بعد الحلقة الثانية عشر من يوميات الدكتور ابراهيم فرج، هنا الحلقة الثالثة عشر حول مشاهداته وانطباعاته كطبيب جرّاح في المستشفى اللبناني – الايطالي في صور:
يا شهر تشرين
شهران وأنا قابعٌ في المستشفى.. قبلها ما يقارِب الخمسين إسبوعاً لم أغادِر منطقته.. يتساقطُ المطرُ التشرينيّ الخفيف والأحَبْ على حباتٍ الزيتون المتعجّبةِ من طول ِ مدْة انتظارِ قِطافها.. يغسلُ ذات المطر أقراطَ الموز، التي ترشحُ عسلاً، وحبات الّليمون التي تنشّقَت مُعظمَ غُبارِ الحِممّ في محاولةٍ للتخفيف والذودٍ عن رئاتِ الجنوبيين الباقين هنا .. ترتَطِمُ حباتُ المطر ب أديمِ الأرض فينبعثُ منها عَبق لا يفكُّ رموزهُ سوى الضالعين في حبِ هذه البسيطة وكيميائها … يطغى عرقُ الفلاحين ودموعهم الطيّبة على ما عداه من سمومِ القذائفِ والقنابل، وتفوحُ أرواح الشهداء المُقاومين منهم والمدنييّن العُزّل، المنتشرةِ على الأشجارِ والأرصفةِ وفوق كُتلِ الإسمنت المهدّمة وتحتها…
يا شهرَ تشرين، أتوسّلُ إليك، أبرِق وأرّعِد ما شئت وبهدوء لأنّنا سئمنا أصوات آلاتِهم العسكرية الهمجية الخرقاء … أمطِرّ علينا بحنانٍ ولطفٍ رأفةً بالنازحين – إلى مناطقٍ لم يتعودوا على مناخِها – وعطفاً على بيوتاتهم المتروكةِ والمُخلّعة وسياراتِهم المركونة عشوائيّاً على الطرقات – المشرّعةٍ أبوابهم وشبابيكهم لِمهبِ الريح والماء والعواصف وضياع العُمر..
يا تشرينُ إسأل كلّ أشهرِ السنة وفصولِها فهُمُ الأجدَرّ بإخبارِكَ حكايةَ جلجلتِنا المتواصِلة بدقةٍ أكثر وفهمٍ أعمق فَ يهمسُون لك طريقةَ التصرّفَ والأداء …
أنا أحِبُ هذه الأرض وأعشقُ جميع قاطنيها المسالمين الطيبين… لكنني ومنذ صغري أنبذُ نبذاً حازماً قولاً مُشاعاً مُزوّراً وبائساً يربطُ بين نقيضين : “ومن الحبِ ما قتلّ”
تاريخ 24 تشرين الثاني 2024
………………………………………..
المخرج من الاستباحة
بوست لغير النكدييّن والبهورجيّة وبهدوء :
-الأبطال الواقفون على حدودٍنا الدوليّة همّ بوابتنا المُغلقة أمام جادةِ إستباحةِ البلَد إسرائيليّاً …أمّا المخرج السياسي، لتقليل مخاطر الإطاحة به، فهو من مسؤولية قيادات واعية نظيفة وطاهرة….
-استعادة الوطن بجميع مكوّناتهِ هدفُنا ..الإنتظارُ على حافةِ النهر لِ الشماتة والتنكيل والفِرّجة فهو خساسة ما بعدها خساسة و قلّة إدراك وجفاف وعيّ …
-المُحاصصَة هي جريمةُ أهلِ السُلّطة (مجتمعة) التي أرتُكِبَت بحق الوطن وما نعيشُهُ اليوم هو مِن “إبداعاتها” ومن تداعيات صنيعها.. (فوضى سرقة فساد من جهة، وتفرّد بقرارِ البلد من جهة ثانية.. ).
