صحف وآراء مجتمع

النظام الطائفي في لبنان لا ينتج دولة، بل إدارة مؤقتة لصراع دائم

محمد قدوح

بيروت 9 أيـــار 2026 ـ بيروت الحرية

لم تشهد الأجيال اللبنانية المتعاقبة منذ ستينيات القرن الماضي قيام الدولة كمرجعية عامة، تقوم بوظائفها في جميع المجالات، و تحتكر حق استعمال السلاح وتمارس السيادة على جميع اراضيها. لقد بدأ دور الدولة كمرجعية عامة بالتراجع قبيل بدء الحرب الأهلية عام 1975، كنتيجة طبيعية لفقدانها حقها في إحتكار العنف و السلاح والسيادة على كامل أراضيها، لكنها حافظت خلال الحرب الأهلية نسبيا على وظائفها الإدارية، المالية، الإقتصادية والاجتماعية. ولكن جرى ذلك تحت إمرة القوى والأحزاب الطائفية التي تسلمت عمليا مقاليد الأمور.

لكن ما كان ممكنا خلال هذه الحرب لم يعد كذلك بعدها، نتيجة إنتقال الميليشيات من الشارع إلى الإمساك كليا بمقاليد السلطة من داخل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية وإداراتها، حيث تقاسمت الوظائف الحيوية للدولة مع القطاع الخاص. ونسجت في مختلف المواقع الشبكات الزبائنية و الحزبية والطائفية. وفي السياق جرى توزيع المواقع الإدارية والعسكرية والأمنية،على أساس التوازنات أو المحاصصة بين هذه القوى.

وأظهرهذا الأداء صورة الدولة، بمظهر الخاضعة لحسابات الزعامات الطائفية، أكثر مما تخضع لاحتياجات الناس. وبات المواطن يحصل على الكهرباء من المولدات، والماء من الصهاريج، والحماية من الجهات النافذة في طائفته، والخدمات الصحية والاجتماعية عبر الأحزاب الطائفية، واصبحت الوظائف العامة إمتدادا للعلاقات السياسية والتبعية للنفوذ الطائفي، بدلا من معيار الكفاءة والحاجة. هذا الأداء أنتج الخيبة لدى المواطن، مما أدى إلى تآكل مفهوم الدولة في الوعى الجمعي، وإنهيار الثقة بها كمرجع ضامن للحماية والحقوق والعدالة.

لقد حصل منذ إنتهاء الحرب الأهلية عام 1990، أن شهدت البلاد حروبا وأحداثا كثيرة. ولم يحصل أن اتفق اللبنانيون على رواية واحدة لها، بما في ذلك الحرب الأهلية وما سبقها من معارك ومواجهات وأحداث. فقد تأكد أن لكل مجموعة طائفية روايتها الخاصة وذاكرتها الخاصة وتجربتها الخاصة، بحيث لا يوجد خلال الحقبة الزمنية الماضية، حدث وطني جامع، وإن وجد فقد تمّ إفراغه من مضمونه. ما جرى في العرف الطوائفي عبارة عن أحداث متوازية لا تحقق تراكما مجتمعيا. ما يعني أن اللبنانيين لا يعيشون أزمة سياسية فحسب، بل معضلة فراغ مرجعي  موحّد. وهو ما يجعل الكارثة تتكرر دون أن تتحول إلى وعياً مشتركاً ينتج تغييرا.

وبخلاف ما هي عليه في باقي دول العالم. حيث تنتج الكارثة ذاكرة. والذاكرة تنتج وعيا، والوعي ينتج تغييرا ولو بعد حين.   فإن الكارثة في لبنان تنتج صراخاً، ثم ألماً، ثم نسياناً مؤقتاً فكارثة جديدة. ما يعني أنه بعد أكثر من 35 سنة على انتهاء الحرب الأهلية، لا نعيش مرحلة ما بعد الحرب، بل  في مساراتها المفتوحة بصيغ وعناوين مختلفة، تتبدل محطاتها  وتتوالى فصولها دون انقطاع  داخل  مؤسسات وأجهزة الدولة وخارجها.  فكل مجموعة طائفية، تعيش حرباً مختلفة، وتروي سردية أو قصة مختلفة، وتبني ذاكرة مختلفة، وكلها متنازع عليها بين المجموعات الطائفية، إلى حد الإنقسام الوجودي، وهو ما يؤكد أن الحرب لم تنتهِ، وستضاف إلى سلسلة طويلة من الأحداث  والحروب الكارثية، وهى ستؤسس بالتأكيد لما بعدها من الكوارث.

