرى يمكن أن يكون لها نفوذ على الساحة اللبنانية. ما تريد إسرائيل مواجهته أيضاً، هو منع أنقرة من أن تكون صلة الوصل بين العالم الإسلامي وأوروبا، وأن تكون مرتكزاً في الاستراتيجية الأميركية ومقاربتها للمنطقة، كما ستواصل تل أبيب العمل لمنع حصول أي التقاء أو تقاطع مصالح أو تقارب بين تركيا ودول الخليج العربي. ما يحتاجه لبنان وسوريا، هو مظلة إقليمية تحتاجها المنطقة أيضاً لوضع حائط صدّ في مواجهة مشروع نتنياهو الذي أصبح واضحاً أنه ما بعد هذه الحروب مع إيران وحلفائها سيركز أكثر على مواجهة تركيا، وإن كان ذلك في سوريا أو في أي مكان آخر.
* نشرت بتاريخ 30 نيسان 2026 على موقع المدن
