صحف وآراء مجتمع

ما نفع البيت بلا كرم الزيتون؟

* ريّاسة اسماعيل    

وحدي في سريري، في شقّة صغيرة في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، أقرأ رواية ”أغنية لمارغريت“ للروائيّة اللبنانية لنا عبد الرحمن.

من شخصيّاتها المحوريّة ”زينب“، التي تعيش تجربة الهروب من حرب تمّوز (يوليو) 2006. أصل إلى مشهد تقول فيه: ”لقد قطعوا أغصان شجرة التوت“. أتأمّل، وأدوّن: ”أحنّ إلى توتة جدّتي في بيت ليف، إلى أصدقائي، إلى السهرات، إلى المشاوير في الضيعة“.

ماذا يفعل الغياب بنا؟

وأتابع ”لا حرب هنا، مجرّد وباء يعزلنا عمّن نحبّ، عمّا نحبّ. ومع ذلك، يبقى الخوف من الحرب فينا؛ كأنّه احتمالٌ دائم، أو ذكرى لم نعشها بعد. هذا الوباء يفعل فينا ما قد تفعله أصوات القذائف. يظلّ الأموات أمواتًا، سواء كان السبب قذيفة، أو حبًّا، أو شدّة البرد“.

تتحدّث زينب في الرواية عن فقدان جزء من المشهد بعد قطع شجرة التوت، وتقول: ”لم يكن هناك ما ينبئ بأنّنا بعد أيّام سنصبح مثل شجرة التوت المقطوعة الأوصال، أوراقنا مقصوصة وملقى بنا في الخارج“. وتضيف: ”كما لو أنّ وحشًا عملاقًا يضع يده الضخمة عند كاحلي، يهزّني من تربتي، يقتلع جذوري، ثمّ يُلقيني إلى الأرض، ويقهقه ساخرًا حتّى تهتزّ الجبال“.

بكيتُ وأنا أقرأ، على رغم أنّني لم أدرك يومها معنى الغربة والعزلة والبحث عن الذات كما فعلت زينب. كنتُ طفلة، وجلّ ما أعرفه عن الحرب أنّهم قطعوا الطريق بيني وبين البيت. لم أكن أعرف يومها أنّني لا أبكي على شجرة توت في رواية، بل على شيء سيُؤخذ منّي لاحقًا.

بعد توغّل قوّات العدوّ الاسرائيليّ إلى ضيعتي بيت ليف ونسف بيوتها وحرق كرومها، ثمّ جرفها واقتلاع الشجر. رأيت بأمّ عيني 26 عامًا من تراكم الذاكرة يتمّ محوها بجرّافة، البيت والذكريات والكرم، والشرفة التي أجلس عليها كلّ صباح منذ 12 سنة.

كنّا صغارًا ننتظر موسم الزيتون من سنة إلى متدّة، وكان الموسم بالنسبة إلينا عيدًا.

بعد التحرير 2000

عاد أهلي إلى ضيعتي بيت ليف في الجنوب مع كلّ العائدين. لي صورةٌ لا يتعدّى عمري فيها الشهرين في الڤان إلى الضيعة، وصورةٌ أخرى بعد سنة، في كرم الزيتون، أحبو فوق الحصيرة، وصورةٌ ثالثة أنام فيها ملء جفوني تحت الزيتونة، إلى جانب ”الزوّادة“ وأكياس الزيتون المعبّأة بعناية، كلّ ثلاثة أمداد في كيس، جاهزة للنقل إلى المعصرة.

زرع جدّي الكرم، ورصّ حيطانه، وقسّمه إلى ”جلالي“ بيديه العاريتين بعد التحرير مباشرة، وهو الذي كان مُبعدًا من أرضه وبيته في ظلّ احتلال إسرائيل للضيعة. زرع نحو 40 زيتونة بلديّة، و10 شجرات تين، وثلاث دوالي عنب.

