سياسة مجتمع

اميركا وإدارة الصراع المحتدم بدل حلِّه: تفريغ السيادة في سوريا ولبنان وفلسطين

زكـي طـه

بيروت 17 كانون الثاني 2026 ـ بيروت الحرية

شكّل مضمون البيان الأميركي ـ السوري ـ الإسرائيلي، والإطار المُعلن عنه، ومسار العمل المقترح ضمن مندرجاته، نموذجاً متكاملاً لإدارة الصراعات في بلدان المنطقة، بديلاً عن السعي إلى حلّها. وسبق  ذلك مؤتمر دولي ـ إقليميى، أعلن خلاله الرئيس الاميركي خطته  لوقف الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة وتنظيم إدارته.  وقبل أكثر من عام وفي أعقاب مفاوضات غير مباشرة بوساطة اميركية، تم الاعلان عن اتفاق لوقف العمليات العدائية بين لبنان واسرائيل، وتشكيل لجنة مراقبة لتنفيذ القرار 1701 بقيادة اميركية.

والمحصلة الاجمالية وفق الاعلانات الصادرة أن ما يجري على الجبهات الثلاث،  يندرج ضمن منطق واحد يقوم على تعليق القضايا السيادية، وإقصاء السياسة عن جوهر الصراع، وإحلال مقاربات أمنية واقتصادية محلّ السيادة والحقوق الوطنية، على نحو يعيد تعريف وظيفة السلطات القائمة، وحصر دورها بضبط الأمن وتأمين استقرار المجتمع واحتواء التوترات القائمة بين مكوناته.

من الحلّ إلى الإدارة

وبذلك لم يعد الصراع العربي ـ الإسرائيلي يُدار بوصفه نزاعاً سياسياً ـ تاريخياً قابلاً للحل عبر القانون الدولي وحق تقرير المصير، بل جرى تحويله إلى ملف أمني ـ اقتصادي غايته احتواء الصراع ومنع انفجاره. هذا هو التحوّل الجوهري عبّر عنه بوضوح، البيان الأميركي ـ السوري ـ الإسرائيلي وخطة ترامب بشأن غزة وآلية عمل لجنة الاشراف على تنفيذ الاتفاقات مع لبنان: لا سلام تقليدي، ولا تسوية سياسية شاملة، بل إطار دائم لإدارة العلاقة عبر مسارات أمنية واقتصادية، بإشراف أميركي مباشر.

هذا التحوّل لا يستهدف إنهاء الصراع، بقدر ما يسعى إلى تجميده  في ضوء اختلال موازين القوى، وترحيل القضايا الجوهرية المتعلقة بالأرض والاحتلال والحدود والحقوق الوطنية إلى أجل غير مسمّى، بما يضمن استدامة الأمر الواقع وتكيّف الأطراف الأضعف معه وخضوعهم لأحكامه.

تعليق السيادة باسم الاستقرار

في الحالة السورية، تتجلّى المقاربة الأميركية لإدارة الصراع بأوضح صورها. إذ لم يتطرّق البيان المشترك إلى الجولان السوري المحتل، ولم يحدّد أي سقف زمني للانسحاب الإسرائيلي، كما تجاهل القرارات الدولية ذات الصلة، ولم يضع مرجعيات قانونية للصراع السوري ـ الإسرائيلي. في المقابل، ركّز على إنشاء غرفة عمليات أمنية مشتركة، وآليات تنسيق استخباراتي، ومسارات اقتصادية عابرة للحدود.

لم يكن الدور الأميركي في الاجتماعات والمفاوضات المباشرة دور وسيط، بل دور مقرِّر، عبر تصميم الإطار العام، وتحديد وظائفه، والفصل المتعمّد بين ما يُسمح ببحثه الآن، وما يُرحّل إلى أمد غير منظور. ولم يكن اختيار الأردن مركزاً للآلية الأمنية سوى خطوة تمهيدية لتوسيع نموذج الإدارة الأمنية من الحدود السورية ـ الإسرائيلية إلى حدود بلدان أخرى في الإقليم.

