سياسة مجتمع

عيد  الأول من أيار: في زمن الحروب والانهيارات.. أي دور للعمال واليسار في إعادة صياغة المستقبل؟

 زكــي طـه             

 بيروت 30 نيسان 2026 ـ بيروت الحرية             

يأتي عيد العمال العالمي هذا العام في لحظة دولية وإقليمية ولبنانية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها النزاعات والحروب المفتوحة مع الأزمات السياسية والاقتصادية البنيوية، وتتراكم فيها الاختلالات الاجتماعية إلى حدود غير مسبوقة. لم يعد الأول من أيار مجرد محطة رمزية لاستذكار تاريخ نضالات الطبقة العاملة ومجتمعاتها، بل تحوّل مناسبة لطرح أسئلة وجودية حول مصير تلك المجتمعات ودور الدولة في بلدانها، وحول معنى العدالة الاجتماعية، وحدود القدرة على الصمود في وجه نظام عالمي يزداد اختلالاً وعنفاً.

على الصعيد الدولي، تتسارع وتيرة الصراعات الكبرى، وفي مقدمتها المواجهة المفتوحة التي تقودها الولايات المتحدة على صعيد العالم حول قضايا المنظمات الدولية والتشكيلات الاقليمية والكيانات السياسية والاقتصاد والاسواق والموارد الاولية والرسوم الجمركية حتى مع حلفائها. ولا يختلف الامر على الصعيد الاقليمي وفي المنطقة العربية، حيث  تشكل اسرائيل اداة اساسية في استراتيجية السيطرة الاميركية، بما يتجاوز حدود النزاعات التقليدية نحو إعادة رسم خرائط النفوذ في الاقليم والعالم على السواء.

وفي السياق تتواصل  الحرب مع إيران، وهي ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل حلقة في صراع أشمل على مصادر الطاقة، ومسارات التجارة، وموازين القوى الدولية. وقد أدت الحروب المرشحة للاستمرار إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية العالمية: تضخم متزايد وكساد، اضطراب في سلاسل التصدير والاستيراد، وارتفاع في أسعار الغذاء والطاقة، وتزايد الفوارق الطبقية داخل المجتمعات. وفي كل ذلك، تدفع الطبقات العاملة والفقيرة الثمن الأكبر، فيما تستمر قوى رأس المال الكبرى في تعظيم أرباحها على حساب استقرار المجتمعات التي تشهد تزايد الحركات اليمينية العنصرية المتطرفة واتساع موجات العداء للمهاجرين.

وفي هذا الاطار، تعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة بوصفها بوصلة الصراع في المنطقة، ولكن أيضاً كضحية مباشرة لتحولات النظام الدولي واختلال موازين القوى. فالحرب الإسرائيلية المستمرة، وما يرافقها من دمار وقتل وتهجير، تجري في ظل عجز دولي فاضح، وتواطؤ صريح أحياناً، يعكس حدود النظام العالمي القائم، وفشله في حماية الحقوق الأساسية للشعوب. وبذلك لم يعد مصير فلسطين منفصلاً عن مصير المنطقة بأكملها شعوباً ومجتمعات وكيانات، بل هو جزء من معركة أوسع تتعلق بالسيادة، والعدالة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وعلى المستوى اللبناني، تزامنت هذه التحولات مع العجز عن درء الانهيار الاقتصادي والمالي المريع، الذي وضع البلاد أمام واحدة من أخطر لحظاتها التاريخية. فالعملة الوطنية مهددة بالعودة إلى متابعة تدهورها، والدولة تعاني من عجز مالي مزمن، والسياسات الضريبية تثقل كاهل الفئات الأكثر فقراً دون أي رؤية إصلاحية حقيقية. والنتائج ارتفاع جنوني في أسعار السلع والخدمات، وتدني الأجور وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع خطير في الضمانات والتقديمات الصحية والاجتماعية.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى انهيار قطاعات أساسية تشكّل ركائز أي مجتمع: التعليم الرسمي والجامعة الوطنية يواجهان تدهوراً غير مسبوق، لا يقتصر على مستوى التعليم، بل يشمل أوضاع الأساتذة والمعلمين والإداريين، والوضع الصحي  في أسوأ حال جراء ارتفاع كلفة العلاج واسعار الدواء، والمستشفيات الحكومية تكاد تعجز عن أداء دورها. الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه أصبحت مجالات استغلال يومي لمافيات الفساد الموازية لأحزاب السلطة التي تتحكم برقاب اللبنانيين.

