زكـي طـه
بيروت 25 نيسان 2026 ـ بيروت الحرية
لم يعد ممكناً مقاربة ما يواجهه لبنان بوصفه أزمة سياسية عابرة، أو حتى انهياراً اقتصادياً عميقاً فحسب، بعدما أصبح البلد أمام مأزق وجودي شامل، تتداخل فيه مضاعفات الحرب الاميركية ـ الاسرائيلية المفتوحة معطوفة على التفكك الداخلي. وتتقاطع فيه الضغوط الخارجية مع عجز بنيوي في بنية الدولة والنظام والمجتمع. وفي هذا السياق، شكّل انخراط حزب الله في الحرب المرتبطة بالصراع الأميركي ـ الإسرائيلي مع إيران محطة مفصلية نقلت لبنان من موقع التلقي لمفاعيل الصراعات الإقليمية إلى موقع الانخراط المباشر فيها، بما حمله ذلك من تداعيات كارثية على المستويات الأمنية والسياسية والاجتماعية.
لقد حصل هذا الانخراط بقرار من حزب الله، ضمن منطق الارتباط بالمحور الإيراني، الأمر الذي فاقم الانقسام الداخلي على كل المستويات، وأعاد طرح مسألة احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم بوصفها القضية المركزية في الحياة السياسية اللبنانية. وفي موازاة ذلك، كشفت الحرب، بما رافقها من دمار واسع وخسائر بشرية ونزوح جماعي، حجم الهشاشة البنيوية التي يعانيها لبنان: دولة ضعيفة ومؤسسات متعثرة، نظام طائفي عاجز عن إنتاج حلول، سلطة مفككة واقتصاد منهار، ومجتمع يتجه نحو مزيد من التفكك والانقسام الحاد.
الحرب كرافعة لإعادة تشكيل لبنان
لم تبقَ الحرب في حدود رد الفعل العسكري، بل تحولت إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع اللبناني. فمن جهة، تسعى إسرائيل، بدعم أميركي واضح، إلى فرض واقع أمني جديد في جنوب لبنان من خلال إنشاء مناطق عازلة وترتيبات ميدانية دائمة، بما يتجاوز هدف الردع إلى إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية والمجتمعية للبلاد. ومن جهة اخرى تهدف هذه السياسة إلى دفع لبنان نحو مسار تسوية إقليمية أكبر، في سياق توسيع ما يسمى بالاتفاقات الإبراهيمية، بما يعكس توجهاً لإلحاقه ضمن منظومة سياسية وأمنية جديدة في المنطقة.
في المقابل، أعادت الحرب إنتاج الانقسامات الداخلية بأشكال أكثر حدّة وخطورة. وقد برزت مقاربتان متناقضتان: الأولى ترى في ما جرى نتيجة مباشرة لسياسات حزب الله، وتدفع نحو التسوية من خلال الرهان على الولايات المتحدة والانفتاح على إسرائيل كمدخل لإنقاذ لبنان، حتى ولو أدى ذلك إلى تقديم تنازلات كبرى.
والثانية تتحصن بالسلاح تحت راية “المقاومة”، وترفض أي تسوية لا تمر عبر إيران، اعتقاداً منها أن الصمود العسكري هو السبيل الوحيد لحماية لبنان، دون أي اعتبار لما وقع عليه من نتائج كارثية غير مسبوقة قتلاً وتهجيراً وتدميراً بذريعة مشاركتها في الحرب.
وبين هذين الخيارين، يغيب المشروع الوطني الجامع القادر على إخراج البلاد من أزمتها، ما يفتح الباب أمام تصاعد مسارات التفكك، واحتمالات الصدام الداخلي، وإعادة إنتاج النظام الطائفي بصيغ أكثر هشاشة.
مفاوضات تحت ضغط اختلال ميزان القوى
تجري المفاوضات الحالية، التي قبل بها لبنان اضطراراً تحت وطأة الضغوط ومخاطر استمرار الحرب في آن، في ظل اختلال فادح في ميزان القوى، سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي. فعلى الصعيد الدولي، تتمتع إسرائيل بتفوق عسكري وسياسي واضح، وتحظى بدعم أميركي كامل ينعكس في طبيعة المبادرات المطروحة وشروطها. أما داخلياً، فيعاني لبنان من انقسام عميق وغياب مرجعية دولة موحدة، إلى جانب استمرار ازدواجية السلطة بين الدولة والقوة المسلحة المتمثلة بحزب الله من خارجها.
وقد أدى هذا الواقع إلى إضعاف الموقف التفاوضي اللبناني، بحيث باتت المبادرات تُطرح من موقع ضعف، ومن دون امتلاك عناصر القوة اللازمة لفرض شروط متوازنة، ما يرفع من مخاطر الوصول إلى تسويات غير متكافئة قد تقترب، في مضمونها، من صيغ الإذعان وإن جاءت بأشكال محدثة.
السلطة بين خطاب الدولة وعجزها
في هذا الإطار، حاولت رئاسة الجمهورية والحكومة التمسك بمنطق الدولة، من خلال التأكيد على حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم، ورفض الانجرار إلى الحرب، والسعي إلى طرح مبادرات لوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات برعاية دولية. إلا أن هذه المحاولات بقيت محدودة التأثير، نتيجة ضعف أدوات الدولة، وغياب الإجماع الداخلي، واستمرار الضغوط الخارجية، ما يعكس فجوة عميقة بين خطاب الدولة السيادي والقدرة الفعلية على ترجمته.
