سياسة صحف وآراء

أبعد من غرينلاند: مأزق أوروبا

*ناصر السهلي

الضرر لم يعد احتمالاً، بل بات واقعاً مكتمل الأركان، سواء أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على فرض سيطرة مباشرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، أو جرى تمرير الأمر عبر واجهة “محلية” مزيّنة بشعار تقرير المصير. ففي الحالتين، لا تكون الجزيرة القطبية هي المستهدفة، بل ما تبقّى من فكرة الشراكة عبر الأطلسي، وما تبقّى معها من وهم نظام دولي تحكمه القواعد لا شريعة القوة.

أزمة غرينلاند ليست معزولة، بل تأتي في سياق أوسع من التحولات التي كشفتها العقيدة الترامبية، من الحرب في أوكرانيا إلى فنزويلا، مروراً بالحروب التجارية والتدخل في المشهد السياسي الأوروبي. الحلف الغربي، وفي قلبه حلف شمال الأطلسي (ناتو)، يبدو اليوم على حافة ارتباك غير مسبوق، فيما تتحسّس قوى أخرى مواقعها، من تايوان شرقاً إلى البلطيق والدائرة القطبية شمالاً، حيث للصين وروسيا أيضاً حساباتهما للأمن القومي.

في هذا السياق، لا تبدو أوروبا في موقع الصدمة فقط، بل في موقع العجز. فالحليف الأميركي الذي اعتادت عواصمها، وعلى رأسها كوبنهاغن، مراعاته، تحوّل إلى مصدر القلق الأبرز، رغم تاريخ طويل من الاصطفاف خلف سياساته وحروبه. ويتفاقم هذا الشعور مع خطاب أميركي يستخف بالنخب الحاكمة الأوروبية ويصوّرها على أنها قوى ضعيفة ومترددة، مقابل تفضيل صريح لليمين القومي الصاعد، من فيكتور أوربان إلى مارين لوبان و”البديل من أجل ألمانيا”، وغيرهم.

ولا تقتصر الضغوط الأميركية على القوة العسكرية المباشرة، كما في فنزويلا، بل تمتد إلى أدوات أكثر التفافاً، كما في غرينلاند، حيث يحذّر خبراء أوروبيون من محاولات استمالة سياسية واقتصادية بذريعة “التحرير” من الوصاية الدنماركية. غير أن هذه السردية تصطدم بريبة عميقة من واشنطن، التي يصعب تسويقها “منقذاً” في منطقة لم تنس إرث التدخلات الأميركية وكلفتها البشرية الثقيلة.

بهذا المعنى، لا تمثّل غرينلاند مجرد خلاف جغرافي أو سياسي، بل مؤشراً على تحوّل أعمق في النظام الدولي، تتراجع فيه لغة الشراكة لصالح منطق النفوذ وفرض الوقائع بالقوة. وأمامه، تجد أوروبا نفسها بمواجهة سؤال وجودي حول صون سيادتها ومكانتها في عالم تتبدل قواعده بسرعة.

الأمر، في جوهره، ليس معقداً: “الترامبية” تختبر الجميع بمنطق القوة العارية، وتقصي من يعجز عن الرد كأنه خارج المعادلة. هكذا تجد أوروبا نفسها، من فلسطين وأوكرانيا إلى أميركا اللاتينية فغرينلاند، في مواجهة سؤال واحد: هل لا نزال لاعباً فاعلاً… أم مجرد ساحة؟

*شرت في العربي الجديد بتاريخ 09 كانون الثاني / يناير 2026