وتأتي مفاعيل الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان منذ ما يقارب الثلاث سنوات لتضاعف من حجم الكارثة. وقد أدى التدمير الواسع للقرى والبلدات الجنوبية، وما رافقه من قتل وتهجير وطرد للسكان تحت مسمّى النزوح، إلى تعميق الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.  وفيما النهوض الاقتصادي يبقى رهينة الاصلاحات التي لا مكان لها  بين اولويات قوى السلطة، فإن إعادة الإعمار لا تبدو أمراً راهناً في الأفق المنظور، لانها مرهونة  بطبيعة التسويات والاتفاقات التي ستنتهي إليها الحرب القائمة، في وقت تتآكل خلاله مقومات الصمود، وتتوسع مساحة فئات المجتمع التي تنتظر المساعدات للبقاء على قيد الحياة.

في موازاة ذلك، وبعد عقود من التهميش والتفكيك والتطييف والإلحاق بمواقع احزاب السلطة، اصبحت الحركة النقابية العمالية صفحة من الماضي. ولم تعد تملك راهناً القدرة على الفعل، لانها فقدت دورها كمرجعية للعمال والمستخدمين الذي انفكوا عنها على النحو الذي أفقدها صفة تمثيل مصالحهم وإمكانية الدفاع عن حقوقهم، بالتوازي مع تراجع أوضاع الاطر النقابية لدى مختلف القطاعات المهنية.

وبذلك، اصبح غياب إطار نقابي فاعل ومستقل أحد أبرز عناصر الاختلال في ميزان القوى الاجتماعي، لأنه ترك الفئات الشعبية التي تتعرض للاستغلال، مكشوفة أمام ممارسات النهب والإفقار، باعتبارها فريسة سهلة لأحزاب الطوائف التي تتحكم بمصيرها ومستقبلها، وهي التي حولتها ادوات تابعة في معارك الصراع على السلطة.

هذا ما جرى ويجري في ظل نظام سياسي مأزوم، يقوم على المحاصصة الطائفية، ويقطع الطريق على أية حلول جدية، لكنه يعيد إنتاج أزماته استناداً إلى مشاريع الاحزاب الطائفية، على النحو الذي يحاصر مشروع الدولة ويهدد ما تبقى من مؤسساتها، ويشرّع الابواب أمام المزيد من حلقات التفكك والانهيار.

أمام هذا المشهد، وفي الاول من أيار، تتجدد مسؤولية طرح الأسئلة التي تتجاوز حدود التشخيص إلى ضرورة البحث في شروط إعادة بناء الفعل الاجتماعي والسياسي الوطني. كيف يمكن للقوى الاجتماعية، وفي مقدمتها الطبقة العاملة وكل الفئات المتضررة، أن تعيد تنظيم نفسها في مواجهة هذه التحديات؟ وما هي أشكال النضال التي تمكنها من تجاوز مسارات الانهيار والتفكك الراهنة؟

إن تجديد نضالات الفئات الاجتماعية يتطلب أولاً استعادة البُعد التنظيمي، نحو إعادة بناء حركة نقابية ديمقراطية مستقلة، قادرة على توحيد المطالب والدفاع عن الحقوق.  وهذا يتطلب الخروج على مسارات الانقسامات الطائفية والمناطقية التي تشكّل أحد أبرز أدوات إضعاف وتهميش وتفكيك المجتمع، والانتقال نحو بناء وعي وطني جامع يستند إلى المصالح الاجتماعية المشتركة، ويفتح أفق ولادة بديل يتطلّع نحو إمكانية بناء دولة العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون مدخلاً للانقاذ .

إن الأول من أيار، في هذه اللحظة التاريخية، ليس مجرد ذكرى، بل دعوة مفتوحة لإعادة الاعتبار لمعنى النضال السياسي والاجتماعي الديمقراطي، وإلى أشكاله وأدواته. هو مناسبة للتأكيد أن الشعوب، رغم كل ما تواجهه من قهر واستغلال، لا تزال قادرة على الفعل والتغيير، شرط أن تمتلك الإرادة والتنظيم والرؤية.

في لبنان، كما في العالم، لا يمكن الخروج من الأزمة دون إعادة الاعتبار لدور الدولة كضامن للحقوق، ودون تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تضع الإنسان في المقام الأول. كما لا يمكن تحقيق ذلك دون ضغط اجتماعي ومطلبي منظم يفرض هذه الخيارات.

بين الحرب والقتل والتهجير وتسعير الانقسام الاهلي. بين الانهيار والدمار، وبين الاستغلال والأمل، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع القوى الاجتماعية أن تلتقط هذه اللحظة، وأن تعيد صياغة مشروعها، لتكون على مستوى التحديات؟

وفي السياق يتجدد السؤال أين اليسار وماذا بقي من موقع اجتماعي له، وهل بالامكان استعادته، ماذا يفعل وما هو دوره الراهن، وهل باستطاعته الانتساب إلى أزمات البلد  حيث هي، ووفق أي برنامج وبنية اجتماعية فاعلة، بعيداً عن الشعارات الخاوية المعلقة في الفراغ والعجز؟

إن الإجابة على هذه الاسئلة وأمثالها هي التي ستحدد، إلى حد كبير، ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط في لبنان، بل في المنطقة والعالم.