* شهيد نكد
لم يعد لبنان يملك ترف انتظار التسويات الكبرى، ولا ترف الحرب الدائمة، ولا ترف المحاضرات التي تشرح انهياره ولا تلامس الفعل. فالمجتمع يتحلّل، والضرر يتراكم، والدمار بكل أشكاله يقترب إلى نقطة لا رجعة فيها.
تخطّينا التشخيص
يقول ماكيافيلي إن المرض الفتّاك يبدو سهل العلاج في بدايته وصعب التشخيص، ومع الوقت يصبح التشخيص سهلاً والعلاج مستحيلاً إذا ما تُرك من دون معرفة أسبابه ومكافحة جذوره. تخطّينا في لبنان مرحلة التشخيص، لقد قيل كل شيء تقريباً: السلاح، الزبائنية، الطائفية، الفساد، الاقتصاد الريعي، انهيار الثقة، غياب العدالة، سقوط المؤسسات، تفكّك المجتمع. صارت الأزمة مشروحة إلى حدّ الملل، لكن هذه المعرفة لم تتحول يوماً إلى قدرة فعل وتغيير. حين كان التشخيص مطلوباً ارتضينا العلاجات الموضعية والسريعة، وحين صار لا طائلة من التشخيص استرسلنا فيه بينما المريض ينازع.
تعوّدنا في لبنان على أن الأزمة مهما اشتدّت لا بد لها أن تنفرج، وهذا الاعتقاد نابع من التدخلات الخارجية المستمرّة التي طالما أنقذتنا بوصفاتها. لكن اليوم الأمر مختلف، فالعالم برمّته يعيش مرحلة تثبيت النظام العالمي الجديد لذاته محدثاً زلزالاً في العلاقات الدولية. فمسألة هذا النظام لم تعد مسألة موازين قوى بالشكل التقليدي الذي تعوّدنا عليه، ما يجري أعمق من ذلك بكثير. فالعالم لا يتصارع اليوم على الحدود والنفوذ والثروات فحسب، بل على المعاني أيضاً، على تسمية الأشياء وعلى من يملك حق تسميتها. خليج المكسيك هو “خليج أميركا” بالنسبة لترامب، والخليج العربي هو “الخليج الفارسي” بالنسبة لإيران. وما اعتدنا على تسميته الشرق الأوسط هو “الغرب الأوسط” بالنسبة للصين (حتى لو لم تُعلن ذلك). وحين تُصبح التسميات ساحة صراع، فهذا يعني أن ما يجري هو إعادة تأسيس للمعنى قبل أن يكون إعادة رسم للخرائط. وإذا كانت منطقتنا تحتمل تسميتين اليوم، فإن ذلك يعني أنها خط تماس بين الشرق والغرب؛ والتماس عادة يعني منطقة حامية دائماً.
حين سقط السّقف
في هذا العالم المتحوّل، يبقى لبنان نقطة صغيرة على الخريطة، لكن وطيسه حامٍ كالعادة. مندفع إلى واجهة الصراعات لحدّ نسيان ذاته، ومتخلف إلى حد العجز عن توفير أبسط شروط الحياة. وهذا ليس تناقضاً، بل معادلة مقفلة وُلدت مع ولادة دولة لبنان: هشاشة الداخل دفعت ولا تزال نحو مشاريع عابرة للحدود، التي تؤدي بدورها إلى استدامة هشاشة الداخل.
تعلّم لبنان من تجاربه السابقة أن هناك سقفاً لكل أزمة، وهذا مبنيّ على تاريخ فعلي من التسويات والتدخلات التي أعادت مراراً تثبيت معادلة هشة لكن حقيقية. اليوم السقف الذي “حمانا” لم يعد موجوداً، ومن كان يثبّته منشغل بتحدياته ومصالحه. الولايات المتحدة عالقة في ملف إيران، وأوروبا محاصرة بين روسيا وواشنطن، ودول الخليج تتقاطع وتتخاصم بأنماط جديدة تُمارس عليها ضغوطاً كبيرة. عوّدنا حكّامنا أننا مؤمَّنون وأن البوليصة صالحة لمدى الحياة، لكن شركات التأمين متعثرة اليوم، وشبكة الأمان التي كانت “تحمينا” صارت أوهن من بيت العنكبوت.
