د. زهير هواري
لنتوقف عند يوم عادي في حياة سكان قطاع غزة. يوم روتيني كأي يوم من أيام أسبوع مضى ومرَّ، أو ذلك الذي سيأتي بعد يوم أو يومين أو عشرة أيام لا فرق. الاختلاف الصارخ والدراماتيكي بين إيقاع الأيام لا وجود له، فهي متشابهة تقريباَ من جهة المعاناة. لنلخص تلك الوقائع المعاشة على النحو الآتي: قصف مدفعي وجوي واطلاق نار يقود إلى مجزرة هنا وثانية هناك. والشغل الشاغل لأبناء غزة هو المسارعة للملمة جثث ذويهم بعد العثور عليهم بين الأنقاض والركام وما يسمى أثاثا مبعثرا. ثم بعدها ما على الغزاويين سوى أن يلفوا أحبتهم، اطفالا واولادا وشبابا ورجالا ونساء بالأكفان البيضاء. أكفان بمواصفات ومقاسات مختلفة: صغيرة للاعمار الصغيرة ومتوسطة للأولاد والبنات، وكبيرة للرجال والنساء. يرصفونهم على الرمل أمام ما تبقى مما كان يسمى مستشفى، ويصلّون عليهم صلاة الموتى، ثم يحملونهم إلى مدافن كيفما اتفق ، فقط يزيحون الرمل بأيديهم ومجارفهم ويطمرونهم. الموت، الموت هو البرنامج اليومي الذي لا يتغير ولا يختلف بين القرية والمدينة والمخيم والمخيم.
وهذا جزء من البرنامج اليومي، ويبقى من اليوم ساعات مقتطعة لتنفيذ أوامر الرحيل أو الترحيل من هذا المكان إلى ذاك. وما على الأهالي سوى حمل ما يملكون من اسمال ثياب مهترئة وأغراض متهالكة، أو وضعها على عربات “الكارو” التي تجرها الحمير والبغال والأحصنة، التي كادت حوافرها تهترئ لكثرة ما راحت جيئة وذهابا بين شمال وجنوب القطاع الصغير طولا وعرضا. أما من يقرر البقاء فيتحمل مسؤولية موته المعلن على رؤوس الأشهاد والخرائط، التي تبثها وزارة الدفاع الاسرائيلية وتحدد بموجبها عبر مربعات ومثلثات حمراء مناطق الاستهداف. ومن يبقى فيها ميت ومن يغادرها أيضا. الموت من أمامكم وورائكم وفوقكم وتحتكم.
كل هذا جزء من اليوميات العادية. لكن ما يضاف إلى هذا الروتين هو الموت من الجوع. ليس الجوع العادي الذي تشعر به وأشعر به عندما نتأخر عن موعد وجباتنا صبحا وظهرا ومساءً. ففي قطاع غزة لم تعد تتلقى إشعار موتك بسرعة طلقات الرصاص، حتى ولو كنت على مقربة من مركز قيل لك إنه سيوزع عليك الطحين والملح والطعام، فتلوك في فمك ما تقتات به بعد أن سبق ونسيت مذاق الخبز.
لا يطمح الغزيّون إلى طعم “المن والسلوى”، ولا إلى اللحوم الدسمة طازجة أو معلبة، والأجبان والالبان والحبوب على اختلاف أنواعها ومسمياتها. الولد الفلسطيني الذي وضع في فمه قبضة من الرمل تعبيرا عن فقدان ما يقتات به، كان يقارن بين كثافة كثبانه في الديار العربية وندرة اللقمة التي تحفظ حياته. الرمل وحده يطغى على المشهد ويصر تحت الاضراس التي تتفتت لكثرة ما طحنت من الوجع والقهر خلال هذين العامين وقبلها وقبلها ولا من معين أو مجير.
يوم في حياة غزة
أخترنا مطلع الأسبوع الجاري، أي يوم الاثنين الذي حمل في الروزنامة تاريخ 21 / 7 / 2025. لنقرأ ما حملته الأخبار عنه. تقول الوقائع أنه قضى نحبهم خلاله 134 شهيدا وأصيب 1155 جريحا. الموتى موتى، ولكن كم من الجرحى سيموتون نتيجة فقدان الأدوية والخدمات الطبية لا نعلم. لكن رقم الـ 134 يحتاج إلى تدقيق أيضا، فمنه هناك 67 استشهدوا أثناء انتظارهم الحصول على حصتهم من مراكزالمساعدات في شمال القطاع التي تديرها وحدات عسكرية إسرائيلية – أميركية والتي باتت معروفة باسم مصائد الموت. يضاف إليهم 6 بالقرب من نقطة إغاثة جنوبي القطاع. الحصيلة الإجمالية هي 73 وفاة للحصول على ما يقيم الأوَد. والفلسطيني يوميا لا يحصل على حصة من الطعام، بل على حصة من الموت!
