صحف وآراء مجتمع

مدارس لا تسجّل طلاباً نازحين: مزاجية المدير وقرارات الوزارة

*وليد حسين

ما بين تحميل المسؤولية لمدراء المدارس الرسمية أو لوزارة التربية (مديرية التعليم الأساسي)، يُحرم عشرات الطلاب النازحين من تلقي علمهم في المدارس الرسمية. ففي التفاصيل، يشكو أهالي طلاب نازحين من رفض مدراء مدارس قبول تسجيل أبنائهم للعام الدراسي المقبل. ووصل الأمر إلى التفتيش التربوي، حيث دعت المفتشية التربوية العامة في التفتيش المركزي فاتن جمعة أولياء الطلاب إلى إبلاغ التفتيش فوراً عن أي رفض غير قانوني للتسجيل في المدارس أو الثانويات الرسمية، ولا سيما أن حماية حق الطلاب في التعليم، ومنع أي تمييز بينهم، يعتبران مسؤولية قانونية وتربوية ووطنية.

 بين صيدا وجبل لبنان

كان يفترض أن يبدأ العام الدراسي في المدارس الرسمية بداية شهر أيلول المقبل، أي قبل شهر من موعده المعتاد، وفق مذكرة سابقة صدرت عن وزيرة التربية ريما كرامي. لكن روابط المعلمين في القطاع الرسمي طالبت كرامي منذ نحو أسبوعين بتأجيل بداية التدريس حتى مطلع شهر تشرين الأول، ومنح إدارات المدارس والثانويات مهلة أسبوعين إضافيين في شهر أيلول لاستكمال الأعمال الإدارية وامتحانات الدخول وغيرها. ووعدت كرامي بمراجعة الأمر وسيصدر عنها مذكرة حول تفاصيل انطلاق العام الدراسي.

وتبين، وفق معلومات “المدن”، أن المدارس المعنية التي رفضت تسجيل الطلاب موزعة بين صيدا وجبل لبنان، ولا سيما في إقليم الخروب وبعبدا. ووفق مصادر مطلعة، أسباب رفض المدراء تسجيل طلاب جدد متعددة. في بعض الحالات الفردية (لا سيما في جبل لبنان) يعود الأمر لمزاجية مدير المدرسة في رفض طلاب من بيئة معينة. وفي حالات “المدارس النموذجية” يحدد مدير المدرسة نوعية الطلاب المقبولين بذريعة الحفاظ على مستوى مدرسته. وفي مثل هذه الحالات تجرى وساطات ويصار إلى تسجيل الطلاب.

وتضيف المصادر أن هذه الحالات تبقى فردية وليست أساس المشكلة. وتشرح أن السبب الأساسي لرفض تسجيل طلاب جدد مرده إلى رؤساء المناطق التربوية ووزارة التربية. فعندما يأتي عدد من الطلاب النازحين الذين دُمرت مدارسهم في الجنوب وبات نزوح أهاليهم دائماً في ظل الظروف العسكرية الحالية، يبادر مدير المدرسة المعنية إلى طلب الموافقة من رئيس المنطقة التربوية، ويكون جواب الأخير: “سجل جميع الطلاب لكن التشعيب ممنوع”. يرفض رئيس المنطقة نقاش الأمر أو حتى الطلب من وزارة التربية، ولا يكون أمام المدير إلا رفض تسجيل طلاب جدد لا تتسع لهم الصفوف.

قرار منع التشعيب

يتعلق الأمر بقرار منع التشعيب الذي صدر عن وزارة التربية إلا بشروط محددة، أهمها “منع افتتاح أي صف في حال كان عدد التلاميذ أقل من عشرة طلاب”. لكن عوضاً عن السير في هذا المسار الإداري وتقديم طلب لفتح صفوف، يستسهل رئيس المنطقة التربوية إبلاغ المدير بأن هناك قراراً لمنع التشعيب، لقطع الطريق على إجراء معاملات طلب تعاقد مع أساتذة جدد.

وتؤكد مصادر رسمية في وزارة التربية أن تعليمات الوزيرة كرامي واضحة، وهي ضرورة تأمين مقعد دراسي لكل تلميذ في لبنان. لا يوجد قرار بمنع التشعيب، بل القرار يتعلق بتنظيم آلية فتح صفوف جديدة والشروط التي يجب اتباعها لعدم الوصول إلى فتح صف لأربعة أو خمسة طلاب. فالمدارس التي يوجد فيها اكتظاظ قليلة ومحصورة في مناطق محددة، ما يعني أنه يفترض عدم أخذ المدير أو رئيس المنطقة التربوية قرار تنظيم التشعيب ذريعة لرفض تسجيل طلاب جدد.

ويشكو أحد مدراء المدارس من أن وزارة التربية تريد الشيء ونقيضه في آنٍ معاً. تريد زيادة عدد الطلاب في المدارس الرسمية وإعادة ثقة اللبنانيين إليها من ناحية، ولا تملك الموارد لتسجيل طلاب جدد من الناحية الثانية. ففتح أي صف بحاجة لأساتذة ومصاريف تشغيلية، فيما صناديق المدارس فارغة من الأموال. ولا يقتصر الأمر على الأموال المخصصة في الموازنة العامة، بل أيضاً في أموال الدول المانحة. ففي ما يتعلق بالميزانية العامة، لم تحول وزارة المالية الأموال المخصصة للصناديق، وثمة أموال متأخرة منذ سنتين، والحجة أنه لا يوجد اعتمادات مالية. أما الأموال المخصصة للمدارس من اليونيسف فتخصم منها الوزارة مبالغ بشكل عشوائي.

أزمة مالية في الصناديق

وتشرح المصادر أن من المفترض أن تدفع اليونيسف لصندوق المدرسة مبلغ 40 دولاراً عن كل تلميذ في السنة، لكن غالباً لا يتم احترام هذا الأمر، بل تحوّل الوزارة المال بحسب إقفال المدرسة موازنتها في العام السابق. أحياناً يضطر مدير المدرسة إلى ترحيل فواتير معينة للعام المقبل لأسباب تتعلق بضيق الوقت، فتعتبر الوزارة أن لدى هذه المدرسة وفراً مالياً، فتدفع له بناء على أرقام الميزانية السابقة لا بناء لعدد الطلاب. وتُحرم المدرسة من مصدر دخلها الأساسي، لا سيما أن أموال الدولة لا تكفي للمصاريف التشغيلية وتتأخر لسنوات لتصل إلى الصناديق.

ويضيف المدير أن الوزارة تريد إظهار نفسها أنها تلتزم بشروط البنك الدولي لتقليص الهدر في قطاع التعليم الرسمي، وتضع شروطاً صارمة على التعاقد والتشعيب، وتشكو كرامي في لقاءاتها مع المعلمين والمدراء من وجود مدارس عدد أساتذتها يزيد عن عدد طلابها، ومن الحشو والتضخم في الهيئات التعليمية، كأن مدير المدرسة هو من يوظّف لا الوزارة. فالمسؤولون في الوزارة هم من أصدروا قرارات الاستثناءات لهذه المدرسة أو تلك، بحسب الوساطة السياسية، وتراكمت هذه الاستثناءات، وأصبحت كثيرة، ولم يعد من الممكن إخفاؤها.

* تم النشر بتاريخ 25 آب 2026 على موقع المدن