لقد أصبح لبنان دولة فاقدة لشرط كيانها الوجودي، بوصفها درعا يحمي وجهازاً يدير شؤون البلاد ويدرأ المخاطر. دولة لا تملك القدرة على إنتاج مبررات وجودها، بعدما أصبحت من الناحية الفعلية مجموعة دويلات لها مرجعياتها المختلفة، ولكل منها تعريفها الخاص لأمنها ومستقبلها وعلاقاتها خارج الحدود، وهي التي تمثل بالنسبة لها شرط وجودها. والتحالفات بين هذه الدويلات ليست محطات في مشروع  بناء دولة، وإنما هى تحالفات ظرفية هدفها تصفية خصم مشترك، ثم  تصفية الحليف لاحقا، وهو ما ينتج إدارة مؤقتة لصراع دائم تتبدل مساراته التحالفات والخصومات والتوازنات.

المشكلة الدائمة هى أن كل دويلة تريد فرض  هيمنتها على الجميع، وسواها يتربص بها لانه يريد القضاء عليها. والاستقواء بالخارج، أي خارج متاح، سمة مشتركة، رغم الادراك المسبق، أن أطرافه يبحثون عن مصالحهم، بعيداً عن مصلحة لبنان وسيادته وحماية شعبه ومقدراته.

ما نشهده اليوم ليس مجرد إختلاف بالرأى، بل عملية ممنهجة غايتها إعادة تشكيل المجتمع، بحيث يكون أقل قدرة على إنتاج موقف وطني جامع، تتشاركه كل القوى السياسية الطائفية. وإن بنسب متفاوتة في تكريس هذا الواقع، عبر خطاب طائفي ومذهبي يجعل الفضاء العام مساحة مفتوحة للغرائز، وليس للحوار. فالإنقسام في لبنان، لم يعد نتيجة للحرب، بل أصبح أحد أدواتها عبر تحويل الكراهية والخوف إلى مادة تنتج يوميا، مما يجعل الصراع بين هذه الدويلات، ينتقل من العنف المادي أي المسلح إلى العنف المعنوي أي القدح والذم والشتم والسباب بالصوت والصورة … وحينما يتحول الخطاب العام إلى شتائم  واتهامات يسقط الحاجز الأخلاقي الذي يضبط الإنحدار .

عندما يسقط مجتمع إلى هذا الدرك، لا يستطيع إعادة بناء دولة. وهو أمر مرشح للاستمرار، ما لم يولد  تيار وطني عابر للطوائف يحمل هموم وقضايا إنسان هذا المجتمع، ينتفض بوجه القوى الطائفية. وهو أمر ليس غريبا عن المجتمع اللبناني، الذي سبق وأن انتفض بوجه هذه القوى أكثرمن مرة، وكان آخرها إنتفاضة 17 تشرين أول 2019. أسئلة كثيرة تطرح، في ظل الصراع الدائر في المنطقة وعليها، هل تحدث إنتفاضة جديدة قبل فوات الأوان ؟هل تستدرك قوى السلطة ،و تتوقف عن الشحن الطائفي و الإصطفافات الطائفية التي تمنع إستكمالبناء السلطة ، وتسارع للتوحد للحفاظ على الكيان اللبناني؟ وهل يكون للبنان مكان ودور في عملية إعادة رسم كيانات المنطقة ؟ وما هى قدرة لبنان على الخروج من الوصايات الخارجية؟