* شهيد نكد
في زيارة لمدينة من مدن العالم الأوّل ينتابك شعور بالإعجاب والحسرة، شعور أنّك قادم من عالم آخر، شعور يُذكّرك بأنّك من العالم الثالث. صحيح أن هذا التصنيف (دول عالم أول وثاني وثالث) لم يعد مُعتمداً في الخطاب الدولي الرسمي، إلّا أنّه يخدمنا في هذا المقال. فما نتكلّم عنه يجعل الدول عوالم، لا على المستوى الاقتصادي والتقني فحسب، بل في طريقة تنظيم الحياة المشتركة، وفي المسافة الشّاسعة بين النصّ والواقع.
يستحوذ العقد الاجتماعي اليوم على مساحة واسعة من الخطاب السياسي في لبنان، ويتمّ التداول فيه من خلال مسارين لا ثالث لهما: الأوّل يختزل العقد الاجتماعي كحالة تفرقة لا اتّحاد، ويطرح صيغاً كالفيديرالية والتقسيم كمخرج، متناسياً أن الأنظمة الاتحادية تقوم على الاتّحاد لا التفكّك. والمسار الثاني يتمسّك بالدولة المركزية خدمةً للمنظومة السياسية وهيمنتها على الدولة ومواردها وقراراتها، من أجل استدامة النظام الزبائني. وفي ظلّ هذا الجدل، يغيب السؤال الأوّل والأساسي: ما هو العقد الاجتماعي أصلاً، وما هو الشّرط الذي من دونه لا تقوم له قائمة؟
فلسفة العقد الاجتماعي
إن الانسان في حالته الطبيعية حرّ، لكنّه مُهدّد بقوّة الآخرين وأهوائهم وطموحاتهم، وهذه الحرية الطبيعية الفوضويّة لا يُمكنها أن تكون أساساً لحياة مشتركة ومستدامة. من هنا يأتي العقد ليقول إن الإنسان يقبل طوعاً بالتخلّي عن جزء من حريّته الطبيعية مقابل ضمان القانون والمجتمع لحقوقه المدنية، وإلزامه بالمقابل بواجباته. ومن دون هذا التخلّي المتبادل تتحوّل الحياة إلى شريعة غاب، وهو ما يتنافى مع مبدأ العقد. فالفوضى العارمة والاستسلام للأقوى والتسويات الهشّة بين المتنافسين ليست عقداً اجتماعياً.
وإذا كان للعقد الاجتماعي شروط وبنية، فنحن لا نسمع في لبنان من أي طرف يتكلّم عنه، أي حديث عن الارتباط العضوي بين فلسفته وبين تنظيم الحياة المدنية الفعلية. فيبدو العقد وكأنّه وثيقة توقّع في الغرف المغلقة، لا حياةً تُبنى بشكل يومي في الشارع والحديقة العامّة والمدرسة وعلى الرّصيف. فإذا ما أخذنا مشهد السيارة التي تجوب الطريق، والدراجة الهوائية التي تسلك مسارها، والمشاة الّذين يملؤون الأرصفة، وهو مشهد مألوف في مدن العالم الأوّل لكنّه يحمل في طيّاته فلسفة سياسية كاملة. يتشارك كلّ هؤلاء الفضاء ذاته، لكنّهم لا يتمتّعون بالحقوق ذاتها: فالمشاة، وهم الأكثر هشاشة يأتون في المرتبة الأولى من حيث الحقّ في المرور. يليهم راكبو الدراجات الهوائية، ثمّ سائقو السيارات. فمن يملك قدرة تشكيل خطر على غيره يتنازل لأنّ الأضعف يستحقّ الحماية.
قارن هذا المشهد بالشّارع اللبناني فترى أن الضعيف لا يملك الحقّ، بل يَسكُنُه الخوف؛ وهذا مناقض تماماً لفلسفة العقد الاجتماعي. شريعة الغاب هذه في الشارع اللبناني، ليست فقط فوضى بحاجة لمزيد من الشّرطة، إنّما هي تعبير مادي حقيقي عن غياب العقد في مفهومه العميق. غياب لواحد من أبرز شعارات الثورة الفرنسية والأقلّ تداولاً: شعار الاخوّة. شعار لا يُختصر بعاطفة دافئة، بل بنظام حياة يومي يقوم على الاعتراف بوجود الآخر وهشاشته وحقّه في الفضاء العام.