أما على مستوى بنية الدولة، فقد كشفت الأزمة مجدداً عمق الاختلال القائم: عجز عن فرض السيادة، اختراق من قوى طائفية ومسلحة، وهشاشة في المؤسسات الأمنية والاقتصادية والإدارية والقضائية، ما يجعل أي سياسة رسمية عرضة للتعطيل أو الالتفاف.
صراع المشاريع داخل السلطة
أعادت الأزمة التأكيد أن الصراع بين قوى السلطة ليس مجرد خلاف في السياسات، بل هو صراع بين مشاريع تتشارك من مواقعها الطائفية في تناقضها مع فكرة الدولة الوطنية. فمن جهة، هناك من يراهن على نتائج الحرب للدفع نحو الالتحاق بالمحور الأميركي، الذي يبحث عن تسويات لما يديره من أزمات وصراعات في المنطقة، والسعي إلى إعادة إنتاج نظام الهيمنة الطائفية بصيغة جديدة. ومن جهة أخرى، يتمسك حزب الله وحلفاؤه بخيار الارتباط بالمشروع الإيراني، ويصرون على الاحتفاظ بالسلاح كأداة سلطة، ويرفضون أي تسوية لا تراعي هذا الارتباط.
وبين هذين المشروعين، تضيع المصلحة الوطنية، و تجري عملية إعادة إنتاج الطائفية كأداة للسيطرة السياسية، فيما يسود التحريض وخطاب التخوين من مختلف الضفاف الطائفية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
في ضوء هذه المعطيات، يبدو لبنان مقبلاً على ثلاثة مسارات رئيسية متداخلة:
المسار الأول: هو التسوية المفروضة، عبر اتفاق أمني ـ سياسي مع إسرائيل برعاية أميركية، يفرض قيوداً على سلاح حزب الله، ويدمج لبنان في ترتيبات إقليمية جديدة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تتعلق بفقدان جزء من السيادة وتكريس اختلالات داخلية قابلة للانفجار لاحقاً.
المسار الثاني: هو استمرار الحرب أو تجددها، نتيجة فشل المفاوضات أو استمرار الخروقات الإسرائيلية، إلى جانب إصرار حزب الله على الانخراط في المواجهة، وهو سيناريو يحمل مخاطر دمار إضافي وانهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة.
أما المسار الثالث: وهو الأخطر، فيتمثل في الانزلاق إلى انفجار داخلي، سواء بفعل محاولات نزع سلاح الحزب بقوة الدفع الاسرائيلي والضغط الخارجي، أو نتيجة تفاقم الانقسام السياسي والطائفي تحت وطأة تداعيات الحرب.
تسوية خارجية أم إعادة إنتاج الأزمة؟
ومع غياب معارضة ديمقراطية مستقلة وفاعلة، يُرجّح أن تتجه الأمور نحو مسار مركّب، تتداخل فيه المفاوضات الصعبة مع إسرائيل، مع محاولات إعادة إنتاج تسوية طائفية جديدة، برعاية دولية ـ اقليمية، تعيد تقاسم السلطة والنفوذ بين القوى نفسها، وفق تعديلات تفرضها ضغوط دولية وإقليمية لإعادة ضبط سلوك الطبقة السياسية القائمة، نظراً لعدم وجود بديل فعلي لها في المرحلة الراهن.
وفي هذا السياق، تتجدد مساعي تفعيل اتفاق الطائف، كمخرج لإعادة تشكيل السلطة، وفق موازين القوى الجديدة، وربط ذلك بمعالجة مسألة سلاح حزب الله، على النحو الذي يفسح في المجال بأن يكون للأجهزة والمؤسسات الامنية دور وازن في المرحلة القادمة. يجري البحث في إطار تسوية أوسع تتقاطع مع مسار تهدئة إقليمي، يتضمن اتفاق سلام مع اسرائيل، لا يعني بالضرورة تطبيع كامل معها، بل ينتج عنه ترتيبات أمنية تضمن وقف الحرب، وتحقق الانسحاب حتى الحدود الدولية بضمانات دولية تراعي مصالح الأطراف المختلفة.
مشروع الدولة في مواجهة الطوائف والمحاور
مع ذلك، فإن أي تسوية خارجية، مهما بلغت أهميتها، لن تكون كافية لإخراج لبنان من أزمته، ما لم تُعالج جذور الأزمة الداخلية. وجوهر المشكلة لا يكمن فقط في إعادة توزيع السلطة بين القوى الطائفية، بل في طبيعة النظام القائم على المحاصصة الطائفية، وفي التناقض المستمر بين مشروع الدولة الوطنية ومشاريع السيطرة والهيمنة الطائفية والارتباط بالمحاور الإقليمية.
وعليه لا يمكن لأي استقرار فعلي أن يتحقق ما لم يُعالج هذا التناقض جذرياً، من خلال استعادة الدولة لدورها وقرارها، وإعادة بناء الحياة السياسية على أسس وطنية ديمقراطية.
في المحصلة، لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع أخطار الحرب المفتوحة، والتسوية المفروضة، والتفكك الداخلي. وفي ظل هذا الواقع الصعب، يصبح الرهان الأساسي ليس فقط على وقف الحرب، بل على إنقاذ الكيان نفسه، من خلال بلورة مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ويفك ارتباط القرار الوطني بالمحاور الخارجية، ويربط أي تسوية خارجية بمسار إصلاح داخلي شامل.
فبدون ذلك، سيبقى لبنان عالقاً بين خيارين كلاهما مدمر: القبول القسري والمؤقت بحصته من تسويات الخارج، أو الاستمرار في دفع أثمان صراعات لا يملك قرارها.