-إنكسار مكوّن إجتماعي وتحميله وحده(على ثقلِ مسؤوليته) وزرّ ما حدث، مع محاولاتِ عزلهِ، لن يُخرِج البلد سالماً مُعافى، بلّ سيفتح له مسارات لحروب عبثيّة داخلية ولرافعاتٍ خارجية جديدة ومتجدّدة….!
-نحنُ أمام وحِشٍ عنصريّ مُتفلّت من كل القيمِ السماويّة والدنيويّة… فتحُ الأبواب له على مِصراعيها لن يردعه عن تكملةٍ جرائمِهِ.!!
– “التسوية التاريخية” المطلوبة، للحفاظ على كلّ ما تبقّى لدينا، هي على عاتقِ كلّ شُرفاء البلد وأنقيائهٍ ، على اختلاف إختصاصاتهم ومشاربهم مِن يلّلي “ماسكين عقولهم وعقولهنّ” مجتمعين في “كتلةّ تاريخيّة ” مُتماسِكة مُتراصّة وشفافة تشقُّ طريقنا نحو شاطئ الأمان..
أرجو إعتبار ما نصيّت هو بمثابةِ وصيّة (أو هلّوسة! ) من معتّر مشحرّ قاعد من ١٣ شهر تحت القصف المُتواصلّ وما بقى عنده “جيغا فارغة” في ذاكرتِهِ…!
تاريخ 22 تشرين الثاني 2024
……………………………………………
طريق تلمس الخلاص
تطهير مُفرداتنا من كل الزوائدِ والشوائب، عودة الأحكام الأخلاقيّة لخطابنا، مراجعة مقايّسنا بما يتناسب مع الحاضر والعلِم ، القَطِع مع كلّ ما هو مزوّر ومُزوّر في تاريخنا، الإقرار بأننا شعوباً وقبائل بالحوار ” لِتعارفوا” وحسِم القناعة بأنّ حماية التعدّديْة لا تكون إلاّ ضمن الإندماج والوحدة هم أولى الخطوات على طريق تلمْس الخلاص…
تاريخ 20 تشرين الثاني 2024
…………………………………………
الكثير للختيار
أنا لا أحب تقديس الأشخاص لكنني أقرّ بأني معجب بشخصيتِهِ و”ميكافيليته” ودأبِهِ لخدمةِ قضيةِ شعبه المظلوم… لم يكن له أرض محرّرة ولا دولة مبنيّة ومع ذلك لم يتهاون في موضوع السيادة الفلسطينية لا من قبل الأبعدين ولا من قِبل الأقربين…. ورغم كل الإغراءات و التكالب عليه وعلى شعبه لم يُساوِم حتّى الرمق الأخير على القرار الوطني الفلسطيني المستقلّ …. الختيار له الكثير الكثير وعليه القليل القليل لذلك ميزانه طابش….
تاريخ 12 تشرين الثاني 2024
……………………………………………….
ترامب والأيام القادمة….
إنّه لمِن الأفضلِ أن يحكُمنا محكومٌ عليه على أن يحكمنا منافق وكاذب…. لهو كاذبٌ من يظن انّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تتعرّض ل ضرباتٍ وكدمات وأن البضاعة الأمريكية أهمّ شأناً من مثيلاتِها من البضائع الأخرى، وأن إستهلاك الفرد لم يعُد دون حسابات، وهو في خطرِ التناقص، وأنّ مستقبل أولادنا غير مُزهر وعلى قلِق دائم …
نعم..! المواطنون الأمريكيون على اختلاف مشاربهم ومواقعهم الإجتماعية وأعراقهم وأجناسهم تبادلوا النظرات فيما بينهم وقرّروا ثمّ نفذوا فأعطوا أصواتهم لمن يُحِب ويعشق ذاته – نرجسي بامتياز – وينظر إلى المرأة ك غنيمة ويركل بكلتا قدميه قانون الإجهاض وتطبيب الفقراء.. هم صوّتوا ببساطة لمن يريد”التحرّر” من أعباء المشرّدين والمهاجرين عبر أكبر عملية ” توضيب وإعادة تصدير” إلى المنشأ دون التفكير بالتخلي، ك الحمقى، عن “امتيازات” مكتسبة سابقاً ….
