اقتصاد صحف وآراء

الإمارات خارج «أوبك».. لماذا قرّرت أبو ظبي كسر القيد النفطي؟

* الدكتور سعيد عيسى

حين أُعلن في أبو ظبي أن دولة الإمارات العربية المتحدة ستغادر منظمة “أوبك” بعد نحو ستة عقود من العضوية، لم يكن الخبر مجرد تطور نفطي عابر في سوق اعتاد المفاجآت، بل بدا أشبه بإعلان سياسي ثقيل، يحمل في داخله ما هو أكبر بكثير من مسألة البراميل والأسعار. كان الأمر أقرب إلى لحظة فك ارتباط تاريخية بين دولة صاعدة وطموحها المتسارع، وبين منظمة بُنيت على منطق مختلف، في زمن مختلف، وبحسابات لم تعد كلها صالحة لعصر جديد.

من الخارج، بدا القرار بسيطاً: دولة تريد إنتاج نفط أكثر، ومنظمة تفرض عليها سقفاً أقل. لكن من الداخل، كانت القصة أكثر تعقيداً، وأكثر تشابكاً مع الجغرافيا السياسية للخليج، ومع التوتر المتصاعد بين أبو ظبي والرياض، ومع الحرب الإقليمية التي أعادت رسم خرائط الطاقة، ومع سؤال المستقبل نفسه: ماذا يجب أن تفعل دولة نفطية تعرف أن عصر النفط، مهما طال، ليس أبدياً؟

الإمارات، التي أصبحت أحد أكثر المنتجين تأثيراً داخل المنظمة، لم تعد ترى نفسها مجرد عضو في نادٍ نفطي تقليدي، بل لاعباً عالمياً يريد أن يكتب قواعده بنفسه. ولهذا، فإن قرار الخروج لم يكن قرار انسحاب بقدر ما كان إعلان انتقال من مرحلة إلى أخرى.

في جوهر المسألة، كانت الحصص الإنتاجية هي الشرارة الأكثر وضوحاً. خلال السنوات الماضية، ضخت شركة «أدنوك» مليارات الدولارات لرفع القدرة الإنتاجية للدولة، حتى وصلت إلى نحو 4.8 مليون برميل يومياً، مع هدف معلن للوصول إلى خمسة ملايين برميل بحلول عام 2027. لكن داخل “أوبك+”، ظلت الحصة الفعلية للإنتاج أقل بكثير، تدور حول 3.2 إلى 3.5 مليون برميل يومياً فقط، ما يعني أن جزءاً ضخماً من الطاقة الإنتاجية بقي معطلاً بقرار سياسي. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن هذه الفجوة كانت من أبرز دوافع الانسحاب، إذ رأت أبو ظبي أن استمرار القيود يعني تعطيل استثمارات سيادية هائلة بلا مبرر اقتصادي واضح.

في لغة الاقتصاد، هذا يعني أن الإمارات كانت تدفع لتنتج، ثم تُجبر على عدم الإنتاج. وفي لغة السياسة، كان ذلك يعني أن قرارها النفطي لم يعد بالكامل في يدها.

داخل النخبة الاقتصادية الإماراتية، لم يعد يُنظر إلى نظام الحصص بوصفه آلية استقرار جماعي، بل كنوع من «الضريبة الإجبارية» على النجاح الاستثماري. فكل برميل غير منتج لم يكن مجرد رقم مفقود، بل إيراداً ضائعاً، وحصة سوقية مؤجلة، وفرصة استراتيجية تتبخر.

هنا بدأ التباين الحقيقي مع السعودية. فالرياض، التي تقود منظمة”أوبك” فعلياً، تحتاج إلى أسعار مرتفعة للنفط لتمويل مشاريعها الضخمة وتوازناتها المالية و”رؤية 2030″، ولذلك تميل إلى سياسة الخفض والانضباط الصارم للحفاظ على الأسعار. أما الإمارات، التي نجحت نسبياً في تنويع اقتصادها بحيث لم يعد النفط يمثل العمود الوحيد للناتج المحلي، فباتت أقل اعتماداً على السعر وأكثر اهتماماً بالحجم والحصة السوقية.

