الحرب الأخيرة لم تسقط البيوت فحسب، بل أصابت تاريخ القرى أيضاً. في الجنوب، لا يحتاج المرء إلى خرائط أثرية كي يتلمّس قيمة المكان. يكفي أن تسير في زاروب قديم، أو تمر قرب عين ماء، أو تلمس حجارة بيت تركه أصحابه منذ عقود، حتى تبدأ الحكايات بالتدفق وحدها. هنا عاش جدّ فلان، وهناك كانت الطاحونة، وفي تلك الساحة كانت تقام الأعراس وتُعقد المصالحات ويجلس الرجال مساءً بعد يوم طويل في الحقول.
طبقات كاملة من الذاكرة
الدمار الذي أصاب القرى الجنوبية في الحرب الأخيرة أكبر من مجرد مشهد أبنية مهدمة. الذي تضرر فعلياً ليس الحجر فحسب، بل طبقات كاملة من الذاكرة المحلية التي تراكمت عبر عشرات السنين والقرون.
في القرى الحدودية تحديداً، لم تكن الحرب عابرة فوق المكان. مرت داخله. عبرت الأزقة القديمة، وأصابت البيوت الحجرية، وغيرت شكل تلال ووديان وساحات يعرفها الناس حجراً حجراً. بعض ما تهدم معروف في كتب الآثار، لكن القسم الأكبر منه عاش دائماً خارج التصنيف الرسمي، وداخل الذاكرة الشعبية فقط. في الجنوب، التراث ليس متحفاً. إنه الحياة نفسها.
حين يصبح الدمار اقتلاعاً
في القنطرة، لا يتحدث السكان عن المنازل التي تهدمت فحسب، بل عن “الضيعة القديمة“.
هناك، فوق التلة الصغيرة المشرفة على وادي الحجير، كانت آثار بيوت العقد الحجرية، والأقواس القديمة، وبقايا الأدراج والساحات الصغيرة، شاهدة على مرحلة كان فيها الناس يبنون بيوتهم بالحجر المحلي ويعيشون على تماس مباشر مع الوادي والحقول المحيطة.
لم تكن المنطقة موقعاً أثرياً بالمعنى الرسمي، لكنها بالنسبة إلى أبناء البلدة كانت تختصر علاقتهم بالمكان. ويذكر أبناء البلدة أن التلة كانت تحتفظ أيضاً ببقايا معاصر وأساسات أبنية قديمة، فيما أشار بعض الرحالة الذين مروا في جبل عامل خلال القرن التاسع عشر إلى أن مسجد البلدة بني باستخدام حجارة تعود إلى كنيسة أقدم.
قد تبدو هذه الملاحظة عابرة، لكنها تحمل دلالات كبيرة. فإعادة استعمال الحجارة القديمة كان أمراً شائعاً في القرى التاريخية في لبنان وفلسطين.
التفجير الضخم الذي طال القنطرة لم يترك فقط حفراً وردماً وأبنية مدمرة، بل بدل شكل المشهد نفسه. جزء من الذاكرة الجغرافية للبلدة أزيل دفعة واحدة.
خبايا يارون ومحيبيب
الأمر لا يختلف كثيراً في القرى الحدودية الأخرى، حيث طال الدمار النسيج العمراني القديم أيضاً، لا الأبنية الحديثة وحدها.
يارون، من أقدم القرى الحدودية في جبل عامل. بعض الباحثين يرجحون أن جذور اسمها تعود إلى بلدة قديمة وردت في نصوص توراتية باسم “جيرون”، فيما تشير سجلات عثمانية من القرن السادس عشر إلى وجود سكان مسلمين ومسيحيين فيها معاً، وكانت تُعرف أحياناً باسم “يارون النصارى”. كما تحدث رحالة أوروبيون في القرن السابع عشر عن بقايا دير وكنيسة وأعمدة حجرية قديمة قرب البلدة.
