زكـي طـه
بيروت 28 أيــار 2026 ـ بيروت الحرية
ليس سهلاً أن يرى ابن الجنوب أرضه تُسحق مرةً جديدة تحت النار، وأن يقف عاجزاً أمام هذا القدر المفتوح على القتل والاقتلاع والخراب.
فما يجري اليوم لم يعد مجرد حربٍ عابرة أو جولةٍ من جولات الصراع المعتادة مع العدو الإسرائيلي، بل يبدو كأنه محاولة منظمة لتدمير معنى الجنوب نفسه: ناسه، قراه، ذاكرته، عمرانَه، وتلك العلاقة العميقة التي نسجها أهله مع الأرض عبر مئات وآلاف السنين.
في هذه اللحظات الثقيلة، لا يحترق الحجر وحده.
يحترق العمر كلّه.
تُدمَّر البيوت التي بُنيت بتعب الناس وعرقهم واغترابهم، وتُمحى أحياء كاملة كأن المطلوب شطب حياة بأكاملها من الجغرافيا والتاريخ. والأخطر من تدمير الحجر هو استهداف البشر في ذاكرتهم الجماعية، وفي إحساسهم بالاستقرار والانتماء والأمان، وكأن المقصود اقتلاع الجنوب من ذاته قبل اقتلاعه من أرضه.
فالجنوب لم يكن يوماً مجرد ساحة حرب.
كان دائماً مساحة حياة.
هو الأرض التي أنجبت المقاومين كما أنجبت الشعراء والمثقفين والمعلمين والمزارعين والحالمين بوطنٍ أكثر عدالة وحرية. وهو البيئة التي راكمت، رغم الفقر والإهمال والحرمان، أشكالاً عميقة من الثقافة الشعبية والوعي الوطني والانتماء الإنساني. ومن يعرف الجنوب جيداً يعرف أن تاريخه ليس فقط تاريخ مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، وسبق ذلك مقاومة الاستعمار التركي ثم الفرنسي، بل أيضاً تاريخ نضال طويل ضد التهميش والتخلّف والحرمان الذي فرضته الدولة والطائفية واللامساواة.
لهذا فإن ما يجري اليوم هو عدوان على التاريخ نفسه.
فالقرى التي تُدمَّر ليست مجرد أبنية إسمنتية، بل خلاصة قرون من العلاقات الإنسانية والروحية والاجتماعية. والحقول التي تُحرق ليست مجرد مواسم زراعية، بل امتداد لذاكرة الناس ولتعب أجيال متعاقبة عاشت على هذه الأرض وحمتها بدمها وصبرها.
وكم هو موجع أن يرى الإنسان بلداته تُهجَّر مرة تلو أخرى، بعدما أعتقدنا أنهقد تحرر من الاحتلال، وبعد كل ما دفعناه من أثمان كي يبقى الجنوب حراً وآمناً وقادراً على الحياة.
موجع أن يعود الأطفال مراراً وتكراراً إلى طرق النزوح نفسها، وأن تعود الأمهات إلى القلق نفسه، وأن يعود الخوف ليخيّم على البيوت التي حلم أهلها بأنها نجت أخيراً من زمن الحروب المفتوحة.
رغم كل هذا الخراب، يبقى الجنوب أكبر من محاولات كسره.
لأن قوة الجنوب الحقيقية لم تكن فقط في قدرته على المقاومة العسكرية، بل في قدرته الدائمة على النهوض من تحت الركام، وفي تمسّك ناسه بالحياة مهما اشتدت الكوارث. فمن هذه الأرض خرج أناس بسطاء حملوا أحلام العدالة والحرية والكرامة، وناضلوا لا فقط من أجل تحرير الأرض من الاحتلال، بل أيضاً لتحرير الإنسان من الخوف والفقر والتخلف والعصبيات والتعصب.
الألم يتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق بكثير.
إنه ألم الإنسان حين يرى جزءاً من روحه يُستباح أمامه. وألم المناضلين الذين ذهبت أعمارهم وهم مؤمنون بأن هذه الأرض تستحق الحياة، وأن أهلها يستحقون وطناً يليق بتضحياتهم، لا أن يبقوا دائماً وقوداً للحروب والمشاريع والصراعات الطائفية والإقليمية والدولية على أرضهم.
رغم ذلك، يبقى الأمل حصناً نحتمي به، مهما بدا هشّاً وسط هذا الظلام.
فالجنوب الذي واجه الاحتلال، وواجه الحرمان، وواجه الحروب المتكررة، لن يتحول إلى أرضٍ ميتة.
قد تُهدم القرى، لكن الذاكرة لا تُهدم.
وقد تُقتلع الأشجار، لكن جذور الناس أعمق من النار.
وقد يطول زمن الألم، لكن إرادة الحياة التي سكنت هذه الأرض منذ آلاف السنين ستبقى أقوى من العبث بها ومن كل محاولات الإلغاء والتدمير.
لهذا، فإن رفع الصوت اليوم ليس فقط دفاعاً عن بقعة جغرافية، بل دفاع عن معنى إنساني وحضاري كامل، وعن حق الناس في أن يعيشوا بكرامة وأمان على أرضهم، بعيداً عن القتل والتهجير والخراب المفتوح.
وسيظل الجنوب، رغم الجراح، أرضاً للحياة لا للفناء والموت، وللإنسان لا للخراب والدمار، وللذاكرة التي لم ولن يستطيع الاحتلال، مهما بلغت وحشيته، أن يطفئ نورها.