وفي السياق ذاته، جرى تقديم المقاربة الاقتصادية عبر طرح نموذج المناطق المشتركة ومشاريع الطاقة والبنى التحتية بوصفها بديلاً عملياً عن الحلّ السياسي، وأداة تهدئة اجتماعية مشروطة، تُستخدم للتغطية على تغييب قضية استعادة السيادة، واستبدال التنمية الحقيقية بإجراءات احتوائية مؤقتة.

 لبنان إدارة غير معلنة

في لبنان، تُطبَّق نسخة غير معلنة من النموذج نفسه. فلا اتفاقات رسمية، ولا أطر مؤسسية مشتركة، بل إدارة غير مباشرة للصراع من خلال لجنة “الميكانيزم” تتولى الاشراف بما يكرّس اختلال التوازن لمصلحة إسرائيل، وتوفّر الغطاء السياسي والأمني للاحتلال والاعتداءات، عبر الضغوط الأميركية والدولية، والاشتراطات الاقتصادية القاسية.

يجري ذلك في سياق التحوّل الذي طرأ على طبيعة الصراع مع إسرائيل بعد حرب عام 2006، من قضية سيادة وطنية شاملة إلى ملف أمني حدودي يُراد احتواؤه وإدارته وفق قواعد اشتباك غير مكتوبة. وكان الهدف منع الانفجار، من دون تحقيق التحرير أو الوصول إلى حلّ سياسي عادل.

وفي هذا الإطار، جرى ويجري الاتفاق على تشكيل لجنة مراقبة وقف اطلاق النار، واستخدام الأزمة الاقتصادية كوسيلة ضغط لدفع الدولة اللبنانية نحو خيارات “الاستقرار بأي ثمن”، وإقفال أبواب النقاش الجدي حول الاستراتيجية الدفاعية ومستقبل الصراع، وربط القضايا السيادية بالوضعين المالي والنقدي، وفق شروط سياسية غير مُعلنة.

وكما جرى الاعتراف بمصير الجولان السوري المحتل واعتباره جزء من الأراضي الاسرائيلية، وغاب راهناً الحديث عن وضعه، ومعه المنطقة العازلة وجبل الشيخ، جرى أيضاً تعليق القضايا السيادية الجنوبية في لبنان، من ترسيم المياه الإقليمية والانسحاب من المواقع الحدودية المحتلة، وصولاً إلى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. وحُصر الصراع بقضية “نزع السلاح غير الشرعي”، على نحو يُراد منه إبقاء لبنان ساحة تُدار الصراعات فيها وعليها، استناداً إلى خلل مستدام في توازن القوى، وإعادة تعريف دور الدولة كجهاز لضبط الامن على الحدود والاستقرار في  الداخل.

 احتلال الضفة والقطاع

وفي فلسطين، يظهر منطق إدارة الصراع بصورة أكثر فجاجة. فمنذ اتفاق أوسلو، جرى تحويل الصراع في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مسألة أمنية ـ إدارية: سلطة بلا سيادة، محاصَرة ومقيّدة، تعتمد على مساعدات اقتصادية محدودة ومشروطة، وتُفرض عليها آليات تنسيق أمني قسري في ظل مصادرة الاراضي وتوسيع الاستيطان، في موازاة رعاية دولية وإقليمية للانقسام الفلسطيني والسياسي والأمني والإداري.

وما يجري اليوم في غزة والضفة الغربية ليس خروجاً على آليات إدارة الصراع، بل ضبط تناقضاتها. ففشل احتواء الصراع أعاد إنتاج العنف بأقصى درجاته، وتحول ذريعة لحرب إبادة وتدمير مفتوحة تستهدف الوجود والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، بحيث بات مطلب الأمن ووقف القتل باسم الاستقرار يتقدّم على الحقوق بما فيه حل الدولتين

في هذا السياق، يتقاطع مضمون البيان الأميركي ـ السوري ـ الإسرائيلي مع بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف حرب الإبادة في قطاع غزة، والانتقال إلى إدارة الصراع عبر تشكيل مجلس “سلام” قائم على الوصاية الدولية ـ الإقليمية بقيادة أميركية، ونشر قوة متعددة الجنسيات لضمان الأمن بمعزل عن قضية السيادة، وتكريس التطبيع مع الاحتلال من دون حلّ سياسي. كما يجري طرح إدارة محلية تتولى ضبط الأوضاع وتنظيم شؤون الإغاثة والخدمات، فيما تُسند مهام إعادة الإعمار والدور الاقتصادي لسلطة الوصاية، بشروط دولية وإقليمية، و”قبول” فلسطيني قسري.