الأرقام الإجمالية تقول إن العدد الكلي للضحايا في القطاع يومها خلال قرابة العامين بلغ حوالي 59029 ويضاف إليهم 142135 جريحا. أيضا هذا العدد من القتلى والجرحى يحتاج إلى تدقيق. فمن هؤلاء هاك 1021 شهيدا وأكثر من 6511 جريحا هم من الجوعى الذي سقطوا أو أصيبوا خلال سعيهم الحصول على الطعام. أيضا خلال الـ 24 ساعة التي نتحدث عنها توفي 18 شخصا من جرّاء الجوع. هؤلاء الأشخاص هم من الأطفال والرجال والنساء. يقول أحد المذيعين أنه وعائلته لا يحصلون كل 24 ساعة الا على وجبة طعام واحدة. نساء وأطفال ورجال يتحدثون بانكسار عن اذلالهم باللقمة او بالموت من الجوع. قبل العدد الأخير كان هناك 71 طفلا قضوا بسبب سوء التغذية. بينما هناك حوالي 60 ألف طفل يعانون من أمراض مشابهة. وسوء التغذية ليس مرضا طارئا أو مزمنا يحتاج إلى علاج. والدواء الوحيد له ليس سوى الطعام الذي تحتجزه العنصرية الصهيونية بموافقة أميركية، وتمنع وصوله إلى المحتاجين إلى ما يبل ريقهم من طعام أو ماء أو حبة دواء. ويخبرنا رئيس الأركان الإسرائيلي المدعو أيال زامير أنه اقترح على القيادة السياسية معاودة احتلال مخيمات وسط القطاع ومدينة غزة، على أن يترافق ذلك مع شن غارات جوية لتقليص إصابات الجنود. ويدعي الجيش الإسرائيلي أن المرحلة الجديدة التي أشار إليها زامير تتماشى مع إنجازات “عربات جدعون”، وهي العربات التي تفلح القطاع بالطول والعرض وتبيد كل من وما تصادفه في طريقها من بشر وحجر.
كل التصريحات التي تدين سلوك الإبادة الإسرائيلي التجويعي الصادرة عن دول أوروبا الغربية والأمم المتحدة والمنظمات الدولية لا تعني شيئا للقيادة اليمينية العنصرية التي ضغطت بيدها على زر اطلاق قرارات الجريمة من عقالها. وعليه تتابع عملية تجفيف شرايين الحياة في عروق أطفال وأولاد ونساء ورجال فلسطين دون رفة جفن. ثم إن من يرفع صوت الإدانة مهما كان انتماؤه، ليس سوى معاد للسامية ويعمل في خدمة إرهاب حماس ومواقعها فوق الأرض وتحتها. أما أولئك الذين يرسلهم جيش الاحتلال وآلة حربه يوميا إلى المقابر فلا يستحقون الحياة أصلا بموجب التعاليم والوصايا التلمودية القديمة والمحدثة منها.
لبنان الذي لا نعرفه؟
لم تتحرك تظاهرة عليها “القيمة ” نصرة لجوع أطفال ونساء ورجال غزة في لبنان، وفي سواه من البلاد العربية، خلافا للعواصم الغربية التي تظاهرت رفضا لهذا الانتهاك لحرمة الحياة الآدمية. وهذا لم يتعوده اللبنانيون لا حيال فلسطين ولا الموزامبيق. يحدث هذا بسبب الموت السياسي والإنساني، وليس لأن أجيال لبنان اليوم لم تسمع بما ردده أجدادها عن المجاعة التي ضربت جبل المتصرفية بين الأعوام 1915 – 1917 وقادت إلى موت 200 ألف مواطن من أصل 400 ألف هم إجمالي سكان الجبل. ففي العام 1915 غزا الجراد البلاد فالتهم كل ما هو أخضر وقشَّر الشجر وقضى على النباتات والزراعات. ثم اكتمل المشهد عندما منع الحلفاء وصول بواخر القمح من البحر إلى لبنان، وبادر جمال باشا بدوره لقطع الطريق على قوافل القمح برا من حوران وسهول سوريا. وكي يكتمل المشهد قام التجار بإخفاء القمح ورفع أسعاره. فكانت النتيجة أن تساقط الناس موتى بالعشرات والالوف في طرقات المدن والقرى. وفي كل صباح كانت طنابر وعمال يجوبون الطرقات يلمون ما يعثرون عليه من جثث وينقلونهم إلى المقابر. يتكرر المشهد نفسه في اليوم التالي والذي يليه وهكذا. صور المجاعة في أرشيف لبنان مرعبة، والمشاهد التي لم تجد عدسات تلتقط صورها تكفلت الاقلام بتسجيل الكوارث التي ألمت بالناس، ووصلت حدود أكل لحوم البشر الموتى والحيوانات النافقة.
وصلت أصداء الكارثة إلى المغتربين في اميركا الشمالية والجنوبية ومصر، وكانت السبل للنجدة متعذرة، أن لم يكن على نحو كامل فعلى الأقل على نحو شبه كامل. كل هذا والموتى يتساقطون حتى أن بعض القرى فقدت معظم سكانها. المغتربون بادروا للتعبير عن وقوفهم إلى جانب ذويهم. ليس من وظيفة هذه العجالة رصد الرسائل والمقالات التي حملت اضطراما في دواخل اللبنانيين المغتربين. يكفي أن نستعيد بعضا من أبيات قصيدة جبران خليل جبران التي غنتها السيدة فيروز ولحنها الأخوان الرحباني وهي بعنوان “مات أهلي”:
مات أهلي
رحل أهلي وبقيت وحيدا
أرثيهم في عزلتي
مات أصدقائي وصارت حياتي في موتهم كارثة عظيمة
غمرت الدموع والدماء تلال بلادي
فأهلي وأحبائي رحلوا وأنا هنا
أعيش كما عشت عندما كان أهلي وأحبائي ينعمون بالحياة وخيراتها…
مات أهلي جوعا ومن لم يهلك من المجاعة ذُبح بالسيف..
ترى ماذا يختلف الوجع الذي تحمله أبيات جبران في هذه الكلمات عن ذلك الذي عبر عنه أطفال ونساء ورجال غزة. مع ذلك نكتفي بهز اكتافنا وكأن ما يحدث لا يعنينا لأنه لم يذق آباؤنا وأجدادنا طعمه الدموي المر.
