مجتمع

ملاحظات أولية حول أزمة التغيير وشروط تحقيقه

د. بول طبر 

إن ما يرتكب الآن بحق الشعوب العربية في فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا والأردن الخ… من منظور الأوضاع الداخلية لهذه المجتمعات، على يد نتانياهو وحكومته وترامب وفريقه، إضافة إلى تواطؤ الحكومات الأوروبيّة، لا يشير فقط إلى أعطاب أساسية عند الاحزاب والسلطة الفلسطينية، وأنظمة الدول العربية، إنما أيضاً إلى أعطاب أساسية تعاني منها “الشعوب” العربية في قيمها وانتظامها الجماعاتي (وفق معايير أهلية-عصبوية)، وتطلعاتها التي لا ترقى إلى مستوى مصالحها الوطنية، ولا إلى مستوى التصرف بصفتها شعوب وطنية تتألف من مواطنين ومواطنات، بدلاً من التصرف كأتباع لمجموعات أهلية ومذهبية وجهوية. لذلك لم نشاهد تحركات احتجاج فعلية ونزول للشعوب في البلدان العربية إلى الشوارع للتظاهر ضد ما يحدث لها ولدولها ووجودها بالذات.

يبدو  إننا نعيش أزمة دول وأنظمة ونُخب ومجتمع في الوقت نفسه، الأمر الذي يطرح علينا الكثير من الأسئلة، ومنها السؤال عن الأسباب العميقة لهذه الحالة التي نمر بها.
وفي سياق الجواب عن هذا السؤال من جانب الوعي الفكري لهذه الأزمة، لا بد من الإشارة إلى أن الكثير من الباحثين والمفكرين العرب، أظهروا في العديد من كتاباتهم الحاجة المنطقية لتبني التفكير الحر والعقلاني، ونبذ النظرة الميتافيزيقية والدينية المتحدرة من القرون الوسْطى، كشرط ضروري لدخول مجتمعاتنا عصر  الحداثة والتحديث. من حيث المنطق والتحليل النقدي-العقلاني، هذا قول صحيح وضروري، أنما الغائب في هذا الطرح هو تبيان الشروط الاجتماعية والاقتصادية، وإظهار القوى التي لديها المصلحة في تبني المنظور العقلاني، أي الثقافة والقيم التنويرية للانتقال الفعلي إلى عصر الحداثة والتحديث. ومع توفر هذه الشروط واجتذاب القوى الإجتماعية التي تتماهى مع هذا الطرح، ننتقل من حيز الثقافة والتمنيات لدى المثقفين النقديين إلى مستوى الفعل السياسي، والتنفيذ الملموس لمشروع انتقال مجتمعاتنا إلى مرحلة التطور والحداثة وبناء الأوطان والأنظمة المدنية. بكلام مختصر، نحن بأمس الحاجة إلى المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي الذي يفسر العالم من حوله ليسعى إلى تغييره بالتوجه إلى القوى المعنية بهذا التغيير.

واذْ نسجل اهمية، لا بل لزوم، أن يتناول المثقف والمفكر النقدي الحاجة المنطقية والتعليل النظري لنبذ الثقافة الأهلية والقيم الماورائية والدينية القرو- سْطوية، وأن يظهر أيضاً مصلحة القوى الاجتماعية والفئات الطبقية في أن تتبنى المُثل والمباديء التي يدعو إليها، وعلى رأسها بناء مجتمع المواطنة والدولة الديموقراطية والعادلة، فإننا في الوقت ذاته لا نعتقد ان هذه القوى والفئات هي بانتظار مجرد دعوتها للتغيير، لكي تتقبله فوراً وتنبذ وتتجاوز قيمها الاهلية والدينية المتخلفة، وسلوكها الداعم والمبرر لتخلفها واستغلالها والسيطرة عليها.
إن اللحظات التاريخية التي تصبح فيها هذه الفئات مستعدة لتثور على أنظمة التخلف والاستغلال والاستبداد هي لحظات نادرة، وغالباً ما تُقمع بشراسة مما يدفع المنتفضين والثائرين الى الانكفاء عن مشروعهم التغييري لصالح الإبقاء على النظام القديم وثقافته المتخلفة.

لا شك أن النخب الواعية لضرورة التغيير غير قادرة لوحدها أن تنجز الاهداف المرجوة بمجرد الكتابة عنها، وهذا ما اشرنا إليه في الأساس. لذلك كان لا بد لها من التواصل مع اصحاب المصلحة في التغيير لكي تساهم في تحويلها إلى كتلة وازنة ومطالبة بالتغيير، بالمعنى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للكلمة، أي لا بد من ظهور “المثقف العضوي” بالمعنى الغرامشي لإنجاز هذه المهمة.

هذا اولا وثانياً، إن اقتران التواصل المشار إليه مع اختبار “مساويء” النظام القائم والكشف عنه (دول مستبدة ولا تحترم مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع، إقتصاد مأزوم لا يوفر العيش الكريم والعمل الدائم، إلخ.) قد يدفع بضحايا النظام لتقبل فكرة تغييره، ودعم أو الإلتحاق بالأحزاب التي تدعو إلى الثورة عليه. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة أيضاً إلى لزوم الابتعاد عن الاعتقاد الواهم بأن اصحاب المصلحة “الموضوعية” في التغيير هم دائماً مستعدون “ذاتياً” للعمل من اجل ذلك خدمة لمصلحتهم ولتقدم المجتمع. ان الانتقال من حالة الاستكانة والاستسلام والاعتقاد بشرعية الطاعة لمن يستغل المظلوم ويسيطر عليه هي عملية معقدة وليست سهلة وبسيطة وتحدث وفق منطق ميكانيكي وخط بياني صاعد.
إن الابتعاد عن الاعتقاد الساذج بـ “طهارة” و”نقاوة” المظلومين والمسْتَغَلين، واستعدادهم الدائم والفوري ليثوروا على الظلم والإستغلال، والعمل الجاد على نبذ هذا الإعتقاد يكتسب الاهمية ذاتها التي ينبغي إعطائها لدور المثقفين والمفكرين في نشر التحليل المنطقي والحجج العقلية والأخلاقية، وترجمتها سياسياً بواسطة نشوء احزاب سياسية تمثل القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة للدخول سياسياً في عصر التنوير، وتبني ثقافته المتجسدة بدولة المواطنة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية.
وختاماً، لا بد من التأكيد على ضرورة تأمين النظام الديموقراطي بما يتضمنه من شرعية التمثيل السياسي المتعدد، وتنافس القوى التي تجسد هذا التمثيل ليشكل الشرط الضروري والضامن لعدم الانتكاس السياسي إلى الديكتاتورية والاستبداد السياسي بمختلف أشكاله.