سياسة صحف وآراء

مستقبل لبنان وسط إعادة تشكيل الشرق الأوسط

 * المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات 

لم تعد مقاربة الشأن اللبناني من منظور داخلي كافية لفهم تعقيداته. فقد دخل لبنان مرحلة جديدة كليًّا في أعقاب الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، حيث تتقاطع التحولات الإقليمية الكبرى مع إعادة تشكيل شاملة للمنظومات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، ما يحوّله تدرّجًا إلى واحدة من أكثر الساحات حساسية في الصراع الأوسع حول شكل النظام الإقليمي الجديد.

قبل الحرب، كان النظام العربي يعتبر إيران التهديد الرئيسي للاستقرار الإقليمي، لكن مسار الحرب كشف عن نزعة إسرائيلية متصاعدة لأداء دور القوة المهيمنة التي تسعى لإعادة صياغة النظام الإقليمي بما يضمن تفوّقها الاستراتيجي الطويل الأمد. ولم تعد تحركّات إسرائيل تقتصر على منطق «الأمن الوقائي»، بل أصبحت جزءًا من رؤية أشمل تتمحور حول فرض إعادة ترتيب الملفات الأمنية وإمدادات الطاقة والممرات التجارية والتحالفات العسكرية.

في المقابل، سلّطت الحرب الضوء على حدود الدور الأميركي التقليدي، حيث لم تعد الضمانات الأمنية الأميركية تمتلك قوتها أو جاهزيتها السابقة، خصوصًا في ظل انشغال واشنطن بإدارة تنافسها مع الصين وروسيا، ما دفع دولًا عربية، لا سيما دول الخليج، إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي، والتوجه نحو بناء ترتيبات تعتمد على الذات وقائمة على توازنات إقليمية مرنة تقلل من الاعتماد على الحماية الخارجية.

«مسار إسلام أباد»:إطار إقليمي ناشئ

في هذا السياق، برز ما يُعرف بـ «مسار إسلام أباد» باعتباره إطارًا إقليميًّا ناشئًا يضم دولًا فاعلة، مثل السعودية وتركيا ومصر وقطر وباكستان، مع انخراط تدرّجي لسورية. وهذا المسار لا يقوم على تحالف عسكري تقليدي، بل على شبكة تفاهمات متعددة الأبعاد تهدف إلى منع أي طرف – خصوصًا إسرائيل – من فرض هيمنته المنفردة على المنطقة. ويعكس هذا المسار إدراكًا متزايدًا أن المرحلة المقبلة ستعتمد على التوازنات المرنة والمفاوضات الطويلة الأمد، بدلًا من الحلول العسكرية الحاسمة.

أما على مستوى المقاربات الإقليمية تجاه لبنان، فتظهر تباينات في الأهداف والوسائل، إلى جانب إجماع عام على ضرورة منع انهيار الدولة اللبنانية. ففي الرؤية الخليجية، خصوصًا السعودية، يبقى تقليص النفوذ الإيراني هدفًا أساسيًّا، لكن من دون الانزلاق إلى فوضى شاملة يمكن أن تؤدي إلى تداعيات إقليمية خطيرة. لذا، تحوّل التركيز نحو حماية مؤسسات الدولة اللبنانية والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.

دولة قطر دور الوسيط 

في هذا السياق، تؤدي دولة قطر دور الوسيط الذي يحافظ على قنوات الاتصال بين مختلف الأطراف، ويتحرك بمنطق “احتواء التصعيد”. في حين تقترح مصر مقاربة أكثر تفصيلًا تقوم على مبدأ “الخطوات المتزامنة”، بما في ذلك تجميد النشاط العسكري لحزب الله في مناطق محددة، مقابل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية والانسحاب التدرّجي، مع دمج ملف إعادة الإعمار في تسوية شاملة، لتحقيق توازن بين الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية.

أمّا تركيا فترى في التحولات الجارية تهديدًا مباشرًا لمصالحها الإقليمية. فهي تعتقد أن إسرائيل، بعد إضعاف النفوذ الإيراني، قد تتحرك لمحاصرة الدور التركي في سورية وشرق المتوسط، خصوصًا في ظل التنافس على إمدادات الطاقة والممرات التجارية. وتزداد أهمية تركيا كونها ممرًّا محتملًا بين آسيا وأوروبا وهذا الممرّ يُعرف بـ “الممر الأوسط”، ما يدفعها إلى تعزيز التنسيق مع الدول العربية والانخراط بعمق أكبر في الملف اللبناني.

أما سورية فقد عادت تدرّجًا إلى موقع محوري في الترتيبات الإقليمية، باعتبارها عقدة جغرافية واستراتيجية تربط بين فضاءات إقليمية عدة. وتسعى دمشق إلى إعادة تقديم نفسها دولةً عربية منفتحة، تحافظ على التوازن في علاقاتها مع القوى الإقليمية، وترفض أن تكون ساحة نفوذ لأي طرف. ويبرز دورها في لبنان من خلال مساعي إعادة ربطه بمحيطه السوري-العربي، خصوصًا في ملفات إعادة الإعمار والتجارة، وإمدادات الطاقة، وحركة العبور الإقليمي.  

لبنان والمنعطف التاريخي

في الخلاصة، يقف لبنان اليوم عند منعطف تاريخي، حيث لم يعد السؤال متعلقًا بمصير الحرب في جنوبه، بل بمكانة لبنان نفسه ضمن النظام الإقليمي الذي يُبنى الآن؛ فهو يواجه معادلة شديدة الخطورة: فإما أن يتحول إلى جزء من الترتيبات الجديدة التي تسعى إسرائيل لفرضها بعد الحرب، وإما أن ينجح في تموضعه ضمن شبكة التوازن العربي-الإقليمي الناشئ التي تحاول منع انهيار المنطقة أو خضوعها بالكامل للمشروع الإسرائيلي.

علاوة على ذلك، لم يعد لبنان قادرًا على البقاء في موقعه التقليدي، وهو عاجز كليًّا عن حسم خياراته الاستراتيجية وسط الانقسام الداخلي الحاد؛ فمستقبله لن يتحدد بنتائج الحرب أو المفاوضات فحسب، بل بقدرته على فهم طبيعة الشرق الأوسط الجديد الذي سيولد من رماد الحروب الكبرى، وعلى إيجاد موقع ضمن التوازنات الجديدة أيضًا، يمنع تحوّله إلى ساحة لفرض الهيمنة الإسرائيلية أو الصراعات المفتوحة.

*نشر بتاريخ 15 أيار 2026 على موقع المدن