هدف واحد وأدوات متعددة

ما يوحّد الحالات السورية واللبنانية والفلسطينية هو تقاطع أهداف مسارات إدارة الصراع، بعيداً عن محاولة حلّه، والسعي إلى التعايش مع الاحتلال بدلاً من إنهائه، وحصر دور الدولة بضبط الأمن والاستقرار، باعتبارهما أولوية في ظل سيادة منقوصة، بغض النظر عن اختلاف الأدوات بين حالة وأخرى:

في سوريا، آليات أمنية مشتركة برعاية أميركية مباشرة. وفي لبنان، ضغوط مالية، لجنة إشراف مشتركة، وسيطرة اسرائيلية مدروسة. وفي فلسطين، إدامة الانقسام، وسلطة محاصَرة، ولجنة إدارية وحروب دورية برعاية اميركية.

لكن النتيجة واحدة: تفريغ السيادة من مضمونها الوطني والاجتماعي والسياسي، وحصرها في بُعدها الأمني والاقتصادي الضيّق.

 إشكالية دور السلطة 

تُظهر أحوال البلدان الثلاثة أن ما يجري ليس نتاج خيارات سياسية حرّة، بل استجابات قسرية هي نتاج التفكك الداخلي، والانقسامات السياسية، والضغوط الخارجية. والهدف تمرير اتفاقات مؤقتة وترتيبات قسرية تُكرّس اختلال موازين القوى، وتبقي السلطات القائمة خارج إطار إعادة بناء الدولة الوطنية.

ففي سوريا، تُمرَّر ترتيبات أمنية حدودية ومشاريع اقتصادية مشتركة. وفي لبنان، تُدار الخيارات الكبرى في ظل انقسام سياسي وانهيار اقتصادي شامل. وفي فلسطين، يُفرض القبول بوقائع السيطرة والاستيطان وترتيبات الأمن بقوة الاحتلال. ما يعني أن الهدف المشترك هو إنتاج سلطات تصارع للبقاء، وظيفتها ضبط الأمن ودفع المجتمع للقبول بالأمر الواقع تحت راية حماية الاستقرار، وحصر دور الاقتصاد بمنع الانفجار الاجتماعي، بعيداً عن التنمية والعدالة الاجتماعية وحماية الحقوق.

لا شك في أن هذه المسارات قد تنجح مرحلياً في خفض منسوب العنف و تحقيق استقرار مؤقت، لكنها محكومة بإعادة إنتاج أسباب الانفجار على المدى المتوسط والبعيد، لأن الاستقرار لا يمكن فصله عن العدالة، ولا الأمن عن السيادة، ولا الاقتصاد عن التحرّر والتنمية.

تحديات راهنة ومستقبلية

وعليه، تتجدد التحديات المرتبطة بتفكيك آليات إدارة الصراع الجاري تكريسها في ظل السيطرة الاميركية والهيمنة الاسرائيلية، وكشف أهدافها الفعلية، بعيداً عن الشعارات اللفظية. كما ينسحب ذلك على سائر الدول التي تُدار أزماتها وفق المنطق نفسه.

إن التحدي الرئيسي يتمثّل في ربط الاستقرار بالعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، وإعادة الاعتبار لحق المجتمعات في النقاش والمساءلة والمشاركة في تقرير مصيرها، عبر بلورة رؤية بديلة لتبيان حدود الاتصال والانفصال بين المصالح الوطنية الحقيقية في كل من سوريا ولبنان وفلسطين.

فالمعركة الحقيقية ليست بين الحرب والسلام فحسب، بل بين مسارين متناقضين: مسار إدارة الأزمات على حساب الحقوق، ومسار صراع ديمقراطي غايته إعادة بناء الدولة التي تربط الاستقرار بالسيادة، والتنمية بالعدالة، والسياسة بحقوق المجتمع.