في لبنان، جرى طويلاً العمل على ترسيخ الانقسام المجتمعي والثقافي وتبسيطه عبر ثنائية شعاراتية سهلة: جماعة “تعشق الموت” وأخرى” تحبّ الحياة”. لعبت هذه الثنائية، وما زالت، على تعزيز الاستقطاب وتوسيع الهوّة، وتعميق الكراهيّة. إلّا أن هذا التوصيف لا يقول الحقيقة الكاملة عن لبنان؛ فهو يخفي في طيّاته عطب بنيوي يتمثّل بميلنا الدائم إلى الجلوس في كرسي الضحيّة محوّلين الضّعف إلى هويّة، والنّدب إلى لغة عامة، وانتظار الخلاص من الخارج بدل بناء أسباب القوّة من الداخل.
والوجه الأكثر فجاجة في هذه الثنائية هو الطريقة التي يجري فيها الحديث عن الشيعة بوصفهم جماعة تعشق الحزن والبكاء والموت. وحقيقة الأمر، أن هذا التّنميط الذي يُستعمل في السجال السياسي وحتّى الثقافي، يكشف مَيلاً لبنانياً إلى إسقاط أمراضه العامّة على طائفة واحدة. فتبدو الضحيويّة أو النّدب والبكاء كصفات مذهبية، وليس كسمات موزّعة بأشكال مختلفة ظاهرياً بين اللبنانيين جميعاً.
لا أحد يملك الحقّ في تسخيف الحزن والألم والحداد عندما تكون على خسارة حقيقيّة وعلى ظلم فعلي. المشكلة في مكان آخر؛ في تحويل الضعف والألم والظّلم إلى مادّة سياسية دائمة نعرّف من خلالها عن أنفسنا. هنا تُصبح الضحيّة وضعاً لا رغبة في تجاوزه، بل هويّة لتبرير العجز، والإعفاء من الفعل، وادّعاء تفوّق أخلاقي وهمي.
القوّة من الداخل
إذن، تُصبح الضحيويّة اللبنانية طريقة تفكير سياسي، متخطيّة العاطفة والمشاعر، فنبدأ بتخيّل القوّة كشيء يأتي إلينا من الخارج: من تسوية كبيرة، أو رعاية دولية، أو حماية إقليمية، أو حدث غير متوقّع يغيّر كلّ شيء دفعة واحدة. فيغيب عن وعينا السياسي العام ومخيّلتِنا أن القوّة هي مسار تراكمي، وشيء يُبنى من الداخل ببطء.
لذلك، لا نسمع في لبنان سوى خطابات سياسية مسكونة بالسياسات العليا البعيدة، المرتبطة بالمحاور والمؤامرات وموازين القوى الخارجية. بينما يبقى غائباً الكلام عن الشروط الفعلية والحقيقية التي تُنتج القوّة من الداخل: التربية ودورها في بناء المجتمع، وليس كملفّ خدماتي؛ والمدرسة بوصفها مؤسسة تصنع المواطن، وليس كامتياز لمن استطاع لها سبيلا؛ والجامعة كمركز أبحاث ودراسات ورؤى وطنية، وليس كمختبر لتحضير الشباب لسوق العمل والهجرة. أو الكلام عن تطوير الأنظمة المدنية كمدخل إلى هويّة مواطنية أقلّ هشاشة وأكثر تماسكاً، وليس لتسليع الأرض؛ والبلديات كتجسيد لفلسفة اللامركزية والوصول إلى مجتمعات محلية ناضجة، وليس كإدارة محلية تُعنى برفع اليافطات، وترسيخ الزبائنية. امّا العمل اليومي الطويل والذرّي، الذي يصنع الفارق الكبير بشكل فعلي، فيبقى خارج الخطاب والاهتمام.
حتى الاقتصاد الذي بنيناه يعكس هذا المنطق. فهو، في جانب واسع منه، اقتصاد ضعف واستجداء أكثر مما هو اقتصاد إنتاج. اقتصاد يقوم على انتظار المغترب، وعلى استدعائه لينفق، وعلى استدرار الموسم والسائح والزيارة والتحويل. اقتصاد توسُّل المساعدات وأموال الإعمار، كأن البلد لا يتخيّل نفسه إلا بوصفه مساحة طلب، لا مساحة خلق قيّمة. وحتى اللغة التي تُسوّق بها هذه القطاعات تكشف شيئاً من هذا المنطق: “تعالوا”، “عودوا”، “أنفقوا”، ولا ننسى حملة وزارة السياحة “أهلاً بهل طلّة”. لا أحد ينكر أهمية المغتربين ولا دورهم ولا حاجتنا إليهم. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الحاجة إلى فلسفة اقتصادية، وحين يصير الخارج شرطاً دائماً لحياة الداخل، لا عاملاً مساعداً فيه.