أما محيبيب، فهي واحدة من القرى الحدودية الصغيرة في قضاء مرجعيون، لكنها تحمل ثقلاً تاريخياً ودينياً أكبر بكثير من حجمها الجغرافي. تقع على تلة مرتفعة قريبة جداً من الحدود الفلسطينية، وكانت عبر تاريخها جزءاً من المشهد الريفي القديم لجبل عامل، ببيوتها الحجرية وحقولها وعلاقتها المفتوحة مع القرى المجاورة.
أهمية محيبيب التاريخية ترتبط بشكل أساسي بـ”مقام النبي بنيامين”، الذي يعتبره أهالي المنطقة مقاماً دينياً قديماً يعود، بحسب الروايات المحلية، إلى أكثر من ألفي عام. والمقام مرتبط ببنيامين بن يعقوب، الشخصية الواردة في التراثين الإسلامي واليهودي، وقد بقي لعقود مزاراً دينياً وشعبياً لأبناء الجنوب. تعرّض الموقع عبر الزمن للإهمال والأضرار أكثر من مرة. وتشير تقارير وصور متداولة خلال الحرب الأخيرة إلى أن مقام النبي بنيامين تعرّض لأضرار كبيرة جداً، مع حديث واسع عن تدمير أجزاء أساسية منه ومحيطه خلال عمليات التفجير والقصف التي طالت البلدة.
بيوت بقيت لعشرات السنين شاهدة على التاريخ بكل ذكرياته، بأسقفها المقنطرة وحجارتها وساحاتها الداخلية، اختفت خلال أسابيع قليلة.
في قرى كهذه، لا ينفصل البيت عن العائلة، ولا الساحة عن الحكايات، ولا الطريق القديمة عن ذاكرة المواسم الزراعية والتنقل بين الحقول. يشعر كثيرون هنا أن ما خسره الجنوب يتجاوز فكرة “إعادة الإعمار” التقليدية.
يمكن ترميم جدار، لكن يصعب ترميم ذاكرة مكان.
سوق النبطية والذاكرة المفتوحة
في سوق النبطية القديم، لا تكفي كلمة “سوق” لوصف المكان. لسنوات طويلة، كان السوق بمثابة قلب الجنوب الشعبي. كل الطرق كانت تؤدي إليه: مزارعون يحملون مواسمهم، نساء يبعن مؤونة البيت، تجار، حرفيون، وأهالٍ يعتبرون يوم السوق جزءاً من إيقاع حياتهم الأسبوعية.
هناك، كانت القرى تتعارف وتتبادل الأخبار واللهجات والعلاقات. السوق لم يكن مجرد مساحة للبيع والشراء، بل مساحة اجتماعية كاملة.
حين أصابت الحرب أجزاء منه، بدا الأمر بالنسبة إلى كثيرين كأن جزءاً من الذاكرة الجماعية الجنوبية تعرض للأذى أيضاً.
فالأسواق القديمة ليست مجرد أبنية قابلة للاستبدال، بل أمكنة تختزن حياة مدنها وناسها.
وادي الحجير ماء لحياة القرى
في وادي الحجير، يبدو التراث أقل صخباً، لكنه أكثر عمقاً.
الوادي الذي شكل لعقود طويلة شرياناً زراعياً وطبيعياً للقرى المحيطة، احتفظ أيضاً بآثار مرحلة كاملة من الحياة الريفية الجنوبية: مجاري المياه القديمة، البساتين، وبقايا الطواحين الحجرية التي اعتمدت على حركة المياه لطحن الحبوب.
كانت الطاحونة جزءاً من يوميات القرى، لا مجرد بناء تقني. هناك يلتقي الناس، تنتظر العائلات دورها، وتدور أحاديث المواسم والزراعة والأخبار.
ومن القنطرة والطيبة وعدشيت ودير سريان وغيرها، كان أبناء القرى يقصدون الوادي لطحن القمح والذرة والاستفادة من مياه الحجير والبساتين المنتشرة على امتداده. بعض الطواحين القديمة ظلت معروفة بأسماء العائلات أو المواقع القريبة منها، مثل مطحنة “الرمانة، وآل مؤذن (العين)، وابو شامي وغيرها”، وبقيت آثارها الحجرية قائمة لسنوات طويلة بين الأشجار ومجاري المياه.
