الدكتور زهير هواري
بيروت 7 أيار 2026 ـ بيروت الحرية
عرضنا في الحلقة الأولى لما يشهده لبنان من أعمال عسكرية يمكن وصمها بأنها عمليات إعدام سافرة، لا تطال العسكريين بل كل من تشتبه اسرائيل بأنه يفكر في التصدي لاحتلالها. والآن نتناول قانون الاعدام للمعتقلين من الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل اسرائيليين. فالقانون المذكور الذي أقره الكنيست يمارَس في بلاد يُفترض أنها تخضع لاتفاقيات جنيف حول الحرب. وهي اتفاقيات لا تعترف بها اسرائيل ولا تقيم لها ولا للقانون الدولي أي اعتبار أو وزن. وبهذا المعنى ففي العالم حيث يجري إلغاء المواد التي تجيز تنفيذ أحكام عقوبة الاعدام من القوانين النافذة، نجد اسرائيل تسير عكس هذا التيار، و تقر قانون الاعدام، وإنما على الشعب الفلسطيني الخاضع لاحتلالها. والقانون المذكور هو من نتائج مبادرة للوزير الاسرائيلي ايتمار بن غفير، لكن مسؤولية اقراره تطال كامل الحكومة وكل من صوت لصالحه في الكنيست، أي المؤسسة الصهيونية اليمينية. وبالطبع يهدف القانون إلى كبح نضال الشعب الفلسطيني في المناطق المصنفة دوليا وأمميا بأنها محتلة. حيث يتعرض يوميا لهجمات المستوطنين دون أن يحرك الجيش وأجهزة الأمن ساكنا، بل يساعد المعتدين على اقتراف جرائمهم. وكل ما حدث يضاعف هذا المنحى بدليل اطلاق سراح المتهمين من المستوطنين المتطرفين مباشرة دون أن ينالهم أي عقاب. وقد سبق ذلك تزويدهم بعشرة الآف قطعة من الأسلحة الحربية. الآن نتناول في الحلقة الثانية مضاعفات هذا القانون على الضفة الغربية، وبعدها ما شهده قطاع غزة، الذي تعرض لحرب مدمرة لا علاقة لمجرياتها بالقوانين والمواثيق الدولية.
في الضفة قانون لاعدام الأسرى
بالانتقال إلى المجال القانوني الذي تعتمده دولة الاحتلال، أقر الكنيست الإسرائيلي بأغلبية 62 مقابل 48 صوتا قانونا يجعل عقوبة الإعدام تطال الفلسطينيين المدانين أمام المحاكم العسكرية بقتل إسرائيليين. والنتيجة أنه بات بعد الإقرار هناك نظام هجين ينهض على تطبيق عقوبة الإعدام على الفلسيطينيين، بحكم بنيته القضائية، ويعفي منها الاسرائيليون. والملفت أن هذا القانون هو قانون واضح العنصرية نصا وروحا، ولا يحتاج لاجتهاد وتفسيرات فقهية، إذ يطبق على فئة قومية دون أخرى داخل الإقليم نفسه. ومن المعروف أن أي قانون لا يشمل جميع أبناء ومناطق وحدود الدولة ويميز بينهم يعتبر قانونا عنصريا، كونه يستهدف قسما من السكان وليس جميعهم. من هنا تصاعدت الاعتراضات عليه داخل فلسطين وخارجها، وفي المقدم منها الهيئات القانونية والحقوقية الأممية والعالمية، التي وصفته بأنه تعبير عن قرار بارتكاب جريمة حرب وجريمة ضد الانسانية وما شابه. وهو ما لم يثن قوات الاحتلال عن تنفيذه.