كنّا صغارًا ننتظر موسم الزيتون من سنة إلى سنة، لنجتمع في الكرم مع أفراد العائلة الممتدّة، وبخاصّة القاطنين في بيروت. كان الموسم بالنسبة إلينا عيدًا. نحدّد الأدوار ونبدأ العمل، وغالبًا ما كان نصيبنا فصل الحبّات عن الأوراق. وعند آذان الظهر، نتوقّف للصلاة و“الترويقة“: مناقيش ولبنة بلديّة مع زيت وزيتون. ثمّ تمرّ السنة ونحن ننتظر الموسم التالي، نخطّط للاعتناء بالكرم: تشحيله، وفلحه، وتسميده.

عصفور الشمس الفلسطينيّ

في العام 2014، عمّرنا بيتنا إلى جانب الكرم، وصرت أستيقظ كلّ صباح على مشهدٍ يخصّني وحدي. في الربيع والصيف أتشاركه مع عصفور الشمس الفلسطيني (تمير فلسطين) الذي يتنقّل من زهرة إلى أخرى، والبلابل التي تحتفظ بأعشاشها من عام إلى آخر، والهدهد.

أمّا في الشتاء، فأقف على الشرفة كمن يتفقّد طفلًا نائمًا، أراقب المطر وهو يهطل رويدًا رويدًا فوق الأوراق، ويحطّ اليمام ويطير اليمام.

في معظم أيّام تموز ندىً، كان جدّي يسابق الشمس ليصل إلى الكرم، يقطف سلالًا من التين، يوزّعها على الجيران وأولاده، يرسل منها إلى بيروت، ويترك الأعالي للعصافير. وبعد وفاته، ظلّ الكرم ذكرى حيّة ومنتِجة.

ما زلت ألمح طيفه ينتظر ”ميّ الدولة“ ليسقي الشجر، وفي أوقات انقطاعها، يملأ السطل (الدلو) من البرميل، ويسقي الكرم شجرةً شجرة. تابعت أمّي ما كان يفعله جدّي، تحمل سلّته، وتسابق شمس الأصيل لتقطف التين على ”برودة“، فتوزّع للجيران وللأهل، وتترك الباقي للعصافير.

قلق وجودي

نصنع معقود التين، ونجفّف الكوز المفتوح، وما ”استوى كثيرًا“ نصنع منه دبسًا. بقيت ثماره تجمعنا، على رغم المسافات، مصدرًا للرزق غير المشروط، وكان الزيتون المتراصف على طول الجلّ امتدادًا لماضٍ رفض الاحتلال، ولحاضرٍ يدعونا إلى التمسّك بالأرض والجذور.

كنتُ دائمًا ممتنّة، وفي أعماقي شعورٌ خفيّ بأنّ ما أحبّه وآلفه قد يُسرق منّي يومًا، ذلك القلق الوجوديّ الذي يولد مع الطفل العامليّ، في ظلّ وجود الاحتلال إلى جوارنا. لكنّني لم أتقبّل يومًا أنّ هذا المشهد، بكلّ تفاصيله الصغيرة – العصافير، التين، وأكياس الزيتون- يمكن أن يتحوّل، في لحظة، إلى ذاكرة. وأن ما ورثناه حيًّا، قد نُضطرّ يومًا إلى أرشفته… كحكاية.

نزوح 2026: جرفوا كرم الزيتون

في عاليه (جبل لبنان)، محطّة نزوحـي الحاليّة، أفتح خريطة المسح الجوّيّ لقريتي بيت ليف، أسلك طريق الحارة، أصل إلى مفرق البيت، فأجد أنّ غارةً حرقت جزءًا من كرم الزيتون. لم أستمرّ في سحب الخريطة لأبحث عن البيت. ما نفع البيت بلا كرم الزيتون؟ ما نفع الشرفات صباحًا إن لم تطلّ على الزيتون والتين؟

ثمّ بدأ سريان وقف اطلاق النار، لكن ضيعتي صنّفت ضمن الخطّ الأصفر. لا عودة لي الآن، إذ إنه منذ اليوم الأوّل للهدنة دخلت الجرّافات وجرفت كلّ شيء. لم يكتفوا بنسف البيت وحرق الشجر، بل جرفوا واقتلعوا ما يمكن اقتلاعه. بكيتُ، وتذكّرتُ زينب بطلة الرواية.