ومع الوقت، اختفت طواحين كثيرة بفعل التحولات الحديثة، لكن بعضها بقي صامداً، كأنه يرفض مغادرة المشهد.
وكان الوادي، بما يملكه من كثافة طبيعية وظلال ومياه جارية، يشكل مساحة لقاء موسمية لأبناء القرى، ومتنفساً ريفياً تختلط فيه الزراعة بالحياة الاجتماعية والذاكرة الشعبية.
الحروب الأخيرة، بما حملته من قصف وتجريف وتبدلات في طبيعة المكان، زادت هشاشة هذا الإرث الطبيعي والعمراني معاً، خصوصاً أن معظم هذه المواقع لا يحظى بأي حماية فعلية.
القلاع وتاريخ المنطقة
بعيداً عن القرى الصغيرة، بقي القلق يلاحق أيضاً المواقع التاريخية الكبرى، وفي مقدمتها قلعة تبنين وقلعة شمع.
هاتان القلعتان ليستا مجرد معلمين أثريين، إنهما جزء من صورة الجنوب نفسه. من التلال التي تراقب القرى والساحل، ومن التاريخ الطويل الذي مر على هذه المنطقة، من الحروب الصليبية إلى العصور الإسلامية وما بعدها.
ورغم بقائهما قائمتين، إلا أن الحروب المتكررة حولهما تجعل السؤال دائماً مطروحاً: إلى أي حد يستطيع هذا التراث أن يصمد في منطقة مفتوحة باستمرار على النزاعات؟
الجنوب الذي رآه الرحالة
قبل أكثر من قرن، كان الرحالة والباحثون الذين جالوا في جبل عامل يكتبون عن قرى تبدو كأنها قائمة فوق طبقات متراكمة من التاريخ.
الرحالة الفرنسي فيكتور غيران تحدث في كتاباته عن أعمدة حجرية ومعاصر وآثار رومانية وبيزنطية متناثرة في قرى الجنوب، بينما وثّق الباحث الأميركي إدوارد روبنسون وجود أبنية حجرية ومواقع قديمة موزعة بين التلال والوديان الجنوبية.
لكن القسم الأكبر من هذا الإرث لم يدخل فعلياً ضمن مشاريع الحماية أو الترميم. بقي قائماً بفعل الناس أكثر مما بقي بفعل الدولة.
الأهالي حافظوا على البيوت القديمة، وعلى الساحات وتفاصيل القرى التي بقيت حية رغم الإهمال والحروب المتعاقبة.
لهذا تبدو الخسارة الحالية مضاعفة: حرب تضرب مكاناً لم يكن محمياً أساساً.
والمشكلة الأعمق ربما، أن قسماً كبيراً من التراث الجنوبي غير موجود أصلاً في سجلات الحماية الرسمية.
لا أحد يوثق بشكل جدي البيوت الريفية القديمة، أو أسماء الحقول، أو الطرق الزراعية، أو عيون المياه، أو الذاكرة الشفوية المرتبطة بالقرى. ومع كل حرب، يصبح جزء من هذا العالم مهدداً بالاختفاء دون أن يترك أثراً.
بحسب اتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية زمن النزاعات المسلحة، فإن المواقع ذات القيمة التراثية تستوجب حماية خاصة، لكن الجنوب اللبناني يكشف مشكلة أكثر تعقيداً: ماذا عن التراث الذي لم تعترف به الدولة أصلاً؟
لهذا تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى ما هو أبعد من إعادة الإعمار. إلى مشروع حقيقي لتوثيق الذاكرة الجنوبية نفسها، قبل أن تتحول القرى القديمة إلى مجرد صور معلقة على جدران النازحين، أو إلى أسماء يتداولها كبار السن فقط.
* نشرت بتاريخ 6 أيار 2026 على موقع المدن