والقانون يمثل نقلة نوعية حيال التعاطي مع فلسطينيي الضفة الغربية الذين كانوا يخضعون للأمر العسكري الإسرائيلي رقم 1651، ويُحاكمون أمام محاكم عسكرية لا تصل عقوبتها حد الاعدام، بل أحكام مؤبدة بالجملة. بينما ينصّ القانون الجديد على الإعدام شنقاً بما هو عقوبة افتراضية لجرائم القتل المصنّفة إرهابية. في المقابل يحاكم المستوطنون الإسرائيليون في المنطقة نفسها أمام محاكم مدنية، لتبقى السلطة التقديرية للقضاء محفوظة، وتظلّ عقوبة الإعدام أحد الخيارات العقابية المتاحة للفلسطينيين. وعليه، يستثني القانون على نحو واضح المواطنين والمقيمين الإسرائيليين من اختصاص المحاكم العسكرية. ما يعني تعريض الفلسطينيين لعقوبة الإعدام، وتوفير الحماية الإجرائية للإسرائيليين. أكثر من ذلك تعمل المحاكم العسكرية بنسبة إدانة تبلغ نحو 96%، بموجب اعترافات يجري انتزاعها قسرا وتحت التعذيب. ويُلزم القانون تنفيذ الإعدام خلال 90 يوماً من صدور الحكم بأكثرية بسيطة، ويقيّد الاستئناف. ويعني ذلك الاطاحة بالقانون الدولي الإنساني، واتفاقية جنيف الرابعة التي لا تجيز المادة 68 منها عقوبة الإعدام في الأراضي المحتلّة إلا بشروط محدّدة.
وفي الوقت نفسه، تفيد بيانات منظّمات حقوقية بأنَّ نحو 93% من الشكاوى المقدّمة بشأن عنف المستوطنين الموجّه ضدّ الفلسطينيين، حتى ولو أدى إلى سقوط ضحايا أُغلقت من دون توجيه اتهامات. وهكذا، يُدخل القانون عقوبة إعدام معجّلة ضمن نظام يضمن، في الوقت نفسه، إفلاتاً شبه تام من العقاب على العنف المميت المرتكب على الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال.
ومثل هذا القانون الذي لم تعرف اسرائيل شبيها له، يعبر عن مناخ هيمنة اليمين الصهيوني المتطرف على الكنيست من جهة، وعلى القضاء من جهة ثانية، حيث يمارس التمييز ضد الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال، الذي يرى فيه اليمين العنصري “تحريرا لأرض اسرائيل الموعودة في يهودا والسامرة”. ويعتقد قادة الليكود وأمثالهم أن من شأن قانون على هذا النحو أن يلجم نضال الشعب الفلسطيني، ويمنع اصراره على تحرير وطنه وبناء السلطة الوطنية الفلسطينية على أرضه المحتلة.
ولكن قبل ذلك كيف سارت الأمور في قطاع غزة خلال الحرب؟
في غزة اعدام من دون قانون
ما إن انطللقت عملية الرد على هجوم “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين 2023 على المستوطنات في غلاف غزة، حتى باشر الجيش والاستخبارات الاسرائيلية ما يمكن أن يوصف بأنه جرائم حرب وعمليات اعدام أو إبادة جماعية موصوفة . وما حدث خلال عامين ونصف العام كان عبارة عن تنفيذ لقرارات بالاعدام الجماعي دون أحكام قضائية، وإن كانت مموهة بالضرورات العسكرية. يمكن القول إن أكثر من 95 % من الممارسات الاسرائيلية العسكرية تتناقض مع أحكام اتفاقيات جنيف التي تحدد شروط وقوانين الحرب التي يجب احترامها. أبسط الأمور التي يمكن تسجيلها تلك التي استهدفت المدنيين من الفلسطينيين، والتي تجاوزت لجهة الخسائر البشرية الـ 72 ألف شهيد. والتي لم يميز جيش الاحتلال في هجماته خلالها بين منشأة وأحياء مدنية ومواقع عسكرية. أو بين مقاتلين ومدنيين مسالمين. وعليه، فقد قام بعملية تدمير منهجية شاملة دون الالتفات إلى الخسائر البشرية المحتملة، ودون توازن في الرد في حال الافتراض أن هجمات الجيش الصهيوني هي رد على صواريخ حماس. وقد توجها بتهجير سكان المدن والمخيمات الفلسطينية