ماذا يعني كلّ هذا؟
يعني أنّنا نريد السيادة من دون المجتمع، ونريد الدولة من دون المواطنين، ونريد الاقتصاد من دون إنتاج، ونريد القوّة من دون بنائها، ونريد الكرامة والاستقلال من دون الانسان. بالمختصر المفيد، نريد النتيجة من دون شروطها! لذلك إنّ أكثر ما يتميّز به خطابنا السياسي هو القفز، والقفز الطويل: من الضّعف المطلق إلى الخلاص العجائبي، من المأزق المركّب إلى الحلّ النهائي، ومن الانهيار الاعمق إلى القرنة السوداء. أمّا النفس الطويل، والعمل التراكمي، ورسم الاستراتيجيات يبقى من الخطابات الاقلّ جاذبيّة ونقاشاً، ويتمّ تقزيمها أمام الشعارات الكبرى.
بهذا المعنى، الضحيويّة اللبنانية ليست فقط في السياسة، بل في الاقتصاد أيضاً. ليست فقط في الندب، بل في طريقة تنظيم الحياة العامة. إنها تظهر حين نفضّل سردية العجز على مشروع البناء، وحين نرفع الشكوى إلى مرتبة الهوية، وحين نصير أكثر براعة في وصف ضعفنا من براعتنا في تخيّل وإنتاج شروط القوّة. وهنا يصبح الخارج، دائماً، جزءاً من الخلاص المُنتظر: الخارج يموّل، الخارج يحمي، الخارج يتوسط، الخارج يضغط، الخارج ينقذ. أما الداخل، فيبقى قابعاً في مستنقع الأزمة، وليس حتّى على حدود الخروج منها.
صناعة الخلاص
إنَّ خطورة هذه البنية ليست محصورة في حاضرنا، بل تتخطّاه لتزرع شيئاً في الأجيال الجديدة: تَوقُع الخلاص بدل صناعته، وطلب الحماية بدل بناء القوّة. فما نقوم به فعلياً، ليس توريث الأزمات فقط، بل توريث مخيّلة كاملة عن الضّعف؛ الداخل عاجز والحلّ يأتي من الخارج، الوطن يعيش لينجو ولا مشروع حياة مستدامة فيه، والسياسة ليست بناءً عضوياً بطيئاً بل انتظار تسويات ورعايات ومعجزات.
أمام هذه البنية يحلّ الخوف والانتظار والشكّ محلّ المبادرة والفعل والرّغبة، وتهيمن الفردانية المصحوبة بالشعور بالنّجاة اكثر واكثر على الحسّ الجماعي والمصير المشترك. والمحصّلة سيئة جداً، فهذا كلّه يُعيد الناس، من حيث لا يدرون، إلى بنية تشبه الوعد بالخلاص، فبدلاً من تحرير الناس من قبضة النظام الطائفي ومنطق الاتّكال، نُعيد إدخالهم في دوّامة جديدة من الارتهان. إرتاهن لا يقوم على عقيدة دينية هذه المرّة، بل قائم على الترقّب والمعجزة وانتظار المخلّص.
صحيح أن لبنان غير قادر أن يتحرّك بشكل كامل خارج معادلات الجيوبوليتيك وثقل الجغرافيا والجيران، وأثقلهم عدوّ الانسانية إسرائيل، الّا أن المشكلة لا تكمن هنا فقط، بل في استخدامه الدائم لذرائع لعدم بناء أي شيء من الداخل، والدّفع بكلّ نقص داخلي عليه. وما المفاوضات الجارية اليوم بين لبنان وإسرائيل، سوى تجسيد لهذه المشكلة: ضعف ينتظر الخلاص، وقوّة مستعارة من الخارج. فمن يرفع راية الشهادة ومن يرفع شعار حب الحياة، كلاهما يتقاطعان في تحويل الضعف إلى هويّة.
* نشرت بتاريخ 25 نيسان 2026 على موقع المدن