الآن أفهم معنى أن يُحرق المشهد، وأن تتغيّر معالم الصباح. أن يُجرف الكرم يعني أن يأتي تمّوز بلا تين ولا عنب، وتشرين بلا زيتون، وأن يختفي عيدنا الخاصّ وطقس المواسم. يعني أنّ جدّي لن يعود من أبديّته كي يزرع لنا مرّة أخرى. وأنّنا لن نعود أطفالًا نلهو ونركض ونترك ظلالنا معلّقة على الحيطان.

جرفت آلة الدمار بصوتها صدى ضحكاتنا التي حفظتها الأرض لنا، داست فوق آثار أقدامنا الطريّة على العشب. تقول زينب في الرواية: ”كيف لم أعرف أنّ الصباح لن يأتي بعد أن قطعوا التوتة؟“. ليس لأنّ الحياة توقّفت عند اقتلاع الشجر، ولا لأنّ الفجر لن يبزغ من جديد مفتقدًا البلابل، وصلواتنا. بل لأنّهم حاولوا سرقة الكرم منّي، وسلب الغار من العصفور، ومحو المشهد بكلّ تفاصيله الصغيرة.

شرشف أبيض بين تينة وزيتونة

تلك التفاصيل التي تعرّف عنّا، وعن عاداتنا، وذكرياتنا، وأحلامنا، وارتباطنا بأجدادنا. فلا معنى للصباح إن لم نجلس عصرًا مع العائلة في الدار قبالة الكرم، نتأمّل الأغصان وهي تتمايل، ونترقّب أيّ زيتونة ستمنح أكثر في الموسم القادم. وما نفع صباحات الصيف إن لم نحمل السلال، ونتنقّل من تينة إلى أخرى، نقطف ونقطف حتّى تدبّق أيدينا من حليب التين، ونتبادل النمائم، ونلتقي بالجارات عند جانب الطريق، نضع في أطراف عباءاتهنّ ”كوزًا للصبحيّة مع فنجان القهوة“، وتستمرّ النهارات؟

أنظر بحسرة إلى الصورة المأخوذة من السماء بعين الجماد، وأبكي. ليس لأنّنا لن نستطيع إعادة الكروم والديار مرّة أخرى، بل لأنّي رأيت يومًا خريطة التعب في وجه جدّي، في وجه أهل قريتي. خريطةً لا تفهمها إسرائيل، ولا تستطيع قصفها، ولا تقسيم حدودها، ولا التوسّع فيها، ولا احتلالها. وما لا تعرفه إسرائيل أيضًا أنّ في الدوّارة جنب البيت شجرة زعرور. زرعتها أوّلًا جدّة أبي منذ ثمانين عامًا، قُطعت مرّة، ثم نبت لها غصن، فاعتنت بها أمّي حتّى صارت شجرة من جديد.

والآن ما زالت جذورها في التراب… ستنبت مرّة أخرى، ونعتني بها، فتصير شجرة. نعمّر إلى جانبها منزلًا آخر، ونعاود وصل خيوط الذاكرة. وسنزرع زيتونًا وتينًا، ونُحيي ذكرى جدّي، وشهداء الضيعة. ليس لأنّنا سننسى ما هُدّم، بل لأنّنا نعرف جيّدًا كيف نتذكّره. ولأنّنا مثل كلّ الأشجار في بلادنا، لنا جذورٌ لا يمكن أن تموت.

* نشرت بتاريخ 27 نيسان 2026 على موقع مناطق.نت