*فاطمة بزي
كل صباح تستيقظ السيدة سهاد كرم وتحضّر قهوتها اليتيمة من دون زوجها سالم الذي فقدته منذ 44 سنة. تعيش كالـ”روبوت” منذ اختفاء زوجها عام 1982 والذي لم تعرف عنه شيئًا حتى اليوم.
كل سنة تحيي اللجنة الدولية للصليب الأحمر اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسرًا تخليدًا لهم وللوقوف إلى جانب عائلاتهم الذين ما زالوا يبحثون عن إجابات. واليوم، كشفت عن جدارية إحياءً لذكرى أكثر من 17,000 مفقود ومخطوف. جاء الاحتفال بالتزامن مع اليوم العالمي للعمل الإنساني في 19 آب/ أغسطس، ومع اقتراب اليوم العالمي للمفقودين والمخفيّين قسرًا في 30 منه.
الجدارية
عندما رأت السيدة سهاد، نائبة رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، الجدارية التي رسمها الفنان «سبازو» اعتقدت أنها تنظر إلى إمرأة، رأسها مشغول بمسألةٍ ما، أحيانًا تمر أوقات فيها نور وأحيانًا أخرى تسيطر العتمة على أفكارها. فرحت بالعمل الفني لأنها شعرت أن هنالك من يشاركها همّها. لا تزال السيدة سهاد، كما الآلاف من العائلات يبحثون ويتساءلون عن مصير أحبائهم.
تختار اللجنة الدولية للصليب الأحمر كل سنة طريقة جديدة لإحياء الذكرى لذا كانت الجدارية خيار هذه السنة. تعمل اللجنة مع هذه المسألة وتدعمها منذ أكثر من عشر سنوات فهي قضية أساسيًة لها. يقول الدكتور شوقي أمين الدين، منسّق الشؤون الإنسانية في الصليب الأحمر: “التحديات التي تواجه اللجنة الدولية كثيرة، منها أن ذوي وعائلات المفقودين تقدموا في العمر ومنهم من توفي قبل الحصول على أجوبة عمن يحبون. من هنا تكمن أهمية جمع العينات البيولوجية في حال توفرت الظروف وتم اكتشاف رفاة بشرية في المستقبل”.
توحي الجدارية المرسومة على حائط مبنى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في منطقة الحمرا، بوجه شخص ما بملامح غير واضحة. تتداخل المربعات الزرقاء بتدرجاتها مع مربعات أخرى بألوان فرحة لكنها تُبقي الشخص مجهولًا. رسم فنان الغرافيتي «سبازونو» (ريدان ذبيان) الجدارية ليوصل معاناة أهالي المفقودين والمخفيين قسرًا. أرادها فكرة تفاعلية خاصة أنه رسمها في فضاء بيروت العام ليشارك قضية أكثر من 17,000 مفقودًا. معاناة أهالي المفقودين ليست بعيدة عن عمل فنان الغرافيتي الذي تعوّدت حيطان بيروت على ألوانه وطلائه. دائمًا ما يوصل أفكاره الاجتماعية والسياسية عبرها وما يعيشه ويختبره في الحياة اليومية.
لم يكن التحدي سهلًا له إذ بعد سنة من الاجتماعات واللقاءات والبحث والتخطيط توصّل «سبازونو» لفكرته. خلال واحد وعشرين يومًا كان يخلط الألوان يدويًا ويطليها على جداريته التي بلغت أربعين مترًا طولًا وستة عشر مترًا في العرض. رغم تدرج الأزرق من الداكن إلى الفاتح، أراد الفنان إضفاء الألوان المشعة كبعض الأصفر بأطيافه الباهتة والأكثر سطوعًا، لإعطاء الأمل ولإضفاء الجمال على مدينة حزينة.
جدارية المفقودين
اختار مربعات الـ«بيكسل» للتعبير عن فكرته خاصة أنه أخذ بعين الاعتبار بعد بحثه المعمّق قاعدة «الثواني الثلاث» للمارة على الطريق. يشرح: «القاعدة تقول أن المارة، خاصة الذين يمرون بسياراتهم، لديهم ثلاث ثوانٍ ليفهموا ماذا يرون.» لذا وجد طيف الوجه أسرع طريقة لإيصال الفكرة وليتفاعلوا معها.
تتأرجح الجدارية بين الواضح والمبهم إنعكاسًا لم يحصل مع أهالي المفقودين. عندما يحصلون على معلومة أو فكرة ما، تعطيهم بعض الأمل في معرفة مصير أحبائهم، لكن ذلك سرعان ما يتلاشى.
تؤمن السيدة وداد حلواني، رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين، أن الفن يدعم القضية التي ما تزال تعمل عليها وتقودها منذ أكثر من 43 عامًا. ترى فيه أنه يوصل الرسالة ربما بطريقة أسرع من أي وسيلة أخرى ولعدد أكبر من الناس. أثنت على الجدارية لقدرتها على تصوير حالة اللايقين وعدم معرفة مصير أحبائهم المخطوفين إن ما زالوا على قيد الحياة.
عند سؤالها عن الخطوات العملية لمعرفة مصير أعزائهم المفقودين، خاصة بعد تحديد عدد من المقابر الجماعية، ترى أنها تشكل خطرًا على الفاعلين خلال الحرب. تؤمن أن ذلك هو السبب الأساسي للمماطلة في القضية. دعت السيدة حلواني إلى مسح هذه المقابر بطرق علمية ودقيقة وبكتمان وسرية تامّين، والتعامل مع ما يُكتشف من خلال لجان متخصّصة واختصاصيين.
يقول القاضي جوزف سماحة، رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيّين قسرًا، لـ«المدن» أن عمل الهيئة الأساسي هو تطبيق القانون 105 الذي يهدف إلى بيان مصير المفقودين. يؤكد القاضي على حق الأهالي في معرفة مصير أحبائهم إذا ما كانوا على قيد الحياة أو تسليم رفاتهم بعيدًا عن أي هدف عقابي أو ملاحقة أو مساءلة أو ما شابه.
يؤكد القاضي سماحة تعاون الهيئة مع الصليب الأحمر والجمعيات المعنية بالقضية إلى جانب تواصلهم مع «الهيئة الوطنية السورية للمفقودين».
تسعى الهيئة في الوقت الحالي للتواصل مع المسؤولين في وزارة الصحة لإنشاء مركز للطب الشرعي لعدم وجوده في لبنان، في أحد أجنحة المستشفيات الحكومية. يهدف هذا المركز لتحديد هوية الرفاة التي يتم استخراجها من المقابر الجماعية، وللتعامل مع هذه المعضلة خاصة لوجود حالات مستجدّة بسبب العدوان الإسرائيلي الحالي.
حضر الاحتفال ممثلين عن لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وعن الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيّين قسرًا، وعن اللّجنة الدوليّة للصليب الأحمر، إلى جانب عددٍ من الفعاليات والشركاء والضيوف والإعلاميين والفنانين الداعمين للقضية.
لا تزال تتساءل السيدة سهاد عن مصير زوجها، عن شكله، عن صحته، وعن حل مشكلات تواجهها بنفسها. تجتمع مع عائلتها وأحفادها الخمسة كل أحد، لكن هذه الجمعات تجرحها كل مرة لفقدها زوجها ووالد أبنائها.
* تم النشر بتاريخ 23 آب 2026 في موقع المدن
