سياسة صحف وآراء

نكبة 78 عاماً: من بلدوزر الاقتلاع إلى مقاولات المحو والإبادة

* محمد حجيري   

في العام 1948، بعد ثلاثة أشهر على نكبة فلسطين، أصدر المفكر والأستاذ الجامعي السوري، قسطنطين زريق، كتابه “معنى النكبة”، أول دراسة تحليلية توثق هزيمة العرب في فلسطين، معتبراً إياها “نكبة” شاملة، لا مجرد نكسة.

يقول زريق معقبًا على قبول الدول العربية للهدنة الأولى: “ليست هزيمة العرب في فلسطين مجرد إخفاق، أو شر عابر. هذه نكبة بكامل معنى الكلمة، وإحدى أصعب النكبات التي ألمت بالعرب خلال تاريخهم الطويل. تعلن سبع دول عربية الحرب على الصهيونية في فلسطين، وتقف عاجزة مرتدة على أدبارها. تريد سبع دول إلغاء التقسيم والقضاء على الصهيونية، لكنها تترك المعركة بعد أن خسرت جزءًا كبيرًا من أرض فلسطين، حتى ذلك الجزء الذي أُعطي للعرب. إنها تضطر إلى قبول الهدنة التي لا يوجد فيها أية ميزة أو مكسب من جهتها”.

التصق مفهوم “النكبة” بالإعلان عن قيام دولة إسرائيل وهزيمة الجيوش العربيّة وتحوّل أكثر من 800 ألف فلسطيني إلى لاجئين، وإفراغ وتدمير أكثر من 400 قرية فلسطينية. هناك شبه إجماع بين الباحثين أن مصطلح النكبة وُلد على أثر كتاب زريق، وهو مَن نحته. والنكبة في اللغة: مصيبة مؤلمة توجِع الإنسانَ بما يعزُّ عليه من مالٍ أو حميمٍ. وكانت العرب تصف الريح العاتية بالنكباء، ويذكر الكاتب الفلسطيني حسن خضر أنه “لا توجد في التاريخ العربي، ما عدا نكبة البرامكة في العهد العباسي، حادثة حملت هذا الاسم. حتى الهزيمة الأندلسية نفسها لم تُختزل في هذا التعبير. من نافلة القول، بطبيعة الحال، التذكير بفساد الدلالة بين النكبتين البرامكية والفلسطينية، الأولى تخص عائلة أو طائفة من الناس وتدور في حقل الكينونة الاجتماعية، بينما تخص الثانية شعباً بأكمله، وتدور في حقل الكينونة القومية”.

والنكبة ليست حدثاً يفصل بين حقبتين، وما قبل وما بعد، وإن كانت الذروة في العام 1948، بقدر ما كانت النكبة واقعاً معيشاً لمسه الفلسطينيون منذ بداية الانتداب وحتى سقوط فلسطين. والنكبة لم تنته مع التقسيم وتشريعه من قبل الدول الكبرى التي تقاسمت النفوذ في العالم، بل زادت وتوسعت وتبعتها نكبات أخرى، أو ولدت منها نكبات. يرى الروائي الياس خوري في كتابه “النكسة مستمرة” أنّ الخطأ الذي وقع فيه قسطنطين زريق في تحليله للنكبة هو أنّه افترض أنها لحظة تاريخية حدثت وانتهت، وأنّ الفلسطينيين والعرب سيبدأون بعدها يقظتهم الفكرية للمواجهة. وزريق -بحسب خوري- لم يأخذ في الاعتبار أنّ الانتصار الصهيوني لم يكن نهاية العملية، بل بدايتها.

ولم تكن نكبة الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال فحسب، بل طاردتهم المآسي في أماكن أخرى. يقول الباحث ماهر الشريف، إن نكبة 1948 كانت حدثاً أسَّس لكارثة الشعب الفلسطيني، المتمثلة بسلسلة من الأحداث المأسوية التي تظهر أكبر تجلياتها في لجوء الفلسطينيين وتشردهم المتواصل: من الضفة الغربية وقطاع غزة بعد حرب حزيران/يونيو 1967، ومن لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف 1982، وأثناء “حرب المخيمات” (1985-1987)، ومن الكويت في عامَي 1990-1991 بعد الغزو العراقي، ومن ليبيا العام 1994، ومن العراق العام 2003، ومن سوريا بعد اندلاع الأحداث الدامية فيها العام 2011.

وانا أقرأ كتيب قسطنطين زريق، صدف أن قرأت تحقيقاً بعنوان “دور البلدوزر في استعمار فلسطين”، نشرته مجلة “الأسبوع العربي” في 30 حزيران 1967، يبين أن الاحتلال اعتمد نسف البيوت والقرى نهجاً في مساره وخططه، وقد حوّل الآلة الثقيلة رمزاً لسلوكه اليومي. كان ينسف البيوت الفلسطينية لأسباب واهية، ويبنى مكانها مستوطنات، بالمعنى المباشر يستولي على الأرض. في السنوات الأخيرة، بات استعمال البلدوزر في هدم البيوت الفلسطينية موضة قديمة، إذ استعملت إسرائيل آلاف الاطنان من القنابل في تدمير غزة وجنوب لبنان. عشرات المخيمات والبلدات والمدن سويت بالأرض… وأكثر من ذلك، سلّم الاسرائيلي التدمير إلى شركات مقاولة، لتنسف الذاكرة وشقاء الحياة بطريقة تفجيرات المقالع والكسارات، وبالنهاية كل شيء يؤدي إلى سياسة الأرض المحروقة، والمعنى لا نحسه بعمق إلا عندما نقرأ كتابات أصحاب البيوت والأرض عن أشخاص فقدوهم، عن مقتنيات منزل ذهبت تحت الركام، عن مكتبات وأشياء صغيرة وكبيرة لم تعد موجودة، يصبح الحزن هو الملاذ الأخير في مواجهة الهمجية.

من قبل، كان الفلسطينيون يأخذون المفاتيح مقتنعين بأنهم ذات يوم سيعودون إليها. ويتوارث الفلسطينيون تلك المفاتيح جيلاً بعد جيل، لتُذكرهم بديارهم المسلوبة، فضلاً عما تمثله من رموز باقية للحق في العودة. وتبقى المفاتيح رمزاً للأمل والصمود بالنسبة للاجئين الفلسطينيين. اليوم تبدّل المشهد، صارت البيوت تقصف مباشرة، ولم يبق لأصحابها إلا الصورة والذكريات. صور تدمير البيوت أشد قسوة من القتل.

واليوم في ذكرى النكبة تسعى إسرائيل لإلغاء ما يسمى اتفاقية أوسلو، أو ما تبقى منها، ومن وقت إلى آخر، يظهر نتنياهو جنون عظَمته ومرضه، ويحاول الترويج لخرائط جديدة للشرق الأوسط، بينما الكنيست الإسرائيلي يقر قانون إعدام الأسرى.
تحل الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية هذا العام، بينما يعيش الفلسطينيون حرباً مدمرة في قطاع غزة، وتصاعداً غير مسبوق في الاستيطان والتهجير بالضفة الغربية المحتلة. وبحسب المعطيات، فإن عدد الفلسطينيين الذين قتلهم الاحتلال منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى نهاية أبريل/نيسان 2026، تجاوز 73 ألفا و761 فلسطينياً، بينهم 72 ألفاً و601 في قطاع غزة، و1160 في الضفة الغربية.

 * نشرت بتاريخ 14 ايار 2026  على موقع المدن