سياسة صحف وآراء

القمة الأميركية-الصينية.. إدارة الاختلاف لا اجتراح حلول

* الدكتور سعيد عيسى

منذ قرابة أربعة وخمسين عاماً، في سنة 1972، جلس الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون مع الرئيس الصيني آنذاك ماو تسي تونغ، ليبحث معه نقاط الخلاف بينهما والمختصرة بثلاث قضايا أساسية هي الفلسفة والتوازن مع الاتحاد السوفياتي والبراغماتية. وعندما حاول نيكسون إثارة ملفات فييتنام وتايوان والنزاع الكوري، قاطعه ماو قائلاً: “أنا لا أناقش هذه المواضيع فهي من اختصاص رئيس الوزراء، أنا أناقش القضايا الفلسفية فقط”.

اليوم، بعد تلك المدة الطويلة سيجتمع الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ. والرجلان مختلفان تماماً عن بعضهما البعض، الأول يرى العالم صفقات تجارية رابحة، ويريد لدولته ثباتها وتبوأها على قمة العالم والثاني يرى العالم خريطة يتنقل بها بين ممرات وطرق ويسعى لهدف واحد، وهو تثبيت دعائم دولته الصاعدة نحو قمة العالم وتأكيد التعددية القطبية. وبين الاثنان ملفات لا يعرف أيها سيكون يوماً ما فتيلاً ستشتعل فيه النار أولاً ومعه بقية العالم.

وفي اللحظة التي سيتم فيها اللقاء، ستكون أمام الرئيسين على الطاولة ملفات كبيرة جداً، من التعددية القطبية والاعتراف بأن العالم لم يعد كما استحال بعد عام 1991 (اللحظة التي انهار فيها الاتحاد السوفياتي) إلى الحرب التجارية القائمة بين الصين والولايات المتحدة، وصولاً إلى تنظيم الخلاف للحؤول دون الوصول إلى المواجهة والاعتراف بموازين جديدة على الصعيد الدولي.

وكانت الصين قد استبقت القمة بسياسة التخلص التدريجي من السندات للضغط على الولايات المتحدة وتحصين اقتصادها قبل الدخول في مواجهة مباشرة، إذ كانت الصين تملك ما مجموعه 1.1 تريليون دولار قبل سنوات لكنها قلصتها لتصل إلى ما دون 750 مليار دولار حسب وزارة الخزانة الأميركية، واستبدلتها بالذهب. كما تعتبر الصين واحدة من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، ويبلغ العجز التجاري الأميركي لصالح بكين بين 280 إلى 300 مليار دولار، وهذا الرقم يستخدمه ترامب كورقة ضغط لتبرير فرض رسوم جمركية عليها استباقاً للقمة المرتقبة.

ومن ضمن الملفات الأساسية التي سيبحثها الطرفان الأميركي والصيني، هو الملف الإيراني، الذي لا يقل درجة عن غيره من الملفات. فالصين تشتري ما لا يقل عن 90% من النفط الإيراني، وفي هذا الصدد صرّح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في الكونغرس، بأن أولوية إدارة ترامب هي الوصول مع الصين لاختيار جانب واحد، من الحرب الدائرة، الولايات المتحدة أو إيران. لكن إيران بالنسبة للصين هي عقدة جيوسياسية ومرتكز أساسي في مشروعها المركزي الحزام والطريق.

وهناك ملف برز قبيل انعقاد القمة، وهو ملف البحر الأحمر، إذ كشفت تقارير صحافية عن محادثات تجريها الولايات المتحدة مع إريتريا لإنشاء قاعدة عسكرية على ساحل البحر الأحمر، وهو ما دفع الصين للقلق خوفاً من إغلاق هذا الممر الحيوي في وجهها يوماً ما، إذ لم يمضِ وقت طويل على افتتاح قاعدتها في جيبوتي وهي تقع على بعد بضع كيلومترات من معسكر ليمونييه الأميركي، وهذا بدوره خلق توتراً بين الطرفين، الأمر الذي اعتبرته الصين ورقة ضغط إضافية عليها.

