سياسة صحف وآراء

في قبو النجاة: عن “الانفصال الصغير” في عالم الضرورة الأميركي

* بلال خبيز

الحديث عن “انتصار إيراني” في التحليلات الغربية، والأميركية تحديداً، غالباً ما يستند إلى معايير جيوسياسية باردة، لكنه يغفل الحقيقة التي نعاينها التي يمكن تسميتها بـِ “الانتصار في المقابر” وتحول الشعوب إلى “مادة خام للعنف”.

الانتصار كـَ “بقاء بيولوجي” للنظام

المحللون الأميركيون يرون أن إيران “انتصرت” لأنها نجحت في تثبيت قواعد الاشتباك، وتهديد المسارات البحرية (مضيق هرمز)، والحفاظ على “الأذرع” رغم الضربات القاسية. لكن هذا الانتصار هو “انتصار الجهاز على المجتمع”. فالنظام ينتصر كآلية سلطة، بينما تتهدم “البيوت” وتُمحى “الذاكرة” وتتحول الشعوب (في لبنان، سوريا، اليمن، وحتى إيران) إلى “غبار” استهلاكي وعسكري.

فخ “التعريف الأميركي” للانتصار

أميركا حين تصف إيران بالمنتصرة، فهي تفعل ذلك لـِ “توريط العالم” في كلفة الحل. هي لا تمانع أن “تنتصر” إيران تكتيكياً، إذا كان ثمن هذا النصر هو استنزاف المنطقة بالكامل، وتحويلها إلى “غابة بلا مسارات”، ورفع أسعار التأمين والطلب على النفط الأميركي. إنه انتصار داخل “الإطار الأميركي”؛ حيث تظل إيران “البعبع” الضروري لشرعنة الهيمنة غير المباشرة وربط بقية دول المنطقة بالماكينة الاقتصادية الدولية هرباً من الحريق.

“نيو بالانس” ونايكي: الانتصار المهزوم ثقافياً

مراقبة صور قادة حزب الله الذين قضوا في هذه الحرب تفصح عن مفارقة مذهلة؛ هؤلاء جميعاً ينتعلون أحذية رياضية من ماركات عالمية، معظمها أميركي. كيف يمكن لمن ينتعل “نيو بالانس” ويحلم بنموذج استهلاكي غربي أن يدّعي “الانتصار” على الغرب؟ الأرجح أن هذا الانتصار هو “نصر مشلول” لأنه لا يقدم بديلاً حضارياً. إنه نصر “المستخدم المأسور” الذي نجح في كسر النافذة لكنه لا يزال محتجزاً داخل الغرفة.

تحويل “الأزمة إلى سوق”

التحليل الأميركي يرى الانتصار الإيراني كـ”واقع على الأرض” (Fact on the ground)، لكنه يتعامل معه كأزمة يجب “تسليعها”. في هذا المناخ، تربح أميركا (بصفتها بائع الحماية والحلول النهائية) ويربح “المستهلك المأسور” الذي يرضى بأي قيد مقابل النجاة، وتخسر “السياسة” و”المواطن”. ما يصفه الأميركيون بـِ “الانتصار الإيراني” هو في الحقيقة “اكتمال مشهد الخراب الإقليمي”. هو انتصار “السلطة غير المرئية” التي نجحت في محو الوجوه والأسماء واستبدالها بالصواريخ والماركات العالمية.

المظلة الأمنية: “الابتزاز بالضرورة”

ما يغفله المحللون هو أنَّ “أذى إيران” لحلفاء أميركا لا يضعف المظلة الأميركية، بل يجعلها قدراً لا مفر منه. أميركا لا تهدف لإزالة الخطر بل لإدارته بحيث يظل الحلفاء مستعدين لدفع “كلفة الحل” بشروط واشنطن، وليس بشروط أمنهم القومي الخاص.

