*بيار عقيقي
تطرح أوامر التهجير الإسرائيلية في جنوب لبنان مسألةً تتجاوز الجغرافيا إلى الكيان اللبناني كلّه، مع تعميق الاحتلال ساحة القتال من نهر الليطاني إلى نهر الزهراني شمالاً، أي بعمق نحو 50 كيلومتراً عن الحدود اللبنانية الجنوبية، ما يعني أنّ أكثر من 1340 كيلومتراً مربّعاً من لبنان باتت مشمولةً بالتهجير. لا بدّ هنا من التوقّف لحظةً، بدلاً من الاستمرار في الانزلاق نحو الجنون. ما الذي يجنيه لبنان عموماً من هذه الحرب، عدا ارتفاع أعداد الشهداء يومياً وتدمير منازل ومنشآت وبنى تحتية؟ لا شيء. عملياً لا يجني لبنان ولا شعبه شيئاً من هذه الحرب. وإذا وضعنا جانباً جدلية “دعم إيران حزب الله في المفاوضات مع الأميركيين” من عدمه، فإنّ الواقع مغاير تماماً لمسارات وقف إطلاق النار كلّها. كلّ ما يجري على الأرض اللبنانية لا يصبّ في مصلحة أيّ إنسان، بل حصراً لمن يستغلّ آلام الناس للتنظير عليهم، أو ذبحهم باسم القضية.
يعلم حزب الله تماماً أنّ الاحتلال لن يتوقّف حتى سحب سلاحه، ويعلم أيضاً أنّ الدولة اللبنانية، التي هو جزء أساسي منها برلمانياً منذ عام 1992، ووزارياً منذ 2005، ورئاسياً عبر الرئيس السابق ميشال عون في 2016، غير قادرة على الاندفاع لقتال إسرائيل، في حربٍ لم تخترها، لا في 2006 ولا في 2023 ولا في 2026. لكنّ الخطيئة هنا استمرار تحميلها مسؤولية ما ارتكبه الحزب، وسط سعيه إلى طمس الأسباب الأولية للحرب. الأمين العام المغتال حسن نصر الله سبق أن قال إن “قيادة حزب الله لم تتوقّع ولو واحداً بالمائة أنّ عملية الأسر ستؤدّي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم، لأنّه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل… لو علمتُ أنّ عملية الأسر كانت ستقود إلى هذه النتيجة، لما قمنا بها قطعاً”، وذلك في مقابلة تلفزيونية في 27 أغسطس/ آب 2006، بعد أسبوعَين تقريباً على انتهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006.
إذاً، ما الذي يمنع قيادة حزب الله حالياً، وإنقاذاً لما تبقّى، من الموافقة على التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل لإنهاء القتال؟ ما الذي تستفيد منه هذه القيادة من قتالٍ لا ينتهي؟ إذا كان منطق القتال عاجزاً عن دحر الاحتلال من لبنان، ألا ينبغي هنا منح التفاوض فرصةً؟ ما الذي سيخسره حزب الله، الممثّل في المؤسّسات الدستورية اللبنانية، من تسليم نفسه إلى الدولة اللبنانية، مفضّلاً ربط نفسه بإيران الساعية إلى التفاهم مع الأميركيين بمعزلٍ عن لبنان؟ وإذا كانت طهران تفاوض واشنطن، “الشيطان الأكبر”، فما الذي يمنع لبنان من مفاوضة إسرائيل “الشيطان الأصغر”؟ لا شيء، سوى عبثية تعيد إنتاج دائرة الموت والدم يومياً في مختلف المناطق اللبنانية. كلّ الأيديولوجيات تسقط أمام كرامة الإنسان، لا أمام استغلالها في سياق رفع المعنويات ومحاولة تبرير الأخطاء المتراكمة.
صحيحٌ أنّه لا يُمكن الوثوق بمؤسّسات الدولة اللبنانية، وهو “أمر طبيعي” في لبنان، لكنّ حزب الله، والأحزاب كلّها، جزء من مشروعية “عدم الثقة” الشعبية لتلك المؤسّسات. لا يعود السبب إليهم وحدهم، بقدر ما هو مزيج من تراكمات سابقة أرست ذهنيةً فاسدةً في بنيان الدولة منذ استقلال عام 1943. هذه الذهنية هي التي تتجلّى حالياً في لبنان، وعنوانها الأساس “عدم تحمّل مسؤولية الأخطاء”، ويطبّقها حزب الله بالهروب إلى الأمام عبر فتح جبهات داخلية وخارجية، بدلاً من التوقّف لحظةً لرؤية واقع مسؤول عنه بالدرجة الأولى، قبل تحميله لأطراف أخرى. وتقتضي المسؤولية هنا فهم أنّ إيران وأميركا بعيدتان بالنسبة إلى اللبنانيين، ولا أحد منهما يعنيه فعلاً أكثر من مليون مهجّر في لبنان، إلا بقدر تصديق اللبنانيين أنّهم محور الكون. هناك أمر أساسي يجب فهمه في لبنان، هو أنّه، في النهاية، لا أحد سيُرمى في البحر، مهما قال أصحاب الرؤوس الحامية عكس ذلك. لكن ذلك كلّه يبدأ من حزب الله نفسه، بأن يتخذ قراراً لإنقاذ الناس، لا أن يصدّق ما يقوله بعض الإعلام الإسرائيلي من هنا، أو بعض الوكالات الأجنبية من هناك، لأنّ كثيراً منها يندرج في سياق المخادعة لرسم صورة غير واقعية.
يقول الواقع إنّ هناك أكثر من 1340 كيلومتراً مربّعاً من لبنان، أي نحو 13% من مساحة البلاد، خاضعة بصورة مباشرة ميدانياً أو بالنار للاحتلال، من دون تجاهل الاعتداءات على مناطق بعيدة مثل البقاع الشمالي. هذا هو الواقع، لا أكثر، والتصرّف على أساسه هو المطلوب.
*نشرت في العربي الجديد يوم 30 أيار / مايو 2026