ماذا نفعل خلال كل هذا الوقت؟
السؤال يبدو بسيطاً لكنه الأخطر. الإجابات المعتادة تنقسم بين من ينتظر التسوية الإقليمية ومن ينتظر الدولة، والاثنان يشتركان في شيء واحد: الانتظار. وفي لبنان، الانتظار ليس موقفاً سلبياً فحسب بل هو استراتيجية فاعلة في تعطيل أي بناء فعلي. كلا الفريقين يقعان في الخطأ المنهجي ذاته: ينطلقان من فوق ويأملان أن ينزل التغيير، يصمّمان الموقف السياسي الصحيح ويفترضان أن المجتمع سيحمله تلقائياً. لكن المجتمع لا يتشكّل بالخطاب ولا يتماسك بالمواقف المبدئية مهما كانت نبيلة.
هنا تدخل السوسيو-سياسة بسؤالها الجوهري: هل الدولة تسبق المجتمع أم المجتمع يسبق الدولة؟ السياسة انعكاس للبنى الاجتماعية العميقة، للجماعات والطبقات والثقافة وطريقة إنتاج الثقة. الدولة ليست آلة تُركَّب من فوق، هي بناء يفترض وجود مجتمع يسبقه ويحمله. وما لم تتغير هذه البنى، ستبقى السياسة تدور في حلقة مفرغة بغض النظر عن الخيار الذي نسمّيه. نحن لسنا مجتمعاً متماسكاً يختلف على شكل دولته؛ نحن تجمّع جماعات تتقاسم جغرافيا وتلتقي عند حدود التسويات لا عند مساحة التضامن. في هكذا بيئة، أي خيار سياسي يُطرح من فوق يجد نفسه معلّقاً في الهواء لأن الأرضية التي تحمله غير موجودة.
هذا هو الخيار صفر، ليس خياراً سياسياً إضافياً، بل السؤال الذي يسبق كل الخيارات: كيف نبني الأرضية التي يقوم عليها أي مشروع؟
الورشة المؤجّلة
لكن ثمة من يقول: كيف تتحدث عن ورشة مجتمعية والحرب الإسرائيلية مستمرة، والتهجير يطال قرى بأكملها، والجرف يمحو معالم أجيال؟ سؤال مشروع، لكن علينا أن نكون صادقين: ثمة ما هو خارج عن قدرتنا، وثمة ما هو في متناولنا. ما ليس في متناولنا مرتبط بمتغيّرين لا نتحكم بهما، استمرار إسرائيل في حربها وجرفها، وموقف حزب الله المرتبط بحسابات إيران. أما ما هو في متناولنا فهو الورشة الداخلية التي لم نقرر يوماً خوضها بجديّة.
حتى في عزّ انتفاضة 17 تشرين تمّ الانحياز للمقاربة الفوقية من دون استثمار حقيقي في الأرضية. الانتفاضة كانت تجمّع جماعات تشترك في الغضب، لكنها لم تكن مجتمعاً يشترك في مشروع. وحين انسحب الغضب، لم يبقَ شيء يحمله. والمفارقة المُرّة أن لبنان لم يقرر يوماً خوض هذه الورشة، لا في الأزمة ولا في الهدوء. في الاستقرار (استقرار الآخرين الذي نعيش على هامشه)، نكون مشغولين بموسم الصيف وموسم التزلج. وحين يأتي وضع كوضع اليوم نقول: الآن وقتها؟ لكن السؤال الحقيقي: إذا لم يكن الآن، فمتى؟
الجواب هو أن نحوّل بوصلتنا نحو المستوى الذي أهملناه دائماً: الحيّ، البلديّة، المدرسة، الشبكة الاقتصادية المحلية، مساحات التعاون اليومي العابرة للطائفة. هذا ليس عمل جمعيات، هو قرار مجتمعي بأن نأخذ بناء أرضيتنا بأيدينا وبالإمكانات المتاحة.
في النهاية، نعود إلى ماكيافيلي. كان يتحدث عن حاكم حكيم يتعرف على الداء مبكراً فيعالجه قبل أن يستفحل. وهنا تكمن مشكلة لبنان المزمنة: التشخيص المتأخر. فما دمنا نظرنا إلى الأزمة من فوق، بأدوات مصممة لأنظمة أبسط من نظامنا الاجتماعي المعقد، سنستمر في وصف المرض بدقة متزايدة من دون أن نقترب من علاجه ولو خطوة واحدة.
في الرياضيات، الصفر هو الأساس الذي تقوم عليه كلّ الأرقام. كذلك في السياسة، هو ليس غياب الخيار، بل الشّرط الذي يجعل أي خيار ممكناً.
* نشرت بتاريخ 23 ايار 2026 على موقع المدن
