د. سعيد عيسى*
مع بداية شهر آب/ أغسطس 2026، بدأت الصين تشغيل حاويات موسمية منتظمة بين نينغبو الصينية وفليكستو البريطانية عبر طريق بحر الشمال، في خطوة أعادت تسليط الضوء على ما يُعرف بـِ “طريق الحرير القطبي” بوصفه أحد أكثر مشاريع النقل البحري جرأة في العصر الحديث. ومع هذا التطور، لم يعد القطب الشمالي مجرد مساحة جليدية بيضاء تفصل روسيا عن أميركا الشمالية وأوروبا، ولا مجرد قضية بيئية مرتبطة بارتفاع حرارة الأرض وذوبان الجليد. ففي السنوات الأخيرة، بدأ يتحول إلى أحد الميادين الجديدة التي تتقاطع فيها التجارة والطاقة والجغرافيا السياسية، لينتقل بذلك المشروع من مستوى الرؤية الاستراتيجية إلى الاختبار التجاري الفعلي.
طريق بحر الشمال في الأساس ليس ممراً صينياً، إذ يقع الجزء الأكبر من مساره بمحاذاة الساحل الروسي، وتدير موسكو الملاحة فيه وتتحكم في تنظيم التصاريح والخدمات القطبية وكاسحات الجليد. لكن بكين أدخلته منذ سنة 2018 ضمن تصورها لـِ “طريق الحرير القطبي”، باعتباره امتداداً بحرياً لمبادرة الحزام والطريق. لذلك، فإن ما يجري اليوم لا يمثل اكتشاف الصين طريقاً جديداً، بل انتقالها إلى مرحلة اختبار إمكانية إدماج القطب الشمالي في شبكة التجارة العالمية التي تعمل على تنويعها.
بديل قناة السويس
تكمن أهمية الممر في أنه يختصر المسافة واختناق الممرات معاً. فالسفن القادمة من شرق آسيا، بدلاً من المرور عبر مضيق ملقا والمحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، تستطيع أن تتجه شمالاً عبر مضيق بيرينغ، ثم تسلك الساحل القطبي الروسي وصولاً إلى شمال أوروبا. وفي بعض الحالات، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقليص المسافة والزمن في آنٍ معاً.
لكن اختزال المشروع في توفير أيام من الرحلة سيكون قراءة ناقصة. فالصين لا تبحث عن بديل لقناة السويس بقدر ما تبحث عن بديل عند تعطل القناة. لقد كشفت الاضطرابات في البحر الأحمر وباب المندب والحروب والتوترات في الممرات البحرية أن التجارة العالمية تعتمد على نقاط اختناق يمكن أن تتحول في وقت قياسي إلى أدوات ضغط جيوسياسي.
لذلك باتت قيمة الممر القطبي مرتبطة بما يمكن تسميته بـ”البديل اللوجيستي الاحتياطي”، وهو امتلاك طريق آخر عندما يصبح الطريق الرئيسي مكلفاً أو خطراً أو خاضعاً لاضطراب سياسي.
وهذا جزء من استراتيجية صينية أوسع لتنويع الجغرافيا التجارية. فالممر الأوسط يوفر طريقاً برياً عبر آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا، وممر التنمية العراقي يطمح إلى وصل الخليج بأوروبا عبر العراق وتركيا، فيما يوفر طريق بحر الشمال خياراً بحرياً شمالياً. فالصين، بهذا المعنى، لا تبني طريقاً واحداً، بل تبني شبكة من البدائل.
موسكو والقطب
المفارقة الأساسية تكمن في أن الطريق الذي يمكن أن يساعد الصين على تقليل اعتمادها على الممرات المرتبطة بالنفوذ الغربي يضعها في الوقت ذاته أمام اعتماد أكبر على روسيا. فموسكو تملك الجغرافيا القطبية، وتتحكم في الجزء الأساسي من طريق بحر الشمال، وتمتلك البنية الأكثر تطوراً في العالم لكسر الجليد، بما فيها كاسحات الجليد النووية، فيما تعتمد مشروعات الطاقة واللوجستيات القطبية على الموانئ الروسية.
وهنا تلتقي المصالح الصينية والروسية بصورة واضحة. فروسيا تحتاج إلى السوق الآسيوية ورأس المال والاستثمارات الصينية، خصوصاً بعد تراجع وصولها إلى الأسواق الأوروبية. والصين تحتاج إلى الطاقة الروسية وإلى طريق إضافي يصلها بأوروبا. ولذلك لا يمثل القطب مجرد مشروع نقل، بل أحد المجالات التي يمكن أن تتعمق فيها الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية بين موسكو وبكين.
وفي قلب هذه المعادلة تظهر الطاقة. فالصين شاركت في مشروع “يامال للغاز الطبيعي المسال”، وأصبحت جزءاً من الاقتصاد القطبي الروسي قبل أن تصبح شريكاً في حركة الحاويات. ومع توسع إنتاج الغاز والنفط في شمال روسيا، يتحول طريق بحر الشمال تدريجياً إلى ممر للموارد والطاقة بقدر ما هو ممر للبضائع والتجارة.
إلا أنه لا ينبغي المبالغة في حجم التحول. فمعظم حركة الشحن على الطريق ما زالت مرتبطة بالموارد الروسية، بينما تبقى تجارة الحاويات العابرة بين آسيا وأوروبا محدودة مقارنة بقناة السويس. كما أن الجليد، وضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف التأمين، والحاجة إلى سفن قادرة على الملاحة في القطب، كلها تحد من قدرته على منافسة الممرات التقليدية في المدى القريب.
سباق الشمال
إن قيمة الطريق قد تكون أكبر من حجمه التجاري. فالتغير المناخي الذي يؤدي إلى تراجع الغطاء الجليدي يفتح مجالاً بحرياً كان مغلقاً أمام التجارة خلال فترات طويلة من السنة. وهنا تتحول البيئة الطبيعية نفسها إلى عامل في إعادة توزيع القوة، فما كان عائقاً أمام الحركة يصبح تدريجياً فرصة جيوسياسية.
وهذا ما يفسر الاهتمام الأميركي والأوروبي المتزايد بالقطب الشمالي. فطريق بحر الشمال يمر بالقرب من ألاسكا، ويتصل بمضيق بيرينغ، ويقع في فضاء تتقاطع فيه روسيا والولايات المتحدة وكندا ودول الشمال الأوروبي والصين. وإذا أصبح الطريق قابلاً للملاحة لفترة أطول من السنة وأكثر انتظاماً، فإن قيمته لن تكون فقط اقتصادية، بل عسكرية واستراتيجية أيضاً.
ومن ملقا إلى باب المندب، ومن هرمز إلى قناة السويس، ومن الممر الأوسط إلى القطب الشمالي، تبدو الجغرافيا الاقتصادية العالمية وكأنها تعيد تنظيم نفسها انطلاقاً من سؤال واحد: من يملك الطريق، ومن يستطيع تعطيله، ومن يملك بديلاً عنه؟
وفي هذا السياق، لا تدخل الصين القطب بحثاً عن طريق قصير فقط، بل بحثاً عن مساحة أوسع للمناورة. وإذا كان القرن العشرين قد جعل البحار الجنوبية مركز التجارة العالمية، فإن القرن الحادي والعشرين قد يضيف إليها بحراً شمالياً جديداً. عندها لن يكون “طريق الحرير القطبي” مجرد ممر تجاري، بل أحد الخطوط التي تُرسم عليها ملامح النظام الدولي المقبل.
* تم النشر بتاريخ 25 آب 2026 على موقع المدن