ببساطة، السعودية تريد سعراً أعلى، والإمارات تريد نفطاً أكثر.

هذا التباين لم يعد قابلاً للإدارة داخل غرفة واحدة إلى الأبد.

ثم جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، لتجعل القرار أكثر إلحاحاً. فمع اشتداد التوتر الإقليمي، وتعثر الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 114 دولاراً لخام برنت، دخلت المنطقة في ما يشبه اقتصاد الطوارئ. في هذه اللحظة، لم تعد البراميل مجرد صادرات، بل تحولت إلى أدوات سيادة، ومصادر قوة، وفرص استثنائية للربح. وقد رأت الأسواق أن أبو ظبي تتحرك للاستفادة من هذه اللحظة، خصوصاً مع توقعات بقدرتها على زيادة الإنتاج فور تحررها من القيود التنظيمية.

الإمارات كانت قد استعدت لهذا السيناريو منذ سنوات. فاستثماراتها في خطوط الأنابيب الممتدة إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب لم تكن مجرد مشروع بنية تحتية، بل جزءاً من تصور استراتيجي لتجاوز اختناق هرمز في لحظة ما. وبينما كانت دول كثيرة ترى المضيق قدراً جغرافياً لا يمكن تجاوزه، كانت أبو ظبي تبني مخرجاً عملياً منه.

لهذا، فإن البقاء داخل “أوبك” في لحظة كهذه بدا من وجهة نظرها كمن يمتلك منفذاً للنجاة ثم يُطلب منه ألا يستخدمه.

النفط في زمن الحرب لا يُدار بمنطق الاجتماعات الدورية، بل بمنطق اللحظة. وكل برميل إضافي يمكن بيعه بسعر الحرب يصبح مكسباً لا يمكن تجاهله.

لكن الاقتصاد وحده لا يفسر القرار. فهناك أيضاً السياسة، أو بالأحرى ما تراكم من توتر صامت بين أبو ظبي والرياض خلال السنوات الأخيرة.

طوال عقد كامل، بدا التحالف الإماراتي السعودي وكأنه العمود الفقري للنظام الخليجي الجديد. تنسيق في اليمن، شراكة في ملفات الإقليم، تقارب في الرؤية الأمنية، وانسجام في مواجهة الخصوم المشتركين. لكن تحت هذا السطح، كانت التباينات تكبر ببطء.

في اليمن، دعمت كل دولة أطرافاً مختلفة. في ملف النفوذ الاقتصادي، بدأت المنافسة بين دبي والرياض تتخذ طابعاً أكثر وضوحاً، من جذب الشركات العالمية إلى الموانئ والاستثمارات العابرة للحدود. وحتى في مقاربة العلاقة مع القوى الكبرى، لم تعد الأولويات متطابقة كما كانت.

ثم جاءت الضربات الإيرانية والتوتر الأمني المباشر، لتكشف شيئاً أعمق: شعور إماراتي بأن الحلفاء التقليديين لم يقدموا ما يكفي.

تقارير دولية تحدثت عن استياء واضح داخل أبو ظبي من ردود الفعل الخليجية، خصوصاً السعودية، تجاه التهديدات التي طالت الإمارات. لم يكن الأمر متعلقاً فقط بالدعم العسكري، بل بالشعور السياسي بأن المصالح الأمنية الإماراتية لا تحظى بالأولوية الكافية داخل المنظومة الخليجية التقليدية. وفي هذا السياق، برز خطاب «الاستقلال الاستراتيجي» بوصفه عنواناً جديداً للسياسة الإماراتية، وهو ما عبّر عنه مسؤولون بارزون بشكل صريح.

النفط هنا تحول إلى لغة سياسية. الانسحاب من “أوبك” لم يكن مجرد قرار إنتاج، بل رسالة سيادية تقول إن أبو ظبي لم تعد مستعدة لإدارة مصالحها الكبرى ضمن سقف يُحدّده الآخرون. ثمة بعد آخر أكثر هدوءاً، لكنه ربما الأهم على المدى الطويل: سؤال ما بعد النفط.