بكين: “التاجر الكبير” لا “المهيمن البديل”

الصين اليوم هي “مصنع العالم”، لكنها تفتقر (ولا ترغب حالياً) في تحمل “كلفة الهيمنة” التي تتطلب التدخل العسكري وإدارة الأزمات الأخلاقية. في الحرب الحالية، وقفت الصين موقف “المراقب القلق”؛ وهذا يثبت أن العالم لا يزال “أميركي الإدارة” حتى لو كان “صيني الإنتاج”. فما الفائدة من إنتاج هواتف “شاومي” إذا كان الطريق البحري لا يفتحه إلا قرار أو بارجة أميركية؟

أما أوروبا، فهي تعيش حالة “التقاعد السياسي”. بتمنعها عن مشاركة أميركا في هندسة آسيا، حكمت على نفسها بأن تكون “حديقة خلفية” أو مجرد “سوق استهلاكي” عالي الجودة، لكنه بلا مخالب.

الانتصار الإيراني”: لمن تذهب الأرباح؟

لو انتصرت إيران فعلاً، فما الذي يعود عليها بالفائدة؟ هذا نصر بلا ثمار. المستفيد الأخير هو مالك “مفاتيح النظام العالمي”. إذا ارتفع سعر النفط، تربح شركات أميركا. إذا زاد القلق الأمني، تربح شركات التأمين والسلاح الأميركية. إيران تشتري “نفوذاً في الركام”، بينما أميركا تبيع “أمناً في الفوضى”. أميركا لم تعد بحاجة لإقناع العالم بأنها “الخير المطلق”، بل يكفيها أن تقنع العالم بأنها “الضرورة الوحيدة” لتجنب “الشر المطلق”.

أميركا كـ”نظام بيئي” مغلق (Ecosystem)

وحدها أميركا تملك صفات “الدولة الشاملة”: الأمن الغذائي، استقلال الطاقة، السيادة التقنية، والقوة الغاشمة، وتجمعها تحت سلطة فيدرالية واحدة. هذا التعدد داخل الوحدة يجعل منها “عالماً قائماً بذاته”، بينما الدول الأخرى (النفطية، الزراعية، العسكرية) هي “أعضاء مبتورة” مأسورة بوظيفتها، وتحتاج دائماً إلى الآخر الأميركي لتكمل وظائفها الحيوية.

الذكاء الاصطناعي و”إعادة الحذق”

النجاة من “الضرورة الأميركية” ليست فعلاً سياسياً تقليدياً، بل هي فعل بنيوي يعتمد على الاكتفاء الذاتي والابتكار الأصيل. الذكاء الاصطناعي مساعد مهم هنا؛ ليس كخوارزمية نملكها، بل كأداة خففت عنا أعباء “التعلم اللساني” المجهد، وأعطتنا وقتاً إضافياً يجدر بنا أن ننفقه في “إعادة الحذق لأيدينا”.

نحن الآن في طور “التفكك البنيوي”؛ مرحلة تنهار فيها الروابط القديمة قبل أن تنضج الروابط الجديدة. وهذا التفكك يعني ضياع الأمان، وفقدان المسارات، واضطرار الفرد لمواجهة العالم وحيداً بأدواته البسيطة.

الخلاصة عودة إلى المطرقة:

المخرج الوحيد ليس بالسياسة (الطريق الثالث الوهمي)، بل بـِ “الانفصال الصغير”؛ عودة الفرد لحذقه، لبيته، لاكتفائه الذاتي، مستخدماً “ذكاء الآلة” كخادم لهذا الانفصال وليس كسيد له. وهذا الانفصال الصغير لا يعني الانعزال الكامل عن العالم، بل تقليل الارتهان له. إنه محاولة لاستعادة حد أدنى من القدرة على العيش خارج شبكات الاعتماد الكلي.

نحن نعيش “زمن الانعزال المنتج” كفعل مقاومة أخير. فإذا كانت السلطات غير مرئية وتدير العالم كزلزال، فإن النجاة تكون بالنزول إلى “القبو” لترميم ما تبقى من إنسانية… بيدين تعرفان كيف تمسكان المطرقة، وعقل لم يعد يرتعب من طلاسم القانون أو فلسفات النصر المشلول.

* نشرت بتاريخ 15 2026 على موقع المدن