سياسة مجتمع

بين استعادة الدولة ومخاطر الوصاية الجديدة قراءة في الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي الأخير

 زكـي طـه

 بيروت 5 حزيران 2026 ـ بيروت الحرية

لا يشكل الاتفاق الذي أُعلن عنه بنتيجة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة يومي الثاني والثالث من حزيران مجرد تفاهم تقني لوقف إطلاق النار، بل هو حدث سياسي يتجاوز حدوده المباشرة، لأنه يأتي في قلب التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، وفي سياق الحرب المفتوحة التي تخوضها إسرائيل، بدعم أميركي كامل، لإعادة رسم موازين القوى وإعادة إنتاج نظام إقليمي جديد يقوم على الإخضاع والهيمنة.

وفي المقابل، لا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق أو التعامل معه، بمعزل عن الأزمة العميقة التي يعيشها لبنان نفسه، الدولة والمجتمع معاً، بعد سنوات طويلة من الانهيار السياسي والاقتصادي والتفكك المؤسساتي والاستقطاب الأهلي، وبعد عقود من تحوله ساحة مفتوحة للصراعات الاهلية والحروب الإقليمية.

من هنا، فإن إي مقاربة وطنية ـ ديمقراطية لهذا الاتفاق تقتضي التحرر من الاصطفافات التقليدية التي تحكم الحياة السياسية اللبنانية، فلا النظر إليه باعتباره انتصاراً مطلقاً للمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي يعفي اللبنانيين من مواجهة أزماتهم الداخلية، ولا التعامل معه باعتباره مدخلاً سحرياً لإنقاذ الدولة يبرر تجاهل طبيعة المشروع الذي تقوده واشنطن وتل أبيب في المنطقة.

الاتفاق في سياق الحرب على المنطقة

تخوض إسرائيل، مدعومة من الولايات المتحدة، حرباً تتجاوز حدود المواجهة مع تنظيمات أو دول بعينها، وهي حرب تستهدف إعادة بناء الشرق الأوسط وفق معادلات أمنية وسياسية جديدة، تضمن تفوقها العسكري المطلق وتؤمن اندماجها الكامل في الإقليم باعتبارها القوة المهيمنة فيه.

وفي المقابل، بنت إيران خلال العقود الماضية مشروعها الإقليمي الخاص، القائم على توسيع دوائر نفوذها عبر شبكات من القوى المسلحة والحلفاء المحليين، بحيث تحولت بلدان عديدة، ومنها لبنان، إلى ساحات يتداخل فيها الوطني بالإقليمي، وتتشابك فيها مصالح الشعوب المفككة مع حسابات الدول.

لقد وجد اللبنانيون أنفسهم أسرى هذا الاشتباك الكبير. فمن جهة، يدفعون أثمان العدوانية الإسرائيلية المستمرة، ومن جهة ثانية يتحملون أكلاف إدخال بلادهم في صراعات المحاور، بحيث لم يعد قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً خالصاً.

ومن هذه الزاوية، فإن الاتفاق الأخير يعكس في أحد وجوهه وكما أعلن الرئيس الاميركي محاولة لنقل لبنان من دائرة النفوذ الإيراني إلى دائرة الترتيبات الأمنية الجديدة، التي تعمل واشنطن على فرضها في المنطقة. الامر الذي ترفضه إيران كما  أكد قائد الحرس الثوري، قبل أن يعلن أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم رفضه الاتفاق والاستمرار في المواجهة على النحو الذي يبقي البلد ساحة حرب تدميرية غير مسبوقة.

الدولة أم السلاح؟

لعل القضية الأكثر حساسية في الاتفاق تتمثل في وضع مسألة سلاح حزب الله في صلب أي ترتيبات مستقبلية، من خلال النص على حصرية السيطرة العسكرية للدولة اللبنانية ومنع وجود أي تشكيلات مسلحة خارج مؤسساتها.

وبما أن التجربة اللبنانية قد أثبتت أن ازدواجية السلطة السياسية والعسكرية، أدت مع الزمن، إلى إضعاف المؤسسات الدستورية، وإلى ربط مصير البلاد بحسابات إقليمية لا تخضع للرقابة الشعبية أو للمساءلة الديمقراطية، فقد أصبح من المؤكد أنه لا يمكن الدفاع عن بناء دولة حديثة من دون احتكارها الشرعي البديهي للسلاح وقرار الحرب والسلم.

لكن هذه الحقيقة لا تلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن معالجة هذه المعضلة لا يمكن أن تتم من خلال منطق الإملاء الخارجي، أو في سياق انتصار عسكري إسرائيلي، أو ضغط أميركي أو استناداً لحسابات ايرانية، لأن بناء الدولة لا يستقيم إذا ولد من رحم الوصاية ورعايتها.

والسبب أن حصر السلاح، إذا كان جزءاً من مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة المدنية الديمقراطية، يختلف جذرياً عن نزع السلاح بوصفه شرطاً لإعادة إدراج لبنان في منظومة إقليمية تقودها إسرائيل والولايات المتحدة.

بين السيادة والوصاية

يؤكد البيان المشترك بصورة متكررة احترام سيادة لبنان، لكنه في الوقت نفسه يمنح الولايات المتحدة موقع المرجعية السياسية والأمنية الحصرية للمفاوضات ولأي اتفاقات لاحقة. وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية. فالولايات المتحدة ليست طرفاً محايداً في هذا النزاع، بل هي الشريك الاستراتيجي الأول لإسرائيل، والداعم الأساسي لسياساتها العسكرية في المنطقة، كما أن مشروعها الشرق أوسطي يقوم على إعادة تشكيل البنى السياسية والأمنية للدول وفق مصالحها الاستراتيجية.