قد يبدو متناقضاً أن دولة تستثمر بكثافة في الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، تختار في الوقت نفسه توسيع إنتاج النفط. لكن هذا ليس تناقضاً في الرؤية الإماراتية، بل هو جوهرها.

الفكرة بسيطة: يجب بيع الأصول النفطية بأقصى سرعة ممكنة قبل أن يفقد العالم شهيته لها.

العالم يتحرك، ولو ببطء غير متساوٍ، نحو الطاقة النظيفة. والسيارات الكهربائية، والاستثمارات المناخية، والتحولات الصناعية الكبرى، كلها تقول إن النفط لن يبقى إلى الأبد سيد السوق كما كان في القرن الماضي. بالنسبة للإمارات، الانتظار ليس حكمة، بل مخاطرة.

النفط لم يعد مشروع المستقبل، بل وسيلة تمويل المستقبل.

من هنا تأتي الاستثمارات الهائلة في الذكاء الاصطناعي، والموانئ العالمية، والسياحة، والخدمات المالية، والطاقة النووية والمتجددة. ليست هذه مشاريع موازية للنفط، بل مشاريع تُموَّل بالنفط، قبل أن يصبح أقل قيمة مما هو عليه الآن.

في هذا السياق، يصبح نظام الحصص داخل “أوبك” عقبة لا حماية. لأنه يبطئ عملية تحويل الثروة النفطية إلى ثروة ما بعد النفط.

ولهذا، فإن الانسحاب لم يكن فقط خروجاً من منظمة، بل خروجاً من فلسفة كاملة تقوم على تأجيل الإنتاج من أجل الحفاظ على السوق، بينما ترى أبو ظبي أن السوق نفسها تتغير بسرعة، وأن من يتأخر اليوم قد يندم غداً.

أما بالنسبة لـ”أوبك” نفسها، فإن الخسارة ليست فقط في البراميل. الإمارات ليست عضواً هامشياً يمكن تعويضه بسهولة، بل أحد أكبر المنتجين، والأكثر قدرة على التوسع السريع، والأقل كلفة في الإنتاج. خروجها يضرب فكرة الانضباط الجماعي التي تقوم عليها المنظمة.

الخطر الحقيقي ليس أن الإمارات غادرت، بل أن الآخرين بدأوا يسألون السؤال نفسه: لماذا نبقى في منظمة “أوبك”.. والسؤال الخليجي الأخطر في المرحلة المقبلة هو سؤال من يبقى في مجلس التعاون الخليجي ومن بات يشعر أنه يُشكّل عبئاً عليه؟

إذا تحولت سابقة أبو ظبي إلى نموذج، فإن “أوبك” لن تواجه فقط نقصاً في العضوية، بل أزمة شرعية داخلية. لأن المنظمة، في النهاية، لا تعيش على النفط وحده، بل على اقتناع أعضائها بأن البقاء فيها أكثر فائدة من الخروج منها.

حين يفقد هذا الاقتناع توازنه، يبدأ التآكل الحقيقي.

لهذا كله، لم يكن قرار الإمارات مفاجئاً كما بدا في العناوين. لقد كان، في الحقيقة، نتيجة منطقية لمسار طويل: اقتصاد يريد التحرر من القيود؛ جغرافيا سياسية تريد استغلال لحظة الحرب؛ سياسة خليجية تبحث عن توازن جديد مع السعودية؛ استراتيجية مستقبلية تريد بيع النفط قبل أفول عصره.

أبو ظبي لم تغادر “أوبك” لأنها لم تعد تحتاجها فقط، بل لأنها باتت ترى أن كلفة البقاء أصبحت أعلى من كلفة الرحيل.

وفي عالم يعاد تشكيله بسرعة، اختارت الإمارات ألا تنتظر نهاية اللعبة، بل أن تكتب قواعدها الجديدة بنفسها.

 * كاتب وباحث
* نشرت بتاريخ 30 نيسان 2026 على موقع | 180Post