من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال مرات عدة، وكان طموحه إبعادهم نحو كل من سيناء والضفة الشرقية أو أي مكان يتولى استقبالهم. وفي غضون هذه الهجمات والإنذارات قام بقطع وتدمير كل سبل الحياة المدنية عن أن تصل إليه ايدي المواطنين الفلسطينيين، بينما كان يعلم أن المقاتلين يتمترسون محصنين في الأنفاق. فقد قطع تمديدات المياه والكهرباء والهاتف ودمر المرافق والمؤسسات الصحية والاستشفائية ومنع إدخال الأدوية والمعدات والمستلزمات الطبية وخرب المجاري الصحية ومحطات تحلية المياه أو تكريرها. كما جعل من سكان القطاع، عندما قطع عنهم الطعام والماء وعن الاطفال الحليب، متسولين أمام مراكز ومطابخ بعض الجهات الدولية والخارجية المانحة، التي تقدم لهم طعاما يضمن بقاءهم لا أكثر ولا أقل. والحصيلة أن مئات الاطفال ماتوا جوعا أو عانوا من نقصان الوزن وسوء التغذية، وتعرضوا نتيجة ذلك إلى الاعاقات الحركية. أيضا منعت، أو أعاقت، وما تزال قوات الاحتلال إلى الآن، خروج المرضى لتلقي العلاج في مستشفيات الضفة الغربية ومصر والاردن. هذا مع العلم أن تلك الحرب التي شنت على القطاع خلفت وراءها ما لا يقل عن 175 ألف مصاب من بينهم عشرات الآلاف من ذوي الحاجات الخاصة، الذين هم بحاجة إلى المزيد من العمليات الجراحية والأدوات التعويضية وعمليات التدريب من أجل انقاذ حياتهم واستعادة لياقاتهم الحركية.
اعدام بالجملة
أن تصل عملية التدمير إلى كل مقومات ومصادر الحياة الآدمية من بيوت ومدارس وجامعات وعيادات ومرافق عمل وحقول وأسواق وتجارة وطرقات ومجاري وشبكات هاتف وانترنت وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الآدمية، يجب أن يضاف إلى ما يمكن أن يوصف بأنه عمليات اعدام بالجملة . فماذا يعني استهداف عائلة بأكملها أو حيا سكانيا ( في ما يسمى الأحزمة النارية) للقضاء على مقاتل واحد، غير عملية اعدام جماعية، وماذا يعني فقدان الناس مصادر الرزق، لا سيما في ظل فقدان كل سبل الحماية للوقاية من الموت أو الاصابة؟ فقد جرى تباعا القضاء على مؤسسات ودور الاونروا والأمم المتحدة والمنظمات الدولية والأممية. وماذا يعني استهداف الأطقم الطبية وسوق العشرات منهم إلى السجون، وتدمير المستشفيات وسيارات الاسعاف والمستوصفات وغيرها من مؤسسات معنية بالدفاع وحماية الحياة الآدمية في زمن الحروب سوى عمليات اعدام. اعدام وإن لم تنصب معها أعواد المشانق وتجهز الفرق المتخصصة، ويتلى القرار أو الحكم القضائي قبل أن يشد الحبل ويزاح الكرسي من تحت اقدام “المتهم”. باختصار يمكن القول إن الالوف المؤلفة من الذين جرى قتلهم بدم بارد ومن دون لزوم أو ضرورات عسكرية، يمكن اعتبارهم ضحايا لقرارات باعدامهم من جانب المؤسسة العسكرية ميدانيا وبمرجعية سياسية من وزارة الحرب وحكومة بنيامين نتنياهو المصغرة أو المكبرة. والحصيلة أن هناك عشرات الألوف ممن قضوا نحبهم اُعدموا ببرودة أعصاب، لأنهم لم يملكوا ما يبقيهم على قيد الحياة… ألا يسمى هؤلاء ضحايا اعدام سافر؟
بعد هذا العرض يمكن الوصول إلى استنتاج قوامه أن ما نفذته وتنفذه اسرائيل في كل من لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة يجتمع عند نقطة محددة تقوم على ممارسة استباحة وقتل المواطنين العرب في هذه البلاد، باعتبارهم ليسوا من البشر كما يرى التلموديون الصهاينة، الذين يستندون إلى بعض ما جاء في التوراة لممارسة عملية إفناء يرونها تتم بتبرير إلهي.