ترامب فاز واكتسح شعبياً وضمُنَ في مراكز مجلسيّ القرار (الشيوخ والنواب)الأكثرية ليغدو رئيساً مطلق اليدين والصلاحية…
نعم انها الديمقراطيّة.. انتخابه عملية ديمقراطية…!
لكن من يربح ليس من الضرورةِ أن يكون مُحِقاً… هل هو مُحق من يريد اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم؟ولو كانت أغلبيّة المجتمع الإسرائيلي مقتنعة بذلك..!!
هل هي مُحِقة “العملية الخاصة” في أوكرانيا والتي تتحجّج بها روسيا معتمدةً على إثارة المشاعر الوطنيّة الروسيّة والثأر عبر التذكير بحملة نابليون وحملة هتلر عليها، ثم ما تلا من اتفاقات ما بعد الحرب العالمية الثانية وتداعيات انهيار الأنظمة الشيوعية…هل هو مُحِق وعادل أن يتم تدفيع العالم ثمن حماية النفط والغاز..؟ترامب وعدَ بوقف الحروب..!!! سيعطي بوتين ما أخذه بالقوة (القرم ودونباس) ويطلب منه “تسليم حليفه” الإيراني لقصفٍ مبرمج تُعيده إلى العصر الحجري… سيطلب من أوروبا زيادةَ التسلّح لمواجهة أخطارٍ قادمة من الشرق.! يريد ترامب حلّ معضلة القضية الفلسطينية.. كيف؟؟ لا وجود في مخيلته لِ حلّ الدولتين…! سيطلب من السعودية والخليج توقيع التطبيع وتقديم “رعاية بالحد الأدنى” لملايين الفلسطينيين المُبعدين في ظروف غير إنسانية إلى سيناء والأردن…! هل محمد بن سلمان وأردوغان سيوقعان؟؟ سيسمحان له بالتنفيذ؟؟ هل ستقبل الصين، المُكبّلة، أن يكون “الذهب الأسود” في الشرق الأوسط خزّاناً لصالح ترامب ونتنياهو منفردين ؟؟؟ هل بناء جدار الفصل في الجنوب سيكبح هجرة المكسيكي؟؟ أم أنه سيتوجه لتلقينها الدرس باجتياح المكسيك وإقامة منطقة عازلة ؟؟
أول إنتصار ل ترامب كان في استفتاء brexit 2016 حين خرجت بريطانيا ،” ديمقراطيا” ، من الإتحاد الأوروبي… معركتنا كبيرة تتمحور حول عدم استعمال الكوكب وتسخيره لصالح ٣٪ من البشر، الحدّ من انبعاث المواد السامّة وتدمير الزراعة وزيادة الانحباس الحراري وهدر الموارد الطبيعية ودعم الحقوق والحريات وإعادة الإعتبار للقيم الإجتماعية والإنسانية (ولو كانت ضد إرادة المقترعين)، دعم الحوار وتعزيزه لمنع انتشار السلاح وتقويض منطق الهيمنة والإستعلاء.. الدول عليها دعم الصحة والأبحاث العلمية الإنسانيّة والمكتسبات المجتمعية لتثبيت الأمن الإجتماعي لا دعم المؤسسات العملاقة الإحتكارية…. يجب أن نُفْهِم ونشرح للجميع، ولمن يوهمنا انه تناسى، بأننا جميعاً مهاجرين وأبناء مهاجرين، ذكور وإناث، نبحثُ دوما عن السعادة والطمأنينة.. علينا أن نكافح ضدّ المضللين والمنافقين الوحوش، الذين يتعاطون السياسة بوصفها أداة قائمة على قتل الشعوب وإخفاء الحقائق والإساءة إلى الإنسانية الحقّة.. (مترّجم عن صحافي إيطالي مخضرم : (Corradino Mineo)..
تاريخ 7 تشرين الثاني 2024
………………………………………