وعلى جوانب القضايا الأساسية تتراءى للمجتمعين ثلاث جبهات ساخنة، واحدة في بحر الصين الجنوبي حيث تقف حاملات الطائرات الأميركية أمام الشعب المرجانية التي استصلحتها الصين وبنت عليها مهابط للطائرات، وإعلان الفيليبين عن مناورات واسعة هي الأكبر منذ عقد من الزمان. والثانية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، حيث تتجول حاملات طائرات أميركية أيضاً ومعها القطع البحرية لضمان حرية الملاحة من جهة ولقطع الطريق على حاملات النفط الإيرانية المعلنة أو تلك التي تستظل بأعلام دول ثانية، لمنعها من الإبحار والعودة من حيث أتت مستكملة الهجوم الذي بدأته واشنطن في 28 شباط/ فبراير من السنة الحالية. والثالثة في أوروبا، حيث أعلن ترامب سحب 5 آلاف جندي أميركي بعد خلاف بينه والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ومصير حلف الناتو. الملفات هذه وغيرها هي جملة من القضايا ستنعكس على القمة حتى لو لم يكن بعضها مدرج مباشرة على جدول الأعمال. هذا إلى جانب ورقة الضغط التي يلوّح بها ترامب وهي “مضيق ملقا”، الذي تمرّ عبره ما يزيد على 80% من واردات الصين النفطية.

والمشهد كما يبدو قبيل القمة أشبه بلعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد ذات مستويات متعددة، بحر الصين الجنوبي من جهة، وإيران من جهة أخرى، والبحر الأحمر من جهة ثالثة، ومعهم العلاقات التجارية والذكاء الاصطناعي وتايوان، والرقائق الإلكترونية. ورغم هذا كله، فترامب وشي جينبينغ لا يريدان حرباً مباشرة، فكلاهما يمارس استراتيجية ضبابية مقصودة، وكل حادث صغير قد يتحول إلى قضية كبرى. والقمة المزمع عقدها ليست مخصصة لإنهاء الصراع بينهما، بل لإدارة التوتر والتشنج ومنع سوء التقدير الذي يمكن أن يحصل، فهما لن يصلحا كل شيء ولكنهما سيعملان بمثابة رجلي إطفاء.

وفي وقت انعقاد القمة، يراقب حلفاء واشنطن الآسيويين والأوروبيين ومعهم اليابان وكوريا الجنوبية، القمة بقلق وارتياب، إذ يخشون من أن أي تفاهم أميركي-صيني قد يأتي على حسابهم وحساب مصالحهم، خصوصاً في بحر الصين الجنوبي وتايوان، بينما ترى بروكسل في انشغال ترامب بالصين فرصة لحرف أنظاره عنها فتسعى لمحاولة إعادة ترميم حلف شمال الأطلسي بعد الأزمة التي نشبت بين ترامب والمستشار الألماني، لكنها تدرك في الوقت عينه أن أي حرب قد تندلع في آسيا لن تكون أوروبا بمأمن منها.

ربما من المبكر لأوانه الحكم على القمة إذا كانت ستنتهي باتفاق يخفف التوتر بين الطرفين أم لا، لكن من المؤكد أن العلاقة بين واشنطن وبكين لن تعود كما كانت، فالتنافس بينهما يطال مساحة العالم كله براً وبحراً، لذلك يصبح أي خطأ في قراءة النيات كارثياً. فترامب وشي جينبينغ يدركان كلاهما أن العودة إلى الوراء مستحيلة، وأن المضي قدماً دون اتفاق خطر داهم، في حين أن الوقوف في منتصف الطريق خيار سيء، لكن ثمة سيناريوهان محتملان، الأول هو أن يخرج الرجلان بعد القمة باتفاق ضمني يقضي بتجميد النزاع بينهما مقابل حوافز اقتصادية مؤقتة، والثاني فشل القمة في تحقيق تقدم يذكر فيستمر الصراع بينهما ويزداد خطر الاشتباك المباشر في لحظة غفلة، والأرجح هو ألا يحلا شيء لكنهما يؤجلان الانفجار إلى موعد لاحق، لأن الصين ليست في وارد العودة إلى الوراء بل هي ساعية على قدم وساق وبخطى سلحفاتية نحو التربع على سدّة العالم حاملة معها إمبراطورية عمرها آلاف السنين، ما تزال تدغدغ مخيلتها وتستمر بين جنباتها.

وعند انتهاء القمة، سيخرج الرجلان للتصريح أمام وسائل الإعلام بان القمة كانت ناجحة ويصفان المحادثات بالبناءة، لكن ما دار في القمة وإن يكن سيتسرب منه القليل، لكنه سيظهر بعد أسابيع قليلة أو في الأشهر المقبلة، وتبقى الأسئلة معلقة عن بحر الصين الجنوبي؟ ودعم الصين لإيران؟ وتوقف الولايات المتحدة عن متابعة بناء قواعد جديدة على البحر الأحمر؟ وتقدم الصين نحو واحد من قطبي العالم؟

وعلى ما يبدو، أن القمم التاريخية باتت تعكس واقعية سياسية جديدة، إذ لم يعد بمقدورها حل النزاعات التاريخية، بل تحولت نحو إدارتها ومنع الصدام المباشر ولكنها تستعد له وكأنه حاصل غداً.

  * نشرت بتاريخ 13 أيار 2026 على موقع المدن