ومن هنا، فإن الدفاع عن سيادة لبنان لا يكون فقط في مواجهة النفوذ الإيراني أو أي تدخل إقليمي آخر، بل يكون أيضاً في مواجهة كل أشكال الوصاية الخارجية، أياً كان مصدرها. فالسيادة لا تتجزأ، والاستقلال الوطني لا يمكن أن يقوم على استبدال تبعية بأخرى.

إسرائيل والسلام الممكن

لا يمكن إغفال أن الاتفاق يستخدم لغة سياسية جديدة تتحدث عن بناء الثقة وعن غياب النيات العدائية والعمل نحو اتفاق شامل. لكن التجربة التاريخية مع إسرائيل تفرض التعامل مع هذه العناوين بحذر شديد، في ظل الخلل القائم في موازين القوى. فإسرائيل ما زالت تحتل أراضٍ لبنانية، وتواصل اعتداءاتها وانتهاكاتها للسيادة الوطنية، كما أنها تخوض حرباً مفتوحة ضد الشعب الفلسطيني، رافضة أبسط حقوقه الوطنية.

ولهذا، فإن أي سلام حقيقي لا يمكن أن يكون سلام الإخضاع أو موازين القوة المجردة، بل سلام قائم على إنهاء الاحتلال واحترام القانون الدولي وحقوق الشعوب.

إن رفض العدوانية الإسرائيلية لا يعني القبول باستمرار عسكرة فئة من اللبنانيين،  للاستقواء بالخارج أو لخدمة مصالحه، سواء تعلق الامر بإيران أو سواها، كما وأن المطالبة بقيام الدولة لا تعني التسليم بالمشروع الإسرائيلي في المنطقة.

أزمة أعمق من الاتفاق

إن اختزال الأزمة اللبنانية كلها في قضية السلاح أو في العلاقة مع إسرائيل ينطوي على قدر كبير من التبسيط. فلبنان يعيش انهياراً بنيوياً يطال اقتصاده ونظامه السياسي ومؤسساته وإدارته العامة، فيما يستمر النظام الطائفي في إعادة إنتاج نفسه رغم فشله التاريخي.

لقد كشفت السنوات الأخيرة أن الطائفية السياسية ليست مجرد خلل دستوري، بل هي البيئة التي تتغذى منها تبعية اللبنانيين للخارج، سواء كانت أميركية أو إيرانية أو غيرهما. فمكونات الدولة الضعيفة تستدعي الوصاية، والطوائف الخائفة تبحث عن حُماة لها في الخارج، فيما يبقى المجتمع رهينة الانقسام والفقر والهجرة.

ومن دون مشروع إصلاح جذري يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية عادلة، لن تنتج أي تسوية أمنية استقراراً دائماً، بل ستتحول إلى هدنة مؤقتة بانتظار جولة جديدة من الصراعات.

أبعد من الاتفاق… نحو أي خيار

ربما تكمن المعضلة الأعمق التي يكشفها هذا الاتفاق في أنه يعيد طرح السؤال الذي واجهه اللبنانيون، وفي المقدمة منهم القوى الديمقراطية واليسارية طوال العقود الماضية: كيف يمكن الدفاع عن حق لبنان في مقاومة الاحتلال والهيمنة، من دون الوقوع في فخ المحاور الإقليمية أو تبرير الاستبداد الداخلي؟

فخلال العقود والسنوات الأخيرة،  وجدت العديد من القوى الديمقراطية واليسارية  أنها أسيرة ثنائية قاتلة: إما الانخراط في المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي تحت شعار الدولة والسيادة، وإما الالتحاق بالمحور الإيراني تحت شعار المقاومة.

وفي الحالتين، خسرت تلك القوى وخاصة اليسارية منها، استقلاليتها الفكرية والسياسية، كما خسرت أيضاً قدرتها على التعبير عن المصالح الفعلية للمجتمعات التي يفترض أنها تمثلها.

إن المطلوب اليوم ليس اختيار أحد المحورين، بل بناء خيار ثالث مستقل، ينطلق من مصالح الناس وحقوقهم، ومن حقهم في الحرية والعدالة الاجتماعية والدولة المدنية والسيادة الوطنية.

خيار يرفض العدوان الإسرائيلي وكل مشاريع الهيمنة الأميركية، لكنه يرفض أيضاً في الوقت ذاته، تحويل البلدان العربية ولبنان في مقدمها، إلى ساحات نفوذ إيراني، أو إلى أدوات له في صراعات الدول الكبرى.

خيار يرى أن الدولة الوطنية الديمقراطية هي الإطار الوحيد الذي يمكن أن يجمع بين المقاومة والسيادة، وبين الحرية والعدالة، وبين الاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي.

وفي هذا المعنى، فإن النقاش الحقيقي الذي يفرضه الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي الأخير لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو بمستقبل سلاح حزب الله، بل بمستقبل لبنان نفسه: هل يبقى ساحة لصراعات وحسابات الآخرين وحروبهم، أم ينجح شعبه وقواه الديمقراطية في انتزاع حقه في بناء دولة مدنية مستقلة، سيدة على قرارها، محررة من الاحتلال ومن الوصاية معاً؟

ذلك هو التحدي التاريخي الذي يواجه اللبنانيين اليوم، وهو أيضاً التحدي الذي يواجه اليساريين والديمقراطيين إذا أرادوا أن يستعيدوا دورهم بوصفهم قوة تغيير وطني واجتماعي، لا مجرد ملاحق في اصطفافات المحاور المتصارعة وتشكيلاتها المتبدلة.