أمام مشهد الشارع هذا، يأتي السؤال عن الجمهورية ذاتها. فهي مشتقّة من كلمة جمهور، وتعني الناس المجتمعة. واجتماع الناس في الأساس يحصل في الفضاء العام حيث تلتقي وتتقاسم وتتنافس وتتعاون. هنا، يتحوّل التنظيم المدني والعمراني من كونه مسألة تقنيّة إلى شرط عضوي لقيام الجمهورية؛ من دون فضاء عام لا جمهور ولا جمهورية. يُصبح الانتماء الحقيقي هو القدرة على تقاسم الفضاء العام والحقّ في الوجود فيه. وحين يغيب هذا الفضاء يتحوّل الانتماء إلى تملّك وولاءات مناطقيّة وطائفية ضيّقة ومدمّرة.
فشل بناء الجمهورية
يقودُنا كلّ ما سبق لمفارقة لبنانية يجب التوقّف عندها: نحن لم نخسر جمهوريّتَنا، بل لم نبنِها من الأصل. نستحضرها بتواريخ، كمئوية الدستور اللبناني (1926) أو الاستقلال (1943) أو الطائف (1989)، ونتناسى أن الجمهورية ليست حدثاً يحصل في لحظات محدّدة. إنها مسار تراكمي يُبنى في تصميم المدن وتنظيم الأرياف وتهيئة الفضاءات التي يُعاش فيها العقد الاجتماعي يوميّاً. وهذا ما لم يحصل أبداً، فنحن أسّسنا جمهورية نصوص لكن لم نجعل يوماً الحياة المدنيّة مبدأً مؤسِّساً للمواطنة. والفرق بين خسارة شيء كان موجوداً وغياب شيء لم يكن أصلاً، فرق جذري في التّشخيص، وفي فهم ما جرى، وفي تخيّل ما يُمكن أن يكون.
يمرّ لبنان بمرحلة استثنائية حادّة لم يشهدها من قبل، فالهشاشة تتعمّق والأزمة قابلة للتفاقم على كلّ المستويات والمستقبل يسودُه عدم يقين مُظلم. يبدو الحديث عن الفضاء العام والعقد الاجتماعي والحياة المشتركة ضرباً من التفلسف البعيد عن الواقع. لكن الحقيقة أن هذا الحديث قد يكون ضرورياً اليوم لسبب بسيط. فلبنان عاجز منذ تأسيسه عن بناء سرديّة تاريخيّة جامعة. فاليوم، يطرح البعض أسئلة لتثبيت الانقسام واستحالة الحالة الثقافية والاجتماعية اللبنانية، مثل كيف يرى الشيعة بشير الجميّل؟ أو ماذا يفكّر السنّة والمسيحيين (الموارنة خصوصاً) بحسن نصرالله؟
لكن، لماذا لا تُطرح أسئلة حول الفشل المشترك، بدل السؤال عن الشخصيات الطائفية؟ فالحقيقة التي لا تنتمي لطائفة، والتي تبقى بعيدة عن الأضواء، هي أنّنا فشلنا جميعاً في بناء الجمهورية في شرطها الأوّل. لماذا لا نسأل عن الترامواي الذي تمّ إيقافه سنة 1965؟ والجامعة اللبنانية التي أُسّست تحت الضّغط؟ والتنمية المناطقية ومصير تقرير بعثة ارفد؟ أليست كلّ هذه الأسئلة وغيرها الكثير، تستحقّ أن تكون جزءًا من سرديّتنا التاريخيّة؟
إن هذه الأمثلة ليست مجرّد إخفاقات ادارية، هي دليل على غياب الإرادة في تأسيس عقد اجتماعي حقيقي. فهي وغيرها أمور تُنتج فضاءً مشتركاً وجمهوراً حقيقياً، وهذا بالضبط ما لم تُرده (ولا تزال) المنظومة التي آثرت إبقاء اللبنانيين متفرّقين لا مجتمعين. والفراغ الذي يتركه غياب الانتماء الداخلي لا يبقى فارغاً، بل يملأه انتماء لفضاء بديل.
* نشرت بتاريخ 30 أيار 2026 على موقع المدن
